العقيدة الأمريكية الجديدة.. من احتواء فنزويلا إلى أزمة غرينلاند
شبكة النبأ
2026-01-11 04:01
"يستعرض هذا التقرير التحول الاستراتيجي الخطير في السياسة الأمريكية عقب نجاح العملية العسكرية في فنزويلا، حيث دشنت إدارة ترامب ما أسمته بـ (عقيدة دونرو). تنتقل هذه العقيدة من مرحلة (إدارة النزاعات) إلى (الاستحواذ المباشر)، مركزة أنظارها على جزيرة غرينلاند كهدف أمني واقتصادي ملح. ويسلط التقرير الضوء على الأدوات غير المسبوقة المستخدمة في هذه المعركة -من عروض شراء السكان إلى التلويح بالاجتياح العسكري لدولة حليفة- وكيف أدى هذا النهج (الإمبراطوري) إلى وضع حلف الناتو على حافة الانهيار، مهدداً بإعادة رسم خريطة التحالفات العالمية."
الملخص التنفيذي: "عقيدة دونرو" وأزمة القطب الشمالي
يشهد المشهد الجيوسياسي العالمي تحولاً دراماتيكياً في أعقاب النجاح العسكري الأمريكي الخاطف في فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو. هذا الحدث لم يكن مجرد عملية تكتيكية، بل شكّل نقطة انطلاق لتدشين ما بات يُعرف بـ "عقيدة دونرو" (تحوير لمبدأ مونرو 1823)، التي تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب. ترتكز هذه العقيدة الجديدة على فرض السيادة الأمريكية المطلقة على نصف الكرة الغربي والقطب الشمالي، معتبرة إياها مناطق نفوذ حصرية محرمة على القوى المنافسة (روسيا والصين)، ومستخدمة أدوات "الرئاسة الإمبراطورية" التي تدمج بين الإغراء المالي والتلويح بالقوة العسكرية الخشنة ضد الخصوم والحلفاء على حد سواء.
يتمحور التركيز الاستراتيجي الحالي للإدارة الأمريكية حول جزيرة غرينلاند، التي انتقلت من كونها فكرة "شراء عقاري" في ولاية ترامب الأولى، إلى "أولوية أمن قومي" ملحة في الولاية الحالية. تستند الرغبة الأمريكية في الاستحواذ على الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي إلى ثلاث محركات رئيسية:
1. الأمن القومي: قطع الطريق أمام التمدد العسكري الروسي والصيني في القطب الشمالي، وتأمين ممر "غرينلاند-أيسلندا-بريطانيا" الحيوي.
2. الموارد الاستراتيجية: السيطرة على مخزونات هائلة من المعادن الأرضية النادرة الضرورية للصناعات العسكرية والتكنولوجية، لكسر الاحتكار الصيني.
3. الجغرافيا السياسية: تعزيز منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكي عبر توسيع السيادة المباشرة وليس فقط عبر القواعد المؤجرة.
لتحقيق هذا الهدف، تبنت واشنطن نهجاً مزدوجاً وغير مسبوق في التعامل مع دولة حليفة في "الناتو". المسار الأول هو "الإغراء الاقتصادي"، حيث تدرس الإدارة تجاوز الحكومة الدنماركية وعرض حوافز مالية مباشرة على سكان غرينلاند (تتراوح بين 10 آلاف و100 ألف دولار للفرد) ومشاريع استثمارية ضخمة مقابل الانفصال عن الدنمارك والانضمام للولايات المتحدة. أما المسار الثاني، والأكثر خطورة، هو التلويح الصريح بالخيار العسكري، حيث أكد البيت الأبيض أن "استخدام الجيش خيار مطروح دائماً"، معتبراً أن الدنمارك عاجزة عن حماية الجزيرة.
أثارت هذه التحركات أزمة غير مسبوقة داخل المعسكر الغربي، مهددة وجود حلف شمال الأطلسي (الناتو) برمته. فقد حذرت رئيسة وزراء الدنمارك بوضوح من أن أي تحرك عسكري أمريكي ضد دولة عضو سيعني "نهاية الحلف والنظام الأمني العالمي" الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. وقد اصطفت القوى الأوروبية الكبرى (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إسبانيا، إيطاليا) في بيان مشترك نادر لدعم سيادة الدنمارك، مما يشير إلى عزلة دبلوماسية متزايدة لواشنطن عن حلفائها التقليديين.
بالتوازي مع أزمة غرينلاند، وسعت إدارة ترامب دائرة ضغوطها لتشمل أمريكا اللاتينية (كولومبيا والمكسيك وكوبا) والشرق الأوسط (إيران)، مستخدمة نفس منطق "الإخضاع" الذي طُبق في فنزويلا. تشير التقديرات إلى أن العالم أمام منعطف خطير؛ فبينما يرى ترامب في هذه السياسة استعادة للهيبة الأمريكية وفرضاً للأمر الواقع، يرى الحلفاء والخصوم فيها تهديداً بتقويض أسس القانون الدولي والتحالفات المستقرة، مما قد يدفع نحو فوضى دولية إذا ما قررت واشنطن ترجمة تهديداتها اللفظية إلى تحرك عسكري فعلي في القطب الشمالي.
الخلاصة: إن النجاح التكتيكي في فنزويلا قد أغرى واشنطن بتبني استراتيجية توسعية قد تؤدي إلى "انتحار استراتيجي" لحلف الناتو، حيث تضع الولايات المتحدة مصالحها الجيوسياسية الضيقة فوق اعتبارات التحالف الغربي الموحد، في مقامرة قد تعيد رسم خريطة النفوذ العالمي أو تؤدي إلى تفكك المنظومة الغربية.
المقدمة: السياق العام.. من "كراكاس" إلى القطب الشمالي
يعيش النظام الدولي في مطلع عام 2026 تحت وطأة زلزال جيوسياسي غير مسبوق، أحدثته التحولات الجذرية والمتسارعة في العقيدة السياسية والعسكرية للولايات المتحدة الأمريكية. لم يعد المشهد العالمي محكوماً بالقواعد الدبلوماسية التقليدية التي سادت لعقود، بل بات خاضعاً لمنطق "فرض القوة" والمصالح المباشرة، في ظل رئاسة دونالد ترامب التي تبدو اليوم أكثر جرأة وتحرراً من القيود المؤسسية والتحالفات التقليدية مقارنة بولايته الأولى.
