الاستراتيجية الأمريكية النفطية في فنزويلا وتشكيل نظام عالمي جديد للطاقة

شبكة النبأ

2026-01-08 02:48

يمثل التدخل العسكري الأمريكي المباشر في فنزويلا، والذي أفضى إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، زلزالاً جيوسياسياً يهدف إلى إعادة هندسة خريطة الطاقة العالمية. لا تقتصر الأجندة الأمريكية على تغيير النظام السياسي فحسب، بل ترتكز على استراتيجية صريحة لـ "امتلاك الطاقة" عبر السيطرة على أكبر احتياطيات نفطية في العالم، وإقصاء النفوذ الصيني المتنامي في نصف الكرة الغربي، واسترداد التكاليف المالية للتدخل عبر إدارة عوائد النفط مباشرة.

يحلل هذا التقرير الفجوة الشاسعة بين "الطموح السياسي" لإدارة الرئيس دونالد ترامب الرامي لتحقيق مكاسب سريعة، وبين "الواقع التشغيلي" الكارثي لقطاع نفطي متهالك يحتاج إلى سنوات واستثمارات بمليارات الدولارات للتعافي. كما يستعرض التقرير خارطة الطريق الأمريكية لإعادة الشركات الكبرى، والعقبات الأمنية والقانونية التي تحول دون تحول فنزويلا إلى "محطة وقود" آمنة للولايات المتحدة في المدى المنظور.

1. ملخص تنفيذي: الزلزال السياسي والانقلاب الاستراتيجي

يشكل التدخل العسكري الأمريكي المباشر في فنزويلا، والذي توج بعملية خاصة أسفرت عن اعتقال الرئيس "نيكولاس مادورو" وزوجته "سيليا فلوريس" ونقلهما إلى نيويورك، منعطفاً تاريخياً غير مسبوق في العلاقات بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية منذ غزو بنما واعتقال مانويل نورييجا عام 1989. هذا الحدث لا يمثل مجرد تغيير لرأس السلطة في كاراكاس، بل هو إعلان صريح عن عودة مبدأ التدخل المباشر لضمان المصالح الأمريكية الحيوية في نصف الكرة الغربي.

في أعقاب الفراغ السياسي المفاجئ، هندست واشنطن انتقالاً للسلطة يتسم بالبراغماتية الشديدة؛ فبدلاً من الاعتماد الكلي على المعارضة التقليدية (ممثلة بماريا كورينا ماتشادو)، انحازت التقييمات الاستخباراتية (CIA) لدعم شخصيات من داخل النظام السابق لضمان "الاستقرار". تم تنصيب "ديلسي رودريغيز" رئيسة مؤقتة، والاعتماد على وزير الداخلية القوي "ديوسدادو كابيلو" لضبط الأمن، في خطوة أثارت حفيظة المعارضة التقليدية لكنها عكست رغبة واشنطن في تجنب الانهيار الأمني الشامل الذي قد يهدد المنشآت النفطية.

تتجاوز الأهداف الأمريكية المعلنة حول "استعادة الديمقراطية" لتتركز حول ثلاثة محاور استراتيجية صلبة، كشفت عنها تصريحات الرئيس دونالد ترامب وتوجهات إدارته:

* أولاً: الاستحواذ على "الخزان العالمي"

* ثانياً: مبدأ "استرداد الكلفة

* ثالثاً: الإقصاء الجيوسياسي (طرد التنين الصيني).

ويعول الرئيس ترامب على عمالقة الطاقة الأمريكيين (شيفرون، إكسون موبيل، كونوكو فيليبس) لقيادة عملية إعادة الإعمار، مستفيداً من حقيقة أن مصافي ساحل الخليج الأمريكي مصممة خصيصاً لتكرير النفط الفنزويلي الثقيل. إلا أن موقف هذه الشركات يتسم بالحذر الشديد والبرود، بعيداً عن حماس البيت الأبيض:

وتُظهر القراءة المتعمقة للمشهد أن طريق واشنطن للسيطرة على نفط فنزويلا مفروش بالألغام السياسية والأمنية والاقتصادية.

إن خطة إدارة ترامب لإعادة هندسة فنزويلا كـ"مركز للطاقة في الأمريكتين" وحليف تابع لواشنطن هي طموح استراتيجي ضخم، يهدف لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل عهد "تشافيز". ومع ذلك، فإن الفجوة بين "الرغبة السياسية" في واشنطن و"القدرة التنفيذية" في كاراكاس هائلة. فالسيطرة على قصر "ميرافلورس" الرئاسي قد تمت بسرعة، لكن إعادة ضخ "الذهب الأسود" من آبار متهالكة في دولة ممزقة ستكون معركة طويلة، مكلفة، ومحفوفة بالمخاطر، ولن تجني الشركات الأمريكية ثمارها بالسرعة التي يعد بها الرئيس ترامب.

2. الأهداف الأمريكية الاستراتيجية: لماذا فنزويلا؟

لا يمكن قراءة التدخل العسكري الأمريكي الحاسم في فنزويلا، والذي توج بـ "قطع رأس النظام" واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، بوصفه مجرد رد فعل قانوني على اتهامات تتعلق بتهريب المخدرات أو الإرهاب فحسب. تشير البيانات والتصريحات الصادرة عن البيت الأبيض، وتحليلات خبراء الطاقة والاقتصاد، إلى أن هذا التحرك هو تطبيق عملي لعقيدة استراتيجية شاملة تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترامب، تهدف إلى إعادة صياغة موازين القوى في نصف الكرة الغربي. تتشابك في هذه الاستراتيجية المصالح الاقتصادية "التجارية" مع ضرورات الأمن القومي، والرغبة في تصفية الحسابات التاريخية لشركات النفط الكبرى.