نقطة التحول الرئيسية، أو "الحدث المؤسس" لهذا السياق الجديد، تمثلت في العملية العسكرية الأمريكية الخاطفة والجريئة في العاصمة الفنزويلية كراكاس، والتي أفضت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الأراضي الأمريكية. هذا الحدث لم يكن مجرد تغيير لنظام سياسي مناوئ في الفناء الخلفي لواشنطن، بل كان بمثابة "اختبار ناجح" لقدرة الإدارة الأمريكية على استخدام القوة الخشنة دون رادع دولي يذكر. لقد منح نجاح هذه العملية الرئيس ترامب وفريقه للأمن القومي شعوراً عارماً بالثقة، وولد ما وصفته المحللة في معهد بروكينغز "أصلي آيدين تاش باش" بـ "لحظة الرئاسة الإمبراطورية"، حيث بات البيت الأبيض يرى أن العالم، وخاصة نصف الكرة الغربي، يجب أن يخضع لمعادلة بسيطة: إما الرضوخ للهيمنة الأمريكية أو مواجهة المصير الفنزويلي.
في هذا المناخ المشحون بنشوة النصر العسكري، أعادت واشنطن صياغة أولوياتها الاستراتيجية بشكل جذري. فبدلاً من الاكتفاء بإدارة النزاعات، انتقلت الاستراتيجية الأمريكية إلى "الاستحواذ المباشر" وتوسيع الرقعة الجغرافية للسيادة الأمريكية. وهنا برز ملف "جزيرة غرينلاند"، ليس كمجرد رغبة عقارية قديمة، بل كهدف استراتيجي ملح لا يقبل التأجيل. السياق العام يشير إلى أن واشنطن باتت تنظر إلى الخرائط القديمة والتحالفات (بما فيها الناتو) كأدوات "منتهية الصلاحية" إذا لم تخدم الهدف الأسمى: منع الصين وروسيا من موطئ قدم في القطب الشمالي.
هذا التحول الجذري تم تأطيره أيديولوجياً بما بات يُعرف بـ "عقيدة دونرو"، وهو تحوير لفظي وعملي لـ "مبدأ مونرو" الذي أطلقه الرئيس جيمس مونرو عام 1823. وبينما كان المبدأ الأصلي يهدف لمنع التدخل الأوروبي في الأمريكتين، فإن النسخة الترامبية (دونرو) توسع هذا المفهوم ليشمل القطب الشمالي، وتعيد تفسيره ليمنح واشنطن "حقاً حصرياً" في التدخل وتغيير الحدود والأنظمة، ليس فقط لحماية المنطقة من الغرباء، بل لضم أجزاء منها للسيادة الأمريكية إذا اقتضت الضرورة الأمنية ذلك.
بناءً على ذلك، فإن السياق العام الذي يتحرك فيه هذا التقرير هو سياق "سيولة استراتيجية" خطيرة؛ حيث تتلاشى الخطوط الفاصلة بين الحليف والخصم. فالدنمارك، الحليفة التاريخية وعضو الناتو، تجد نفسها اليوم تواجه نفس لغة التهديد التي واجهتها فنزويلا. وكولومبيا والمكسيك تواجهان ضغوطاً تمس سيادتهما الوطنية تحت شعارات مكافحة المخدرات. نحن إذن أمام مشهد عالمي يتسم بغياب اليقين، حيث تختبر الولايات المتحدة حدود قوتها القصوى، بينما يراقب العالم بقلق ما إذا كانت هذه "الصحوة الإمبراطورية" ستؤدي إلى إعادة تشكيل النظام العالمي لصالح واشنطن، أم ستؤدي إلى انهيار منظومة التحالفات الغربية (الناتو) واندلاع صراعات دولية لا يمكن احتواؤها.
هذا التقرير يحاول تفكيك هذا المشهد المعقد، انطلاقاً من فرضية أن ما حدث في كراكاس لم يكن النهاية، بل كان مجرد "طلقة البداية" لسباق استحواذ جيوسياسي يقوده ترامب، وعينه على الجائزة الكبرى في الشمال المتجمد.
المحور الأول: الإطار النظري للسياسة الجديدة (عقيدة "دونرو")
لم يكن التحرك العسكري الأمريكي الأخير في فنزويلا، وما تبعه من تصعيد دبلوماسي تجاه الدنمارك بشأن غرينلاند، مجرد ردود فعل عشوائية أو نزوات رئاسية عابرة. عند تحليل الخطاب الصادر عن الرئيس دونالد ترامب وفريقه للأمن القومي، وربطه بالسلوك الميداني، يتضح أننا أمام ولادة منظومة فكرية واستراتيجية متكاملة أطلق عليها الرئيس نفسه -في لحظة جمعت بين السخرية والجدية المفرطة- اسم "عقيدة دونرو" (Donroe Doctrine).
هذه العقيدة تمثل عملية "تحوير جيني" سياسي لمبدأ "مونرو" الشهير الذي أرساه الرئيس الخامس جيمس مونرو عام 1823. وبينما كان المبدأ الأصلي يرتكز على فكرة "دفاعية" تهدف لمنع القوى الاستعمارية الأوروبية من التمدد في الأمريكتين، فإن النسخة الترامبية لعام 2026 تأتي بصبغة "هجومية" و"استحواذية" فجة. تسعى "عقيدة دونرو" لإعادة تعريف مفهوم السيادة والنفوذ في القرن الحادي والعشرين، مستندة إلى أربع مرتكزات نظرية وعملية رئيسية:
أولاً: "المجال الحيوي الحصري" (توسيع الجغرافيا الأمنية)
المرتكز الأول لهذه العقيدة هو إعادة رسم حدود الأمن القومي الأمريكي. لم يعد "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة يقتصر على أمريكا اللاتينية والكاريبي فحسب، بل تم تمديده شاقولياً ليشمل القطب الشمالي (عبر بوابة غرينلاند).
وفقاً لهذه الرؤية، يُنظر إلى نصف الكرة الغربي والمنطقة القطبية الشمالية كـ"منطقة نفوذ أمريكية مقدسة" يُحظر فيها أي تواجد استراتيجي أو اقتصادي للقوى المنافسة، وتحديداً الصين وروسيا. المنطق الذي يحكم هذا المرتكز بسيط وحاسم: "إما نحن أو هم". لذا، فإن التواجد الصيني الاقتصادي في غرينلاند، أو النفوذ الروسي العسكري في فنزويلا، لا يُعامل كقضايا تنافس تجاري أو دبلوماسي، بل كتهديد وجودي يبرر التدخل العسكري المباشر لتغيير الأنظمة (كما حدث مع مادورو) أو تغيير الخرائط (كما هو مُخطط لغرينلاند).
ثانياً: عسكرة الدبلوماسية ونهاية "القوة الناعمة"
يمثل الانتقال من التلويح بالقوة إلى استخدامها فعلياً جوهر "عقيدة دونرو". لقد شكلت عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو نقطة القطيعة النهائية مع سياسات "التدخل الناعم" أو العقوبات الاقتصادية البطيئة.
تؤسس هذه العقيدة لمبدأ جديد مفاده أن "السيادة مشروطة بالرضوخ". فالدول التي تقع ضمن المجال الحيوي الأمريكي (مثل كولومبيا والمكسيك) تُخير بين خيارين: إما التعاون الكامل مع الأجندة الأمنية لواشنطن (مكافحة المخدرات، طرد النفوذ الأجنبي)، أو مواجهة التدخل المباشر الذي قد يصل إلى نشر قوات أمريكية داخل أراضيها دون إذنها، كما هدد ترامب المكسيك وكولومبيا. وكما صرحت الباحثة "أصلي آيدين تاش باش"، فإن الرسالة الضمنية لهذه العقيدة هي: "بإمكاني ترهيب البلد لحمله على الرضوخ... وعليكم القبول بالهيمنة الأمريكية إن أردتم الحفاظ على سيادتكم".
ثالثاً: المنظور "العقاري" للعلاقات الدولية (تسليع الدول)
ما يميز "عقيدة دونرو" عن أي استراتيجية أمريكية سابقة هو النظرة "التبادلية" (Transactional) الفجة للدول والأقاليم. ينظر الرئيس ترامب إلى الجغرافيا السياسية بعقلية المطور العقاري؛ فالدول والأقاليم هي "أصول" يمكن شراؤها، بيعها، أو الاستحواذ عليها إذا كانت "الصفقة" رابحة.
يتجلى هذا بوضوح صارخ في ملف غرينلاند. فالإدارة الأمريكية لا تتعامل مع الجزيرة ككيان ذي خصوصية ثقافية أو سياسية، بل كـ"موقع استراتيجي" و"مخزن موارد" يجب الاستحواذ عليه لتعظيم أصول الأمن القومي. ومحاولة "شراء" سكان الجزيرة عبر دفع رواتب سنوية مباشرة لهم لتشجيعهم على الانفصال عن الدنمارك تعكس قناعة راسخة لدى أصحاب هذه العقيدة بأن "لكل شيء ثمن"، وأن الولاءات الوطنية يمكن تفكيكها عبر الصفقات المالية. هذا المنظور يُسقط اعتبارات التاريخ والهوية وحق تقرير المصير لصالح معادلات الربح والخسارة المادية.
رابعاً: "الأحادية الإمبراطورية" وتجاوز التحالفات
لعل أخطر ما في "عقيدة دونرو" هو تجاوزها الهيكلي لمؤسسات النظام الدولي التي ساهمت الولايات المتحدة نفسها في بناؤها، وعلى رأسها حلف "الناتو".
في ظل هذه العقيدة، لا توجد حصانة للحلفاء إذا ما تعارضت مصالحهم مع "الأولوية الأمريكية". فالدنمارك، وهي عضو مؤسس في الناتو، وجدت نفسها تُعامل كخصم معاند وليست كشريك، بل وتم تهديدها ضمنياً بالقوة العسكرية. هذا يشير إلى أن العقيدة الجديدة لا تؤمن بـ"الأمن الجماعي"، بل بـ"الأمن الأمريكي المباشر". التحالفات في عرف "دونرو" هي أدوات لخدمة المصالح الأمريكية، فإذا تحولت إلى عائق (كما هو الحال في رفض الدنمارك بيع غرينلاند)، يتم تهميشها أو حتى التهديد بتفكيكها. الرئيس يتصرف هنا ليس كقائد للعالم الحر، بل كـ"إمبراطور" يملك تفويضاً مطلقاً لفرض إرادته، متحرراً من القيود البيروقراطية والدبلوماسية التقليدية.
بناءً على ما سبق، يمكن تعريف "عقيدة دونرو" بأنها: استراتيجية هيمنة شاملة، تدمج بين القومية المتطرفة، والنزعة العسكرية التدخلية، والبراغماتية التجارية، بهدف تحويل نصف الكرة الغربي والقطب الشمالي إلى "قلعة أمريكية" مغلقة، مع استعداد كامل لاستخدام القوة القسرية ضد الأعداء والحلفاء على حد سواء لضمان ذلك.
هذا الإطار النظري يفسر لماذا تبدو واشنطن اليوم وكأنها في حالة "هجوم شامل" على جبهات متعددة (فنزويلا، غرينلاند، المكسيك، كولومبيا، إيران)؛ فالأمر ليس مجرد ملفات منفصلة، بل هو تطبيق منهجي لعقيدة ترى في العالم ساحة مفتوحة لفرض الإرادة، وتعتبر أن لحظة "الانكفاء" قد انتهت، وحلت محلها لحظة "الاستعادة بالقوة".
المحور الثاني: ملف غرينلاند.. الأسباب الجيوسياسية وآليات الاستحواذ
انتقلت قضية "غرينلاند" في أجندة الإدارة الأمريكية الحالية من خانة "التصريحات الغريبة" أو الأمنيات العقارية، لتصبح محوراً مركزياً في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي. هذا التحول الجذري، الذي تغذيه نشوة الانتصار في فنزويلا، يستند إلى قراءة دقيقة لخرائط النفوذ العالمي، حيث يُنظر إلى الجزيرة القطبية ليس ككتلة جليدية نائية، بل كـ "حاملة طائرات ثابتة" و"خزنة موارد" لا يمكن تركها تحت إدارة دولة أوروبية صغيرة (الدنمارك) تُعتبر في نظر واشنطن عاجزة عن حماية المصالح الغربية في مواجهة الصعود الروسي والصيني.