فيما يلي تفصيل دقيق للأركان الأربعة التي تقوم عليها الأهداف الأمريكية في فنزويلا:

أولاً: عقيدة "امتلاك الطاقة" وتأمين الاحتياطي الأضخم

الدافع المحرك الأول والأقوى للولايات المتحدة هو الهيمنة المباشرة على الموارد. فنزويلا ليست مجرد دولة نفطية عادية؛ إنها تمتلك، وفقاً لبيانات منظمة "أوبك" ومعهد الطاقة، أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، بحجم يتجاوز 303 مليارات برميل. هذا الرقم يضع كاراكاس في مرتبة متقدمة حتى على عمالقة الشرق الأوسط مثل المملكة العربية السعودية (267 مليار برميل) وإيران (208 مليارات برميل).

بالنسبة للرئيس ترامب، فإن ترك هذه الثروة الهائلة تحت إدارة نظام "معادٍ" أو غير كفء يمثل خطراً استراتيجياً وهدراً لفرصة اقتصادية كبرى. وقد عبر ترامب عن ذلك بوضوح في تصريحاته حين شدد على أهمية "امتلاك الطاقة"، مشيراً إلى أن هناك "أموالاً طائلة تُستخرج من باطن الأرض" يجب أن تكون تحت السيطرة.

علاوة على ذلك، هناك توافق تقني وصناعي فريد بين النفط الفنزويلي والمصالح الأمريكية. النفط الفنزويلي يتميز بكونه "ثقيلاً ولزجاً"، وهو نوع من الخام صُممت مصافي التكرير الأمريكية في ساحل الخليج (Gulf Coast) خصيصاً لمعالجته على مدار عقود. ورغم ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة (الذي ينتج نفطاً خفيفاً)، فإن المصافي الأمريكية لا تزال بحاجة ماسة للنفط الثقيل لخلطه وتشغيل منشآتها بكفاءة. لذا، فإن استعادة تدفق هذا النفط يمثل هدفاً صناعياً حيوياً لضمان أمن الطاقة الأمريكي الداخلي، وليس فقط للسيطرة على الأسواق العالمية.

ثانياً: الإقصاء الجيوسياسي (طرد الصين وروسيا)

يمثل الهدف الثاني بعداً جيوسياسياً يهدف إلى تفعيل "مبدأ مونرو" (الذي يرفض التدخل الخارجي في الأمريكتين) بصيغة حديثة وعدوانية. ترى واشنطن في فنزويلا منصة متقدمة لنفوذ القوى العظمى المنافسة، وتحديداً الصين وروسيا، وتعمل الاستراتيجية الحالية على اقتلاع هذا النفوذ من جذوره.

* تحييد النفوذ الصيني: الصين هي الهدف الأكبر لهذا التحرك. بكين هي المستورد الرئيسي للنفط الفنزويلي، حيث تستحوذ على ما يقرب من 80% من الصادرات (غالباً عبر طرق التفافية وموانئ وسيطة في ماليزيا لتجنب العقوبات). كما أنها أكبر دائن لفنزويلا بديون تصل إلى 10 مليارات دولار يتم سدادها عبر شحنات النفط. يهدف ترامب، بحسب المحللين، إلى "إبعاد الجهات الفاعلة الصينية عن القارة الأمريكية"، وحرمان بكين من نفوذها الاستراتيجي، بما في ذلك تأثيرها على حركة الملاحة في قناة بنما التي يمر عبرها جزء كبير من إمدادات الطاقة. السيطرة الأمريكية تعني قطع شريان الطاقة هذا عن الصين أو إخضاعه للشروط الأمريكية.

* تفكيك المحور الروسي-الكوبي-الإيراني: تمارس واشنطن ضغوطاً هائلة على الحكومة المؤقتة لطرد المستشارين العسكريين والتقنيين من روسيا، كوبا، وإيران. كوبا، التي تعتمد على النفط الفنزويلي الرخيص (تستورد 5% بموجب اتفاقيات تفضيلية)، ستكون المتضرر الأكبر، حيث يُعتقد أن واشنطن تسعى لخنق الاقتصاد الكوبي عبر قطع هذا الإمداد الحيوي، مما يعزز هيمنتها الإقليمية.

ثالثاً: الاسترداد المالي والنهج "التجاري" للتدخل

على خلاف التدخلات الأمريكية السابقة التي كانت تتخفى خلف شعارات "بناء الأمم"، يتبنى الرئيس ترامب نهجاً "تجارياً" صريحاً وفجاً في التعامل مع الملف الفنزويلي. الهدف المعلن ليس فقط تغيير النظام، بل "استرداد الأموال".

* السيطرة المباشرة على العوائد: أعلن ترامب صراحة أن الولايات المتحدة "ستسترد كل ما أنفقته" في عملياتها. وتطبيقاً لذلك، كشف عن خطة فورية لبيع ما بين 30 إلى 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي المخزّن (الذي كان خاضعاً للعقوبات)، وشحنه مباشرة إلى الولايات المتحدة. الأهم من ذلك، هو إعلانه أن عوائد هذه المبيعات (المقدرة مبدئياً بـ 1.9 مليار دولار) ستكون تحت سيطرته المباشرة بصفته رئيساً للولايات المتحدة، لضمان استخدامها وفق الرؤية الأمريكية، وليس تسليمها للحكومة الفنزويلية الجديدة فوراً.

* مبدأ "النفط المسروق": سوّق ترامب ومستشاروه (مثل جون بلاسارد) فكرة أن النفط الذي كانت تصدره كاراكاس في ظل الحظر هو "نفط مسروق من المجتمع الدولي". وتستند هذه السردية إلى أن البنية التحتية النفطية في فنزويلا بُنيت أساساً بفضل "الكفاءات والمعدات والاستثمارات الأمريكية" قبل أن يقوم النظام الاشتراكي بقيادة هوغو تشافيز بتأميمها وسرقتها. وبالتالي، فإن الهدف الأمريكي هو "استعادة" هذه الأصول وعوائدها لأصحابها "الشرعيين" من وجهة النظر الأمريكية.