أولاً: الدوافع الاستراتيجية (لماذا غرينلاند الآن؟)
تتداخل ثلاث محركات رئيسية تجعل من السيطرة على غرينلاند "ضرورة حتمية" وليست خياراً ترفياً في العقيدة الأمريكية الجديدة:
1. سباق الهيمنة على القطب الشمالي (The Arctic Rush):
مع ذوبان الجليد القطبي، تحول القطب الشمالي إلى ساحة صراع دولي ساخنة. توفر غرينلاند موقعاً حاكماً للسيطرة على ما يُعرف بممر "غرينلاند-أيسلندا-المملكة المتحدة" (GIUK Gap)، وهو الممر البحري الحيوي الذي يجب أن تعبره الغواصات والسفن الروسية للوصول إلى المحيط الأطلسي وتهديد السواحل الأمريكية. ترى واشنطن أن الوجود العسكري الحالي (قاعدة "ثول/بيتوفيك") لم يعد كافياً، وأن "السيادة الكاملة" هي الضمان الوحيد لنشر منظومات دفاع صاروخي باليستي متطورة وردع التمدد الصيني الذي يصف نفسه بـ"دولة قريبة من القطب الشمالي". الرئيس ترامب عبّر عن ذلك بوضوح حين قال: "إذا لم نستحوذ عليها، ستفعل الصين أو روسيا... الدنمارك لن تتمكن من حمايتها".
2. حرب الموارد والمعادن النادرة:
تمثل غرينلاند الحل السحري لمعضلة الاعتماد الأمريكي على الصين في مجال التكنولوجيا الفائقة. تحتوي الجزيرة على احتياطيات هائلة غير مستغلة من "المعادن الأرضية النادرة" (Rare Earth Elements) الضرورية لصناعة كل شيء من الهواتف الذكية إلى مقاتلات F-35 والصواريخ الموجهة. في ظل الحرب التجارية والتكنولوجية مع بكين، تسعى واشنطن لتأمين سلسلة توريد مستقلة ومحلية لهذه المواد. بالإضافة إلى ذلك، تشير التقديرات إلى وجود احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، مما يعزز هيمنة أمريكا في مجال الطاقة.
3. الطرق الملاحية الجديدة:
على الرغم من تشكيك ترامب في التغير المناخي، فإن إدارته تخطط استراتيجياً لنتائجه. ذوبان الجليد يفتح طرق ملاحة شمالية جديدة تختصر المسافة بين آسيا وأوروبا وأمريكا. السيطرة على غرينلاند تعني التحكم في "قناة سويس المستقبل" في الشمال، وفرض رسوم أو شروط أمنية على حركة التجارة الدولية المارة عبر هذه المياه.
ثانياً: آليات التنفيذ.. بين "الإغراء المالي" و"التهديد العسكري"
لتحقيق هذا الاستحواذ المعقد، طورت إدارة ترامب نهجاً هجيناً وغير مسبوق يلتف على الأعراف الدبلوماسية، ويعتمد آليات متوازية لكسر الرفض الدنماركي والغرينلاندي:
1. استراتيجية "الشراء المباشر للولاء" (Financial Bypassing):
في خطوة تعتبر تجاوزاً خطيراً للسيادة الدنماركية، تدرس الإدارة الأمريكية "شراء السكان" بدلاً من شراء الأرض من الحكومة المركزية. كشفت التسريبات عن خطط لدفع مبالغ نقدية مباشرة وضخمة لسكان غرينلاند (البالغ عددهم 57 ألف نسمة)، تتراوح التقديرات بين 10 آلاف إلى 100 ألف دولار للفرد الواحد، بالإضافة إلى استثمارات هائلة في البنية التحتية.
الهدف من هذه الآلية هو إحداث شرخ بين "نوك" (عاصمة الإقليم) و"كوبنهاغن"، عبر إغراء السكان المحليين بأن الانضمام للولايات المتحدة سيحقق لهم رفاهية فورية لا تستطيع الدنمارك توفيرها. تسعى واشنطن لدفع البرلمان المحلي في غرينلاند لإعلان الانفصال الكامل عن المملكة الدنماركية، ومن ثم توقيع اتفاقية "ارتباط حر" (Free Association) أو انضمام كامل للولايات المتحدة.
2. التلويح بـ "سيناريو فنزويلا" (The Military Option):
لعل التطور الأخطر في هذا المحور هو التصريح الرسمي الصادر عن البيت الأبيض بأن *"استخدام الجيش هو دائماً خيار مطروح"*. لم يعد الأمر مجرد مفاوضات تجارية، بل انتقل إلى مستوى التهديد الوجودي. تستثمر واشنطن "الرعب" الذي أحدثته عملية اعتقال مادورو في كراكاس لإرسال رسالة مبطنة لحلفائها قبل خصومها: القوة الأمريكية مفرطة وجاهزة للاستخدام.
يتمثل السيناريو العسكري المحتمل ليس بالضرورة في غزو برمائي شامل، بل في توسيع القواعد العسكرية القائمة قسراً، أو فرض حصار بحري لمنع أي استثمارات صينية، أو حتى دعم انقلاب محلي موالٍ لواشنطن تحت ذريعة "حماية الأمن القومي"، وهي الذريعة التي استخدمها ترامب لتبرير اهتمامه بالجزيرة.
3. الضغط الدبلوماسي "التفتيتي":
تعمل واشنطن على عزل الدنمارك عبر محاولة فتح قنوات اتصال مباشرة مع الساسة الانفصاليين في غرينلاند (مثل حزب "ناليراك" المعارض). تشجع التصريحات الأمريكية الأصوات التي تطالب بإجراء محادثات مباشرة مع واشنطن دون وساطة كوبنهاغن، مستغلة الرغبة التاريخية لدى "الإنويت" في الاستقلال. هذا التكتيك يضع الحكومة الدنماركية في موقف حرج؛ فإذا منعت غرينلاند من التفاوض ستظهر بمظهر "المستعمر"، وإذا سمحت بذلك ستخسر سيادتها.
إن ملف غرينلاند في الرؤية الأمريكية الحالية ليس نزاعاً عقارياً، بل هو حجر الزاوية في بناء "القلعة الأمريكية" الشمالية. تدرك واشنطن أن العقبات القانونية (الدستور الدنماركي) والسياسية (رفض السكان) كبيرة، لكنها تراهن على مزيج من "الدولار" و"البندقية". الفلسفة الحاكمة هنا هي أن الدنمارك "مجرد مستأجر" لعقار يملكه الأمن القومي الأمريكي بحكم الجغرافيا والضرورة، وأن وقت "إنهاء عقد الإيجار" قد حان، سواء بالطرق الودية (الشيكات المصرفية) أو بالطرق الخشنة (السيناريو الفنزويلي).
المحور الثالث: التداعيات الجيوسياسية وردود الفعل الدولية.. تصدع "الناتو" وهدية للخصوم
لم تكن ارتدادات "عقيدة دونرو" والتحركات الأمريكية تجاه غرينلاند مجرد خلاف دبلوماسي عابر بين حلفاء، بل تحولت سريعاً إلى أزمة وجودية تضرب في الصميم البنية الأمنية للغرب. الانتقال الأمريكي من موقع "الضامن للأمن الأوروبي" إلى موقع "المُهدد للسيادة"، مدفوعاً بنشوة الانتصار في فنزويلا، أحدث صدمة استراتيجية في العواصم الأوروبية، وأرسل رسائل متضاربة للعالم، مانحاً خصوم واشنطن (بكين وموسكو) فرصة ذهبية لتعزيز روايتهم المناهضة للهيمنة الأمريكية.
أولاً: الدنمارك وغرينلاند.. من الحليف الموثوق إلى "الهدف المحتمل"
شكلت ردود الفعل الصادرة من كوبنهاغن ونوك (عاصمة غرينلاند) خط الدفاع الأول ضد الطموحات الأمريكية. بالنسبة للدنمارك، الدولة العضو في الناتو والتي شاركت جنودها في الحروب الأمريكية من أفغانستان إلى العراق، كان التعامل الأمريكي بمثابة "خيانة للثقة" وإهانة وطنية.
وصفت رئيسة الوزراء الدنماركية "ميته فريدريكسن" الفكرة بأنها "سخيفة"، لكن الأخطر كان تحذيرها الاستراتيجي من أن أي عمل عسكري أمريكي ضد دولة عضو في الحلف سيعني "نهاية كل شيء". هذا التصريح يعكس عمق الأزمة؛ فالدنمارك لم تعد ترى في الولايات المتحدة شريكاً بل "مصدراً للتهديد"، خاصة مع تصريحات البيت الأبيض التي لم تستبعد الخيار العسكري.
على الجانب الآخر، وجد السياسيون في غرينلاند أنفسهم في موقف دقيق. فرغم طموحات بعضهم (مثل حزب "ناليراك") للاستقلال عن الدنمارك، إلا أن "أوهام الضم" الأمريكية قوبلت برفض واسع. الرد الغرينلاندي جاء حاسماً بأن الجزيرة "ليست للبيع"، وأن التعامل معها كسلعة عقارية أو كمجرد امتداد جغرافي لفنزويلا يعكس "عدم احترام" لشعب الإنويت وحقهم في تقرير المصير. الرفض هنا لم يكن سياسياً فحسب، بل ثقافياً وأخلاقياً، حيث ترفض الجزيرة استبدال التاج الدنماركي (الذي يمنح حكماً ذاتياً واسعاً) بـ"وصاية إمبراطورية" أمريكية مباشرة.
ثانياً: أزمة "الناتو".. عندما يصبح الحامي هو المهدد
التداعي الأخطر لهذه الأزمة يكمن في زعزعة عقيدة "الدفاع المشترك" التي يقوم عليها حلف شمال الأطلسي. المادة الخامسة من ميثاق الناتو تنص على أن الهجوم على عضو واحد هو هجوم على الجميع، لكن الميثاق لم يتخيل سيناريو يكون فيه "المهاجم" هو الدولة القائدة للحلف (الولايات المتحدة).
تهديد ترامب الضمني باستخدام القوة، أو تجاوز الحكومة المركزية في كوبنهاغن، يضع الحلف أمام معضلة تاريخية:
1. تقويض الثقة: إذا كانت واشنطن مستعدة لانتهاك سيادة حليف ديمقراطي صغير من أجل مصالحها، فما الذي يمنعها من فعل ذلك مع دول أخرى؟ هذا السؤال بات يتردد في أروقة السياسة الأوروبية.
2. تفكك الاصطفاف: حذرت فريدريكسن من أن هذا السلوك قد ينهي النظام الأمني القائم منذ الحرب العالمية الثانية. فالحلف الذي أُسس لمواجهة الاتحاد السوفييتي (ثم روسيا) يجد نفسه اليوم مهدداً بالتفكك من الداخل بسبب الطموحات التوسعية لأكبر أعضائه.
3. العسكرة البينية: قد يدفع هذا السيناريو الدول الأوروبية لإعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية، ليس لمواجهة الشرق فقط، بل لتحصين استقلاليتها عن الغرب (واشنطن) أيضاً، مما يعزز دعوات "الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي" التي طالما نادى بها ماكرون وغيره.
ثالثاً: الجدار الأوروبي الصلب.. "الأمر لا يخص الدنمارك وحدها"
خلافاً لتوقعات ترامب بإمكانية التفرد بالدنمارك، أظهرت أوروبا تماسكاً دبلوماسياً نادراً. البيان المشترك الصادر عن القوى الكبرى (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، إيطاليا، إسبانيا، بولندا) شكّل "جدار صد" سياسي. الرسالة كانت واضحة: الهجوم الدبلوماسي أو العسكري على غرينلاند هو هجوم على أوروبا بأكملها.
هذا الاصطفاف يحمل دلالات هامة؛ فهو يشير إلى أن أوروبا لم تعد تقبل بمنطق "التبعية المطلقة". دعم رئيس الوزراء البريطاني "كير ستارمر" والرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" لكوبنهاغن يؤكد أن ملف غرينلاند تحول إلى "خط أحمر" يختبر قدرة أوروبا على حماية حدودها وسيادتها الجماعية أمام الحليف الأمريكي الجامح. هذا الموقف الموحد قد يجبر واشنطن على إعادة حساباتها، حيث أن خسارة الحلفاء الأوروبيين ستكون تكلفة باهظة جداً مقابل مكاسب السيطرة على جزيرة، مهما كانت استراتيجية.
رابعاً: الهدية المجانية للخصوم (الصين وروسيا)
يراقب الخصوم الاستراتيجيون لواشنطن هذا المشهد بكثير من الارتياح. بالنسبة للصين وروسيا، ما يحدث هو "هدية جيوسياسية" لا تقدر بثمن:
* الرواية الصينية: تستغل بكين الأزمة لتفنيد السردية الأمريكية حول "التهديد الصيني". فبينما تتهم واشنطن الصين بممارسات اقتصادية قسرية، تقدم بكين نفسها الآن كطرف يدعو لاحترام السيادة، مشيرة إلى أن واشنطن هي من تمارس "البلطجة الدولية" وتهدد باحتلال أراضي الحلفاء. البيان الصيني الذي يدعو واشنطن للتوقف عن استخدام الصين "كذريعة" يلقى صدىً لدى الدول الصغيرة التي تخشى الهيمنة.
* المكسب الروسي: موسكو المستفيدة الأكبر من أي شرخ في الناتو. الانشغال الأمريكي والخلاف الغربي-الغربي حول القطب الشمالي يضعف الجبهة الموحدة ضد التمدد الروسي. كما أن تصوير أمريكا كدولة "معتدية" يمنح روسيا غطاءً لشرعنة تحركاتها الخاصة في مناطق نفوذها، وفق مبدأ "الجميع يفعل ذلك".