رابعاً: إعادة "العمالقة" وتصحيح مسار الشركات الأمريكية

يرتبط هذا الهدف ارتباطاً وثيقاً بالرؤية الاقتصادية للبيت الأبيض، حيث تسعى الإدارة الأمريكية إلى إعادة فتح الأبواب أمام شركات النفط الأمريكية الكبرى (Big Oil) التي طُردت أو غادرت فنزويلا في العقد الأول من الألفية.

* العودة الانتقامية: شركات مثل "إكسون موبيل" و "كونوكو فيليبس" غادرت البلاد في عام 2007 بعد رفضها الخضوع لشروط التأميم التي فرضها تشافيز، والتي نصت على سيطرة الدولة على حصص الأغلبية. لدى "كونوكو" وحدها مطالبات تحكيم دولية وديون مستحقة تتجاوز 10 مليارات دولار. تهدف الخطة الأمريكية إلى خلق بيئة تتيح لهذه الشركات العودة، ليس فقط للاستثمار، بل لاستعادة أصولها وتعويض خسائرها التاريخية.

* احتكار إعادة الإعمار: تدرك واشنطن أن إعادة بناء البنية التحتية المتهالكة لقطاع النفط الفنزويلي تتطلب استثمارات ضخمة وتقنيات متطورة لا يمتلكها سوى الغرب. صرح ترامب بأن الولايات المتحدة سترسل شركاتها "لتستثمر مليارات الدولارات في إصلاح البنية التحتية المتهالكة". الهدف هنا مزدوج: إنعاش قطاع الخدمات النفطية الأمريكي عبر عقود ضخمة، وضمان أن تكون هندسة قطاع الطاقة الفنزويلي الجديد أمريكية خالصة، مما يغلق الباب أمام أي منافسة مستقبلية من شركات روسية أو صينية.

خامساً: الأمن الإقليمي ونظرية "الدولة الآمنة"

أخيراً، يندرج الهدف الأمني ضمن أولويات الاستراتيجية الأمريكية. شدد ترامب في تبريره للعملية على ضرورة "أن نكون محاطين بدول آمنة ومستقرة". تنظر واشنطن إلى فنزويلا تحت حكم مادورو باعتبارها "دولة مخدرات" ومصدر عدم استقرار في المنطقة، وملاذاً آمناً للجماعات المسلحة (مثل تلك التي تدعمها إيران أو الميليشيات المحلية).

من خلال تنصيب حكومة موالية، وتعيين شخصيات أمنية قوية (مثل ديلسي رودريغيز وديوسدادو كابيلو) تحت الإشراف الأمريكي، تهدف واشنطن إلى تحويل فنزويلا من "بؤرة توتر" وتهديد، إلى "منطقة عازلة" وحليف أمني يساهم في ضبط الهجرة غير الشرعية ومكافحة تهريب المخدرات، مع ضمان تدفق الطاقة بلا انقطاع.

إن الأهداف الأمريكية في فنزويلا تمثل حزمة متكاملة من المصالح: فهي محاولة للسطو "المشرعن" على أكبر خزان نفطي في العالم، وضربة استباقية لقطع أذرع الصين في الأمريكتين، ومشروع استثماري ضخم لشركات النفط الأمريكية لاستعادة أمجادها الضائعة، كل ذلك تحت غطاء استعادة الأمن والاستقرار الإقليمي. واشنطن هنا لا تلعب دور "الشرطي العالمي" فحسب، بل دور "الشريك المدير" الذي يطالب بحصته من الأرباح مقدماً.

3. واقع قطاع النفط الفنزويلي (الأصول والقدرات)

يمثل قطاع النفط الفنزويلي في اللحظة الراهنة دراسة حالة فريدة من نوعها في الاقتصاد العالمي، حيث يجسد التناقض الصارخ بين "الإمكانات الكامنة" الهائلة و"الواقع التشغيلي" المتهالك. فبينما تقف البلاد على أكبر مخزون للطاقة في الكوكب، تعجز بنيتها التحتية عن استخراج وتسويق هذه الثروة بشكل اقتصادي ومستدام. يستعرض هذا القسم التشريح الدقيق لأصول الدولة (الاحتياطيات) وقدراتها الحالية (الإنتاج والبنية التحتية).

أولاً: الأصول الجيولوجية (حجم الثروة الكامنة)

تتربع فنزويلا بلا منازع على عرش الاحتياطيات النفطية العالمية. وفقاً للبيانات الرسمية لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) ومعهد الطاقة في لندن، تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مثبتة في العالم، تُقدر بنحو 303.2 مليار برميل.

* المقارنة العالمية: هذا الرقم يمنح فنزويلا تفوقاً كمياً على عمالقة الشرق الأوسط، حيث تتقدم على المملكة العربية السعودية (التي تمتلك حوالي 267 مليار برميل) وإيران (208 مليارات برميل). وتمثل هذه الاحتياطيات وحدها حوالي 17% من إجمالي الاحتياطيات العالمية.

* طبيعة الخام (حزام أورينوكو): تتركز معظم هذه الاحتياطيات في "حزام أورينوكو" النفطي وسط البلاد. وتتسم جيولوجيا هذا النفط بأنه من النوع "الثقيل جداً" (Extra-Heavy Crude). ورغم أن استخراجه يُعد بسيطاً نسبياً من الناحية التقنية (لا يتطلب حفراً عميقاً ومعقداً كما في البحار)، إلا أنه مكلف جداً في المعالجة. هذا النوع من النفط يتميز بلزوجة عالية وكثافة تتطلب خلطه بمواد مخففة (Diluents) مثل النافثا أو الخام الخفيف ليصبح قابلاً للضخ عبر الأنابيب وللتصدير، وهو ما يشكل "كعب أخيل" الصناعة الفنزويلية حالياً.