تُظهر التداعيات الجيوسياسية أن "عقيدة دونرو" قد تكون فعالة تكتيكياً في مناطق هشة مثل فنزويلا، لكنها تتحول إلى "قنبلة موقوتة" عند تطبيقها على بنية التحالف الغربي الصلبة. السعي الأمريكي لضم غرينلاند تحت ذريعة "ردع الخصوم" أدى، للمفارقة، إلى إضعاف التحالف الوحيد القادر على ردعهم. العالم اليوم يراقب: هل ستتراجع واشنطن أمام صلابة الموقف الأوروبي، أم ستغامر بتدمير "الناتو" من أجل رفع العلم الأمريكي فوق جليد غرينلاند؟ الإجابة ستحدد شكل النظام العالمي للعقود القادمة.
المحور الرابع: توسيع دائرة الأهداف.. تطبيق "تأثير الدومينو" القسري
لم تكن عملية السيطرة على فنزويلا واعتقال رئيسها هدفاً نهائياً في حد ذاته، بل كانت، وفقاً للقراءة الاستراتيجية لسلوك الإدارة الأمريكية، بمثابة "حجر الدومينو الأول" الذي يُراد من خلال سقوطه إحداث سلسلة من التغييرات الجيوسياسية في المنطقة وخارجها. تشير تحليلات معهد "بروكينغز" وتصريحات الرئيس دونالد ترامب المتلاحقة إلى أن البيت الأبيض يمتلك "قائمة أهداف" معدة مسبقاً، حيث يتم استثمار فائض القوة والرهبة المتولد عن عملية كراكاس لإعادة ضبط السلوك السياسي للدول الأخرى وفقاً لمقاسات "عقيدة دونرو".
تنتقل الاستراتيجية الأمريكية الآن من "التركيز المنفرد" إلى "الضغط المتوازي" على أربع جبهات رئيسية، تتراوح الأدوات المستخدمة فيها بين التهديد العسكري المباشر، الخنق الاقتصادي، والضغط الأمني، وهي: كولومبيا، المكسيك، كوبا، وإيران.
أولاً: كولومبيا.. استنساخ "ذريعة المخدرات" والتلويح بالتدخل
تمثل كولومبيا الهدف الأكثر إلحاحاً وسخونة في الأجندة الأمريكية الحالية، نظراً للتشابه الكبير في "الذريعة" المستخدمة ضدها مع تلك التي استُخدمت ضد مادورو.
* شيطنة القيادة: يعتمد ترامب استراتيجية نزع الشرعية عن الرئيس الكولومبي اليساري "غوستافو بيترو"، عبر توجيه اتهامات مباشرة له بـ"التآمر مع مهربي المخدرات". هذا التكتيك ليس عشوائياً؛ فقد كان هو المدخل القانوني والإعلامي الذي برر التدخل في فنزويلا.
* خيار التدخل العسكري: تجاوزت واشنطن لغة الدبلوماسية التقليدية، حيث وصف ترامب التدخل العسكري في كولومبيا بأنه "فكرة جيدة"، محذراً بيترو بوجوب "الانتباه". تسعى واشنطن لاستغلال وجود المجموعات المسلحة المتبقية من الحرب الأهلية كمدخل للتدخل المباشر بحجة "فرض الأمن" الذي تعجز عنه الحكومة المحلية.
* رد الفعل والمخاطر: يدرك بيترو أن بلاده قد تكون التالية، مما دفعه للتلويح بـ "حمل السلاح مجدداً"، في إشارة إلى ماضيه كعنصر في مجموعة مسلحة. هذا ينذر باحتمال تحول كولومبيا إلى ساحة حرب عصابات مفتوحة إذا ما قررت واشنطن تكرار سيناريو الانزال العسكري، مما قد يغرق المنطقة في فوضى أمنية تتجاوز الحدود. الهدف الأمريكي هنا ليس بالضرورة الغزو الشامل، بل ممارسة أقصى درجات "الترهيب" لإجبار بيترو على الرضوخ الكامل للإملاءات الأمريكية أو مواجهة مصير جاره مادورو.
ثانياً: المكسيك.. السيادة مقابل "الحرب على الكارتيلات"
على الجبهة الجنوبية المباشرة، تمارس إدارة ترامب ضغوطاً هائلة على المكسيك لفرض مفهوم جديد للتعاون الأمني يمس جوهر السيادة الوطنية.
* فرض القوات الأمريكية: رغم العلاقة الشخصية التي وصفها ترامب بالجيدة مع الرئيسة المكسيكية "كلاوديا شينباوم" (واصفاً إياها بـ"الشخص الرائع")، إلا أن السياسة الفعلية تتسم بالعدوانية. يضغط ترامب لإجبار مكسيكو سيتي على قبول نشر قوات أمريكية داخل الأراضي المكسيكية لمحاربة "كارتيلات المخدرات".
* رفض الوصاية: قوبل هذا العرض برفض قاطع من شينباوم التي أعلنت أن "الأميركيتين ليستا ملكاً لأي عقيدة"، في تحدٍ صريح لـ"عقيدة دونرو".
* أدوات الضغط: تلوح واشنطن بورقتي "الميزان التجاري" و"الرسوم الجمركية"، بالإضافة إلى ملف تنظيم كأس العالم 2026 المشترك، كأدوات ابتزاز لإرغام المكسيك على القبول بالتدخل العسكري الأمريكي كأمر واقع. المعادلة الأمريكية هنا واضحة: إذا لم تقم المكسيك "بترتيب أمورها" وفق الرؤية الأمريكية، فإن واشنطن ستتولى المهمة بنفسها داخل الأراضي المكسيكية.
ثالثاً: كوبا.. استراتيجية "الخنق غير المباشر"
في الحالة الكوبية، يرى ترامب أن التدخل العسكري المباشر "غير ضروري"، مفضلاً استراتيجية "موت النظام سريرياً" نتيجة قطع شريان الحياة عنه.
* سقوط الدومينو: تعتمد كوبا بشكل حيوي على النفط الفنزويلي المدعوم. وبسيطرة واشنطن على كراكاس ومواردها النفطية، تم قطع هذا الشريان فوراً.
* الانهيار الحتمي: وفقاً للتقديرات الأمريكية، فإن "توقف الموارد النفطية سيعني حتماً سقوط القيادة الكوبية الحالية". تتعامل واشنطن مع هافانا كطرف مهزوم سلفاً، وتنتظر انهيار النظام الشيوعي من الداخل تحت وطأة أزمة الطاقة والاقتصاد، لتستكمل بذلك السيطرة على "المثلث الكاريبي" (فنزويلا، كوبا، نيكاراغوا) دون إطلاق رصاصة واحدة إضافية في الجزيرة، معتبرة أن النظام "على وشك السقوط".
رابعاً: إيران.. "الرئاسة الإمبراطورية" تتجاوز الإقليم
لم تقتصر شهية ترامب المفتوحة للتدخل على نصف الكرة الغربي، بل امتدت لتشمل الخصم التقليدي في الشرق الأوسط: إيران.
* التصعيد العسكري: يشير التقرير إلى أن إيران تعرضت بالفعل لضربات أميركية "شديدة" استهدفت برنامجها النووي في يونيو، وتخضع لضغوط متواصلة.
* التهديد بالضربة القاضية: يربط ترامب الآن بين السياسة الداخلية لإيران (قمع الاحتجاجات) وبين التدخل الخارجي، متوعداً بـ "ضربة قوية جداً" في حال تكرر سيناريو "قتل الناس".
* الدلالة الاستراتيجية: يعكس الملف الإيراني شعور ترامب بـ "الرئاسة الإمبراطورية" التي تمنحه حق التدخل العسكري في أي نقطة ساخنة في العالم. النجاح في فنزويلا منح الإدارة قناعة بأن سياسة "الضربات الاستباقية" والقوة المفرطة هي اللغة الوحيدة التي تحقق النتائج، مما يرفع من مخاطر اندلاع مواجهة واسعة في الشرق الأوسط بالتوازي مع أزمات الكاريبي والقطب الشمالي.
الخلاصة: عقيدة "السيادة المشروطة"
يجمع بين هذه الملفات الأربعة (كولومبيا، المكسيك، كوبا، إيران) خيط ناظم واحد هو مبدأ "السيادة المشروطة". في عهد ترامب الجديد، لم تعد سيادة الدول حقاً مطلقاً يكفله القانون الدولي، بل أصبحت امتيازاً يُمنح للدول التي تتماشى مصالحها مع الأمن القومي الأمريكي.
الدول التي تفشل في ضبط حدودها (المكسيك)، أو تخالف التوجه السياسي لواشنطن (كولومبيا وكوبا)، أو تتحدى هيمنتها (إيران)، تصبح أهدافاً مشروعة للتدخل. هذه السياسة تحول العالم إلى ساحة مفتوحة لـ "الاجتياحات المحتملة" أو "الضغوط القصوى"، حيث يسعى ترامب لاستغلال الزخم الحالي لإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية العالمية بسرعة فائقة قبل أن يتلاشى مفعول صدمة فنزويلا، أو قبل أن يتمكن المجتمع الدولي من بناء جبهة ممانعة موحدة.
الخاتمة والسيناريوهات المتوقعة
أولاً: الاستخلاص الاستراتيجي
في المحصلة النهائية، يُظهر تحليل المشهد الراهن أن العالم لا يواجه مجرد إدارة أمريكية "غير تقليدية"، بل يواجه انقلاباً جذرياً في العقيدة الأمنية والسياسية للولايات المتحدة. إن ما بدأ كعملية جراحية عسكرية في فنزويلا، تحول سريعاً بفضل نشوة الانتصار إلى نهج استراتيجي شامل يمكن تسميته بـ "إمبريالية القرن الحادي والعشرين". لقد تجاوز الرئيس دونالد ترامب في ولايته الحالية مرحلة "أمريكا أولاً" التي اتسمت بالانكفاء والحمائية في ولايته السابقة، لينتقل إلى مرحلة "عقيدة دونرو"، التي تقوم على مبدأ أن القوة الأمريكية لا حدود لولايتها، وأن الجغرافيا السياسية للمحيط الحيوي الأمريكي (من غابات الأمازون جنوباً إلى جليد القطب الشمالي شمالاً) يجب أن تخضع للسيادة المباشرة لواشنطن، سواء عبر التغيير القسري للأنظمة (نموذج كراكاس) أو عبر إعادة رسم الخرائط وشراء الولاءات (نموذج غرينلاند).
إن الخطورة الاستثنائية لهذه اللحظة التاريخية تكمن في أن واشنطن، وللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، باتت ترى في "القانون الدولي" و"التحالفات الغربية" (الناتو) عوائق بيروقراطية يجب تجاوزها أو تطويعها، وليست ركائز للأمن القومي. التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض بشأن "شراء" سكان غرينلاند، أو التلويح باستخدام الجيش ضد دولة حليفة مثل الدنمارك، أو التهديد باجتياح المكسيك وكولومبيا، تشير إلى أن الإدارة الأمريكية تعيش حالة من "الغطرسة الاستراتيجية" (Strategic Hubris). هذه الحالة تفترض أن القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية قادرة على فرض أي واقع جديد، وأن الحلفاء الأوروبيين أضعف من أن يقاوموا، وأن الخصوم الدوليين (روسيا والصين) سيرتدعون بمجرد التلويح بالعصا الغليظة.
بناءً على المعطيات الواردة في التقرير، من الواضح أننا أمام "رئاسة إمبراطورية" تختبر حدود الممكن، وتسعى لتحويل القطب الشمالي إلى بحيرة أمريكية مغلقة، وتحويل أمريكا اللاتينية إلى منطقة نفوذ منزوعة السيادة. ولكن، كما حذرت رئيسة وزراء الدنمارك والباحثون الاستراتيجيون، فإن هذه المقامرة قد تكون لها تكلفة باهظة تتمثل في انهيار الهيكل الأمني الغربي.
في ضوء هذا التحليل، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل هذه الأزمة خلال الـ 12 إلى 24 شهراً القادمة، تتراوح بين التصعيد الشامل والتسوية القسرية أو التراجع التكتيكي:
ثانياً: السيناريوهات المتوقعة
السيناريو الأول: "القطيعة القطبية" وتصدع الناتو
* الوصف: في هذا السيناريو، يقرر الرئيس ترامب، مدفوعاً بنشوة نجاحه في فنزويلا وتجاهل التحذيرات الأوروبية، المضي قدماً في خيار "فرض الأمر الواقع". ترفض الدنمارك التفاوض، فتقوم واشنطن بتفعيل "الخيار العسكري" الذي لوّح به البيت الأبيض، ليس بالضرورة عبر غزو برمائي شامل، بل عبر خطوات متدحرجة: فرض حصار بحري على غرينلاند لمنع أي نشاط اقتصادي غير أمريكي، توسيع قاعدة "ثول" العسكرية قسراً لتشمل مناطق تعدين استراتيجية، والبدء في ضخ الأموال (الرواتب المباشرة) للسكان المحليين والسياسيين الانفصاليين لتشجيعهم على إعلان الاستقلال أحادي الجانب عن الدنمارك تحت حماية المظلة الأمريكية.