ثانياً: القدرات الإنتاجية (مسار الانهيار التاريخي)

شهدت القدرات الإنتاجية لفنزويلا انحداراً دراماتيكياً حول البلاد من منتج رئيسي يسيطر على الأسواق إلى لاعب هامشي يعاني من أجل تغطية استهلاكه الداخلي.

* العصر الذهبي (ما قبل 1999): في سبعينيات القرن الماضي، كانت فنزويلا تنتج ما يصل إلى 3.5 مليون برميل يومياً، وهو ما كان يمثل آنذاك أكثر من 7% من الإنتاج العالمي. استمر هذا المعدل المرتفع نسبياً حتى تولي هوغو تشافيز السلطة عام 1999.

* عصر التآكل: خلال العقدين الماضيين، وبسبب سياسات التأميم وسوء الإدارة، انخفض الإنتاج تدريجياً إلى أقل من مليوني برميل يومياً. وفي عام 2024 (العام الماضي وفق سياق النص)، بلغ متوسط الإنتاج حوالي 1.1 مليون برميل يومياً، وهو ما يوازي 1% فقط من الإنتاج العالمي، أو ما يعادل إنتاج ولاية أمريكية واحدة هي "نورث داكوتا".

* الواقع الحالي (تحت الحصار): ساهمت العقوبات التي فرضها ترامب في ولايته الأولى (2019) في خفض الإنتاج لمستوى تاريخي بلغ 350 ألف برميل يومياً. ومع الأحداث الأخيرة والحصار البحري المطبق، تشير التقارير إلى توقف شبه تام للصادرات، مما أجبر شركة النفط الوطنية على إغلاق الآبار قسرياً، ليتجه الإنتاج نحو الصفر الفعلي في بعض الحقول.

ثالثاً: حالة البنية التحتية (التهالك والصدأ)

يصف المحللون، مثل بيتر ماكنالي من شركة "ثيرد بريدج"، البنية التحتية الفنزويلية بأنها ضحية "ثالوث الانهيار": الإهمال، ضعف الاستثمار، والفساد.

* شبكة التكرير والمصافي: تمتلك فنزويلا نظرياً طاقة تكريرية كبيرة (بما في ذلك عبر شركة "سيتجو" في أمريكا ومصافي الداخل)، لكن المصافي المحلية تعمل بجزء ضئيل من طاقتها. تعاني الوحدات من أعطال متكررة، ونقص في قطع الغيار، وغياب الصيانة الدورية، مما جعل البلاد تعاني من نقص الوقود محلياً رغم وفرة النفط الخام.

* منشآت المعالجة (Upgraders): نظراً لطبيعة النفط الثقيل، تعتمد فنزويلا على منشآت خاصة لـ "ترقية" النفط الخام وجعله قابلاً للتصدير. هذه المنشآت تعاني من تدهور تقني حاد. وتفاقمت المشكلة مع العقوبات التي منعت استيراد "المواد المخففة" اللازمة للخلط؛ وبدون هذه المواد، يتصلب النفط في الأنابيب وتتوقف المضخات، مما يحول المنشآت إلى هياكل معدنية عديمة الفائدة.

* النهب والتخريب: أشار التقرير إلى تدهور البنية التحتية نتيجة "سرقة النظام الاشتراكي" لها (وفق تعبير ترامب)، ولكن أيضاً بسبب مغادرة الشركات الأجنبية (إكسون وكونوكو) التي أخذت معها خبراتها وتقنياتها، تاركة قطاعاً يديره موالون سياسيون بدلاً من تكنوقراط متخصصين.

رابعاً: الأزمة اللوجستية الراهنة (اختناق الشرايين)

تواجه فنزويلا حالياً أزمة لوجستية غير مسبوقة تهدد بشلل كامل للقطاع، نتيجة الحصار الأمريكي البحري والعقوبات:

* امتلاء الخزانات (تخمة المخزون): لا تستطيع فنزويلا تصدير نفطها، وبالتالي ليس لديها مكان لتخزين النفط المستخرج حديثاً. تشير البيانات إلى أن الخزانات البرية (بسعة 48 مليون برميل) ممتلئة بنسبة تتجاوز 45% (وهو حد حرج تشغيلياً).

* التخزين العائم: لجأت شركة النفط الوطنية (PDVSA) إلى استخدام ناقلات النفط كمخازن عائمة. ووفقاً لموقع "تانكر تراكرز"، هناك أكثر من 17 مليون برميل عالقة على متن سفن راسية في البحر تنتظر المغادرة دون جدوى. هذا الوضع "يخنق" الإنتاج؛ فعندما تمتلئ الخزانات والسفن، لا يبقى خيار سوى إغلاق الصنابير في الحقول.

* أسطول "الأشباح": للالتفاف على العقوبات، اعتمدت كاراكاس على "أسطول شبح" من الناقلات التي تبحر بأسماء وهمية وأعلام مزيفة وتطفئ أجهزة التتبع. إلا أن الحصار البحري الأمريكي الأخير، واعتراض سفن مثل الناقلة "سكيبر" (التي كانت تحمل مليون برميل لكوبا)، قد ضرب هذه الشبكة السرية في مقتل، مما قطع آخر شريان للتصدير.

خامساً: هيكلية الشركاء والمشغلين (PDVSA وشركاؤها)

لا تعمل شركة النفط الوطنية الفنزويلية (PDVSA) بمفردها، بل من خلال شبكة معقدة من "المشاريع المشتركة" (Joint Ventures) التي فُرضت بقوة القانون في عهد تشافيز:

* شركة شيفرون (Chevron): الشريك الأبرز والأكثر كفاءة حالياً. تدير مشاريع مثل "بتروبيار" و"بتروبوسكان". تتميز بامتلاكها سعة تخزين أفضل وقدرة تشغيلية أعلى، لكنها بدأت تواجه صعوبات مؤخراً رغم الاستثناءات الأمريكية.

* الشركاء الشرقيون (الصين وروسيا):

* الصين (CNPC): شريك في "بتروليرا سينوفينسا". الصين هي المستورد الأكبر (80%) والدائن الأكبر. تعتمد مشاريعها الآن على وسطاء (مثل ماليزيا) لتصريف الإنتاج.

* روسيا: كانت "روسنفت" لاعباً رئيساً قبل أن تنقل أصولها لشركات روسية أخرى لتفادي العقوبات. كانت تدير "بتروموناجاس" بشراكة مع PDVSA، لكن الأخيرة استحوذت على إدارتها بالكامل مؤخراً، مما أدى لتراجع الكفاءة.

* الشركات الغربية الغائبة: شركات مثل إيني (الإيطالية) وتوتال (الفرنسية) وروسنفت (الإسبانية) موجودة إسمياً في مشاريع مشتركة، لكن نشاطها الفعلي مجمد أو محدود للغاية.

سادساً: التعدين.. البديل المتعثر (قوس أورينوكو التعديني)

بسبب تهاوي عائدات النفط، حاولت حكومة مادورو تنويع الأصول عبر قطاع التعدين، لكن الواقع هنا ضبابي للغاية:

* بيانات غير موثوقة: تتحدث الحكومة عن احتياطيات هائلة من الذهب (644 طناً)، والماس، والنيكل، والفحم (3 مليارات طن)، والحديد (14 مليار طن). لكن الخبراء يشككون في هذه الأرقام لخلط الحكومة بين مصطلحي "الاحتياطي" (القابل للاستخراج اقتصادياً) و"الموارد" (الموجودة في الطبيعة بغض النظر عن الجدوى).

* غياب المعادن الاستراتيجية: رغم الحديث عن تنوع المعادن، تفتقر فنزويلا لاحتياطيات كبيرة من "المعادن الأرضية النادرة" الضرورية للصناعات التكنولوجية الحديثة، مما يقلل من جاذبيتها التعدينية مقارنة بدول أخرى.

يخلص تحليل الأصول والقدرات إلى حقيقة مؤلمة: النفط الفنزويلي موجود وبكثرة، لكن "آلة استخراجه" معطلة بالكامل. إن أي خطة أمريكية لاستغلال هذه الثروة لا تتطلب مجرد قرار سياسي أو تغيير في الإدارة، بل تتطلب عملية إعادة بناء شاملة (Overhaul) للبنية التحتية المادية واللوجستية. يقدر الخبراء أن استعادة مستويات الإنتاج السابقة ستتطلب استثمارات بمليارات الدولارات وفترة زمنية تتراوح بين 5 إلى 7 سنوات، شريطة توفر الاستقرار الأمني والقانوني الذي تفتقده البلاد حالياً. لذا، فإن الرهان على تدفق سريع للنفط هو رهان خاسر في المدى المنظور.

4. خارطة الطريق الأمريكية المعلنة: "الصدمة، الاستحواذ، وإعادة الهيكلة"

لم تكتفِ الإدارة الأمريكية بتنفيذ عملية عسكرية خاطفة لإزاحة رأس النظام في كاراكاس، بل سارعت فوراً إلى طرح "خارطة طريق" تنفيذية تتسم بالجرأة، والسرعة، والصبغة التجارية الفجة. تختلف هذه الخطة جذرياً عن مشاريع "بناء الدولة" التقليدية؛ فهي لا تركز على التحول الديمقراطي التدريجي بقدر ما تركز على الاستحواذ الفوري على الأصول، تأمين التدفقات النقدية، وفرض الاستقرار الأمني بالقوة.

تتألف خارطة الطريق الأمريكية، كما كشفت عنها تصريحات الرئيس دونالد ترامب وتسريبات البيت الأبيض، من أربعة مسارات متوازية تعمل بتناغم لضمان المصالح الأمريكية:

أولاً: المسار المالي والتجاري (صدمة السيولة والاسترداد)

يمثل هذا المسار العمود الفقري للخطة، ويعكس عقيدة "أمريكا أولاً" في أقصى تجلياتها العملية. لا تنتظر واشنطن استقرار الأسواق، بل قررت التدخل المباشر لفرض واقع تجاري جديد:

1. تسييل المخزون "المجمد": الخطوة الأولى والأكثر إلحاحاً في الخطة هي قرار الرئيس ترامب ببيع ما يتراوح بين 30 إلى 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي المخزّن حالياً (سواء في الصهاريج البرية أو الناقلات العائمة). هذا النفط، الذي كان خاضعاً للعقوبات ومحذوراً، سيتم "تحريره" بقرار رئاسي وشحنه مباشرة إلى الولايات المتحدة لتكريره وبيعه في السوق الأمريكية.

2. آلية "الصندوق الرئاسي": في سابقة قانونية وسياسية، أعلن ترامب أن عوائد هذه المبيعات (التي تُقدر قيمتها المبدئية بنحو 1.9 مليار دولار وفق الأسعار الحالية) لن تذهب فوراً إلى خزينة الدولة الفنزويلية، بل ستكون تحت "سيطرة الرئيس الأمريكي المباشرة". الهدف المعلن هو ضمان استخدام هذه الأموال لـ"صالح الشعب الفنزويلي والولايات المتحدة"، وهو تعبير فضفاض يمنح واشنطن وصاية مالية كاملة على مقدرات كاراكاس في المرحلة الأولى.