* المحفزات: شعور واشنطن بتهديد صيني وشيك في القطب الشمالي، أو حاجة ترامب لنصر قومي جديد يعزز شعبيته الداخلية.
* التداعيات:
* أزمة الناتو: تفعيل الدنمارك للمادة الرابعة (التشاور الطارئ) وربما التلويح بالمادة الخامسة، مما يضع الحلف في حالة شلل تام. قد تنسحب بعض الدول الأوروبية من العمليات المشتركة مع أمريكا.
* عزلة دولية: تشكيل جبهة أوروبية-كندية موحدة لفرض عقوبات دبلوماسية وربما اقتصادية على واشنطن، مما يؤدي إلى حرب تجارية عبر الأطلسي.
* مكسب للخصوم: تستغل روسيا والصين الانقسام الغربي لتعزيز نفوذهما، وتصوير أمريكا كدولة "مارقة".
السيناريو الثاني: "الضم الاقتصادي المقنع" (السيناريو المرجح)
* الوصف: تدرك الإدارة الأمريكية أن الكلفة السياسية لعمل عسكري مباشر ضد الدنمارك مرتفعة جداً، لذا تلجأ إلى استراتيجية "الحد الأقصى من الضغط" (Maximum Pressure) لإجبار كوبنهاغن ونوك على توقيع "اتفاقية إذعان". يستخدم ترامب التهديد العسكري كأداة تفاوض (كما أشار الخبير الاقتصادي نيك كونيس)، ويطرح معادلة: "إما أن نأخذ الجزيرة بالقوة، أو تمنحونا حقوقاً حصرية".
* المخرجات المتوقعة:
* بقاء السيادة الشكلية للدنمارك (العلم والعملة)، مع توقيع اتفاقية "دفاع واستثمار مشترك" طويلة الأمد تمنح الولايات المتحدة السيطرة الفعلية والحصرية على السياسة الخارجية، الأمن، والموارد الطبيعية لغرينلاند.
* طرد الشركات الصينية كافة من الجزيرة.
* حصول سكان غرينلاند على حزمة مساعدات مالية أمريكية ضخمة، مما يحولهم عملياً إلى مواطنين أمريكيين اقتصادياً، ويمهّد لانفصال ناعم في المستقبل.
* النتيجة: يحصل ترامب على "الجوهر" (الموارد والموقع الاستراتيجي) دون تحمل عبء "الشكل" (احتلال عسكري)، وتحفظ الدنمارك ماء الوجه بتجنب الحرب، لكن السيادة الأوروبية في القطب الشمالي تنتهي عملياً.
السيناريو الثالث: "التراجع التكتيكي" وفقدان الاهتمام
* الوصف: يستند هذا السيناريو إلى تحليل الباحثة "أصلي آيدين تاش باش" التي أشارت إلى أن ترامب قد "يفقد اهتمامه بسرعة فائقة" إذا تدهورت الأمور. في حال واجهت واشنطن مقاومة صلبة وموحدة من "الجدار الأوروبي" (البيان السباعي)، وتزامنت الأزمة مع تعثر أمني في فنزويلا (حرب عصابات) أو اشتعال الجبهة مع إيران، قد يقرر ترامب تجميد ملف غرينلاند لتجنب فتح جبهات متعددة تستنزف الموارد العسكرية.
* المسار: يتراجع الخطاب العدائي تدريجياً، ويتم استبدال "شراء الجزيرة" بمطالب تقليدية لزيادة الإنفاق العسكري الدنماركي.
* التداعيات: رغم التراجع، ستظل الثقة بين ضفتي الأطلسي محطمة. ستبدأ أوروبا في تسريع خطط "الاستقلال الاستراتيجي" وبناء جيش أوروبي موحد بعيداً عن الاعتماد على واشنطن التي أثبتت أنها شريك متقلب وخطير. ستبقى "عقيدة دونرو" سيفاً مسلطاً، لكنه سيوجه نحو الأهداف الأضعف (أمريكا اللاتينية) بدلاً من الحلفاء الأوروبيين.
ثالثاً: التوصيات والتقييم الختامي
بناءً على تحليل النصوص والمواقف، يُختتم هذا التقرير بالنقاط الجوهرية التالية:
1. نهاية "الغرب" ككتلة سياسية موحدة: أثبتت أزمة غرينلاند أن مفهوم "التحالف الغربي" القائم على القيم المشتركة قد انتهى عملياً في نظر الإدارة الأمريكية الحالية. العلاقة باتت تحكمها المصالح والصفقات، والقوة هي الحكم الوحيد.
2. خطر "تطبيع" الاستيلاء على الأراضي: إن مجرد مناقشة "شراء" دولة أو سكانها، أو التهديد بضمها عسكرياً من قبل دولة عظمى ديمقراطية، يؤسس لسابقة خطيرة في العلاقات الدولية قد تستخدمها قوى أخرى (روسيا في أوكرانيا أو جورجيا، الصين في تايوان) لتبرير طموحاتها التوسعية تحت مسمى "الأمن القومي".
3. فنزويلا كنموذج قابل للتكرار: النجاح في كراكاس هو المحرك النفسي والعملياتي لكل ما يجري. يجب مراقبة الوضع في فنزويلا بدقة؛ فإذا استقرت الأمور لواشنطن هناك، فإن شهية "عقيدة دونرو" ستلتهم المزيد من الملفات (كولومبيا والمكسيك). أما إذا تحولت فنزويلا إلى مستنقع، فقد يكون ذلك هو الكابح الوحيد للطموحات القطبية لترامب.
في الختام، نحن أمام لحظة مفصلية يعاد فيها تشكيل النظام العالمي بمداد القوة الأمريكية الخشنة. ملف غرينلاند ليس مجرد نزاع حدودي، بل هو اختبار للإرادة بين "إمبراطورية عائدة" تريد كل شيء، وبين "نظام دولي قديم" يحاول البقاء على قيد الحياة. والأرجح أن العالم يتجه نحو مرحلة من الفوضى المنظمة، حيث تكون السيادة للأقوى، والخرائط مجرد مسودات قابلة للتعديل.