3. التنفيذ الفوري: أوكل ترامب مهمة تنفيذ هذه الخطة لوزير الطاقة الأمريكي "كريس رايت"، مع تعليمات بالتحرك "على الفور". هذا يعني تجاوز الإجراءات البيروقراطية المعقدة والبدء في تفريغ الناقلات لفك الاختناق اللوجستي وتوفير سيولة نقدية تغطي تكاليف العملية العسكرية وتدعم الإدارة الجديدة.

ثانياً: المسار الصناعي (عودة العمالقة وإعادة الإعمار)

يرتكز الشق الاقتصادي من الخطة على فكرة أن القطاع الخاص الأمريكي هو الوحيد القادر على إصلاح ما أفسدته "الاشتراكية". وتتضمن الخطة استبدال نفوذ الدولة (PDVSA) بنفوذ الشركات الأمريكية الكبرى (Big Oil):

1. دعوة "تحالف العمالقة": وجه البيت الأبيض دعوات مباشرة لرؤساء كبرى شركات النفط الأمريكية، وتحديداً "إكسون موبيل"، "كونوكو فيليبس"، و"شيفرون". الهدف هو عقد قمة طارئة في البيت الأبيض لمناقشة آليات العودة والاستثمار. الرسالة الأمريكية واضحة: الحكومة ستوفر الغطاء السياسي والأمني، والشركات ستوفر رأس المال والتكنولوجيا.

2. استراتيجية "الإحلال والتبديل": تقوم الخطة على استرداد المكانة التي فقدتها هذه الشركات بعد تأميمات 2007. بالنسبة لترامب، فإن البنية التحتية النفطية في فنزويلا هي في الأصل "صناعة أمريكية سرقها النظام"، وبالتالي فإن عودة هذه الشركات ليست استثماراً جديداً بقدر ما هي "استعادة حقوق". يتم التركيز على إصلاح المصافي ومنشآت الترقية (Upgraders) المتهالكة لضمان تدفق النفط الخام الثقيل إلى مصافي خليج المكسيك.

3. رفع العقوبات الانتقائي: تتضمن خارطة الطريق رفعاً تدريجياً ومشروطاً للعقوبات، مصمماً خصيصاً لخدمة الشركات الأمريكية، مع الإبقاء على القيود التي تمنع المنافسين (الصين وروسيا) من الاستفادة.

ثالثاً: المسار السياسي (هندسة الاستقرار "البراغماتي")

في هذا المسار، كشفت خارطة الطريق عن "واقعية سياسية" صادمة للمراقبين. بدلاً من تسليم السلطة لحلفاء واشنطن الأيديولوجيين في المعارضة الديمقراطية، اختارت الإدارة الأمريكية الاعتماد على "الدولة العميقة" للنظام السابق لضمان الاستقرار:

1. خيار "الرجل القوي" بدلاً من الديمقراطي: تجاهلت واشنطن زعيمة المعارضة "ماريا كورينا ماتشادو" (رغم شعبيتها ووعودها بفتح الأسواق)، وقررت دعم تعيين "ديلسي رودريغيز" (نائبة مادورو السابقة) كرئيسة مؤقتة. الأهم من ذلك، هو الاعتماد على وزير الداخلية القوي "ديوسدادو كابيلو" لإدارة الملف الأمني.

2. توصية الاستخبارات (CIA): جاء هذا القرار بناءً على تقييم سري من وكالة الاستخبارات المركزية، أفاد بأن رودريجيز وكابيلو هما "الرهان الأفضل" للحفاظ على تماسك الجيش وقوات الأمن، ومنع انزلاق البلاد إلى فوضى شاملة أو حرب أهلية قد تضر بإنتاج النفط. واشنطن تدرك أن تفكيك الهيكل الأمني للنظام بالكامل سيخلق فراغاً خطيراً، لذا قررت "إعادة تدوير" القيادات القادرة على ضبط الشارع، مع وضعهم تحت وصاية أمريكية صارمة.

3. المرحلة الانتقالية: صرح ترامب بأن الولايات المتحدة ستدير البلاد فعلياً إلى حين "تنصيب قيادة جديدة"، مما يعني فترة وصاية مباشرة قد تمتد لأشهر أو سنوات، يتم خلالها تحجيم نفوذ المعارضة التقليدية إذا لم تتماشَ مع الضرورات الأمنية الأمريكية.

رابعاً: المسار الجيوسياسي (تطهير الأرض)

لا تكتمل خارطة الطريق دون الشق المتعلق بتأمين البيئة الاستراتيجية عبر إقصاء المنافسين الدوليين:

1. الإنذار الأخير للمستشارين الأجانب: تضغط واشنطن بقوة على الحكومة المؤقتة لطرد كافة الخبراء والمستشارين العسكريين والتقنيين التابعين لـ الصين، روسيا، كوبا، وإيران. هذا المطلب نُقل عبر قنوات سرية وخلال اجتماعات مع قيادات الكونغرس (مثل ماركو روبيو). الهدف هو "تعقيم" المؤسسات الفنزويلية (النفطية والعسكرية) من أي نفوذ شرقي.

2. قطع "حبل السرة" الكوبي: من خلال السيطرة على النفط، تخطط واشنطن لقطع الإمدادات النفطية المدعومة التي كانت تذهب إلى كوبا (5% من الصادرات). هذا الإجراء يهدف إلى خنق النظام في هافانا وإضعاف نفوذه الإقليمي، كجزء من ترتيب أوراق منطقة الكاريبي بأكملها.

3. إعادة توجيه البوصلة: الهدف النهائي هو فك الارتباط الاقتصادي بين فنزويلا والصين (التي كانت تستحوذ على 80% من النفط)، وإعادة ربط الاقتصاد الفنزويلي عضوياً بالاقتصاد الأمريكي، بحيث تصبح الولايات المتحدة هي الشريك التجاري والضامن الأمني الأوحد.

الخلاصة: خطة "الاستعمار الجديد" بلغة الأعمال

إن قراءة متأنية لـ "خارطة الطريق الأمريكية" تكشف أنها ليست خطة إنقاذ تقليدية، بل هي أقرب لعملية "استحواذ عدائي" (Hostile Takeover) بمفاهيم عالم الشركات.

تتعامل الخطة مع فنزويلا كـ "أصل متعثر" (Distressed Asset) يجب إعادة هيكلته لضمان سداد الديون وتحقيق الربح للمساهمين الجدد (الولايات المتحدة وشركاتها).

تتميز الخطة بالبراغماتية الشديدة؛ فهي مستعدة للتعامل مع رموز النظام السابق "القمعيين" طالما أنهم يضمنون تدفق النفط، ومستعدة لتهميش "الديمقراطيين" إذا كانوا يمثلون خطراً على الاستقرار. إنها خارطة طريق مصممة لخدمة هدف واحد: أن يدفع النفط الفنزويلي تكلفة "إعادته" إلى الحظيرة الأمريكية، وبأسرع وقت ممكن.

5. التحديات والعقبات: هل الخطة واقعية؟

بينما يرسم الرئيس دونالد ترامب صورة وردية لمستقبل فنزويلا كقوة نفطية مُستعادة تحت المظلة الأمريكية، واعداً بتدفق سريع للأرباح واستعادة "الازدهار"، يصطدم هذا الخطاب السياسي الطموح بجدار صلب من الحقائق الجيولوجية، الاقتصادية، والأمنية. يُجمع معظم خبراء الطاقة، والمحللون الاستراتيجيون في البنوك الكبرى (مثل "ساكسو بنك" و"يو بي إس")، ومراكز الأبحاث (مثل "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية")، على أن خطة "الإنقاذ السريع" غير واقعية في المدى القصير، وأن الطريق نحو استعادة قدرات فنزويلا محفوف بعقبات قد تؤخر أي إنجاز ملموس لسنوات طويلة.

يستعرض هذا القسم "فحص الواقع" (Reality Check) للخطة الأمريكية عبر خمسة محاور رئيسية تمثل تحديات وجودية للمشروع:

أولاً: كابوس البنية التحتية (الخراب الذي لا يُصلحه المال وحده)

التحدي الأكبر ليس سياسياً بل تقنياً وفيزيائياً. البنية التحتية النفطية في فنزويلا ليست مجرد "متوقفة"، بل هي "مدمرة" هيكلياً.

* عامل الزمن والصدأ: يشير الخبراء إلى أن سنوات من "الإهمال، وضعف الاستثمار، والفساد" في عهد تشافيز ومادورو حولت المنشآت إلى خردة. الأنابيب تآكلت، والمضخات تعطلت، وأنظمة التحكم الإلكترونية عفا عليها الزمن. إعادة تشغيل هذه المنظومة لا تشبه تشغيل مفتاح الضوء، بل تتطلب إعادة بناء كاملة. يقدّر "توماس أدونيل"، الخبير الاستراتيجي في الطاقة، أن إصلاح البنية التحتية وترتيب الاستثمارات سيستغرق ما بين 5 إلى 7 سنوات لرؤية زيادة كبيرة في الإنتاج، وليس أسابيع أو أشهراً كما توحي واشنطن.

* معضلة "النفط الثقيل": نفط فنزويلا "لـزج وثقيل جداً" (Extra-Heavy). لاستخراجه ونقله، يحتاج لخلطه بمواد مخففة (Diluents) مثل النافثا. العقوبات الأمريكية السابقة قطعت إمدادات هذه المواد، مما أدى إلى تصلب النفط داخل الأنابيب والمنشآت، وهو ما قد يعني الحاجة لاستبدال شبكات أنابيب كاملة تضررت بشكل لا يمكن إصلاحه. عملية التكرير نفسها "مشروع مكلف بحد ذاته"، كما أقر ترامب، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد الهندسي.

ثانياً: الحسابات الاقتصادية لشركات النفط (الربح قبل السياسة)

يعول ترامب على "الشركات الأمريكية العملاقة" للعودة. لكن كما أوضح "أولي هانسن"، المحلل في بنك ساكسو، فإن "المسؤولية الرئيسية لشركات النفط هي تجاه مساهميها، وليس تجاه الحكومة". منطق "وول ستريت" يختلف عن منطق "البيت الأبيض":

* غياب الجاذبية الاستثمارية: في عام 2025، تشهد أسواق النفط "وفرة في المعروض" وتراجعاً في الأسعار، رغم التوترات الجيوسياسية. بالنسبة لشركات مثل "إكسون" أو "شيفرون"، ضخ مليارات الدولارات في مشاريع نفط ثقيل عالية التكلفة في بيئة غير مستقرة ليس خياراً جذاباً حالياً. العائد على الاستثمار (ROI) في النفط الصخري الأمريكي أو في غيانا المجاورة أسرع وأكثر أماناً بكثير.

* الديون العالقة: الشركات التي غادرت، مثل "كونوكو فيليبس" و"إكسون موبيل"، لديها ذاكرة قوية وديون ضخمة. "كونوكو" وحدها تطالب بأكثر من 10 مليارات دولار كتعويضات عن تأميم أصولها. يرى المحلل "فرانسيسكو مونالدي" أنه من غير المرجح أن تعود هذه الشركات دون ضمانات قاطعة بالحصول على مستحقاتها القديمة أولاً. لن تدخل الشركات رؤوس أموال جديدة في "ثقب أسود" قبل تسوية الدفاتر القديمة.

ثالثاً: الفراغ الأمني ومخاطر "حرب العصابات"

السيطرة على القصر الرئاسي لا تعني السيطرة على حقول النفط النائية في حزام أورينوكو. الانتقال السياسي الذي هندسته واشنطن (رودريجيز/كابيلو) هش للغاية:

* التهديد المسلح: يحذر الخبراء من سيناريو "انتقال سياسي فاشل". هناك خطر حقيقي من نشوء "مقاومة مسلحة" أو حرب عصابات طويلة الأمد تقودها الميليشيات الموالية لمادورو ("كوليستيفوس") أو وحدات منشقة من الجيش ترفض "الوصاية الأمريكية". حقول النفط وخطوط الأنابيب الممتدة لآلاف الكيلومترات هي أهداف سهلة للتخريب، مما يجعل تأمينها كابوساً لوجستياً ومكلفاً للغاية. المستثمرون، كما أشار "مارك كريستيان"، لن يعودوا حتى يحصلوا على "الحد الأدنى من الأمن"، وهو أمر مشكوك فيه حالياً.

* استقرار "الحلفاء الجدد": الاعتماد على شخصيات من النظام السابق (كابيلو ورودريجيز) هو سيف ذو حدين. ولاء هؤلاء مشكوك فيه، وقدرتهم على ضبط الأمن دون قمع دموي (قد يحرج واشنطن دولياً) غير مؤكدة. أي اضطراب سياسي داخلي سيعيد الشركات الأجنبية فوراً إلى وضعية "الانتظار والترقب".

رابعاً: المعضلة القانونية والبيروقراطية

تتسم خطة ترامب بـ "الارتجالية القانونية". إعلانه عن "السيطرة الشخصية" على عوائد النفط، وبيع شحنات مصادرة، يفتح أبواب الجحيم القانوني:

* شرعية الملكية: لم يحدد المسؤولون الأمريكيون "إطاراً قانونياً" واضحاً للاستيلاء على النفط الفنزويلي وبيعه. هل هو نفط دولة ذات سيادة؟ أم أصول مصادرة؟ هذا الغموض قد يعرض الشحنات لملاحقات قضائية دولية من قبل دائنين آخرين (مثل حملة السندات أو الصين).

* الإطار التشريعي للاستثمار: لكي تعود الشركات الأجنبية، يجب تغيير "قانون المحروقات" الفنزويلي الذي يفرض سيطرة الدولة (PDVSA) على أغلبية الأسهم. تغيير هذا القانون يتطلب برلماناً شرعياً ووقتاً طويلاً، وفي ظل حكومة مؤقتة ومراسيم رئاسية، ستظل العقود هشة وقابلة للطعن في المستقبل، مما ينفر الاستثمار طويل الأجل ("رأس المال جبان").

خامساً: العامل الجيوسياسي (الصين وروسيا لن يختفيا بصمت)

تجاهل ترامب في خطته رد فعل القوى المتضررة، وتحديداً الصين وروسيا:

* الديون الصينية والروسية: فنزويلا مدينة للصين بـ 10 مليارات دولار ولروسيا بمليارات غير معلنة. هذه الدول تمتلك عقوداً وأصولاً وسندات. محاولة واشنطن شطب نفوذهم قد تؤدي إلى معارك قانونية في المحاكم الدولية للسيطرة على الأصول الخارجية لشركة PDVSA (مثل مصافي سيتجو)، أو حتى إجراءات انتقامية اقتصادية في مناطق أخرى. الصين لن تتنازل عن "بنك الطاقة" الخاص بها في أمريكا الجنوبية بسهولة.

* تجارب التاريخ الفاشلة: يستشهد الخبير "إد هيرز" و"خورخي ليون" بالتاريخ الحديث: تدخلات أمريكا لتغيير الأنظمة في دول نفطية (العراق 2003، ليبيا 2011) لم تؤدِ أبداً إلى استقرار سريع لإمدادات النفط أو انخفاض الأسعار، بل أدت لسنوات من الفوضى وتذبذب الإنتاج. فكرة أن فنزويلا ستكون استثناءً هي، وفقاً للتاريخ، "تفاؤل مفرط".

سادساً: تحدي "الوقت" (الوهم السريع)

أخيراً، العقبة الأكثر وضوحاً هي "الوقت". ترامب يريد "مكاسب سريعة" (Quick Wins) وبيعاً فورياً للنفط. لكن الواقع اللوجستي يقول إن تفريغ الناقلات العالقة، وفك الاختناقات في الموانئ، وتأمين مسارات الشحن، يستغرق أشهراً. أما زيادة الإنتاج، فهي مشروع لسنوات. الفجوة بين "دورة الأخبار" السياسية السريعة وبين "الدورة الصناعية" البطيئة للنفط ستخلق خيبة أمل سريعة.

إن القول بأن خطة ترامب "واقعية" هو ضرب من المبالغة. قد تكون "ممكنة" على المدى الطويل جداً (عقد من الزمان) وبشروط مثالية، لكنها في المدى المنظور تصطدم بتحديات هائلة تجعل منها "مغامرة عالية المخاطر". فنزويلا ليست "بقرة حلوباً" جاهزة، بل هي "حقل ألغام" يحتاج لتفكيك دقيق ومكلف قبل التفكير في جني الأرباح. العودة إلى إنتاج 3.5 مليون برميل يومياً تبدو اليوم أقرب إلى الخيال منها إلى خطة عمل قابلة للتنفيذ.

6. الموقف الجيوسياسي والدولي: "إعادة رسم الخرائط بالنار والنفط"

يتجاوز الحدث الفنزويلي حدود "تغيير النظام" المحلي ليشكل زلزالاً جيوسياسياً يعيد تشكيل موازين القوى في نصف الكرة الغربي. إن العملية العسكرية الأمريكية واعتقال "مادورو" ليسا مجرد إجراءات أمنية، بل يمثلان التطبيق الأكثر فجاجة ومباشرة لـ "عقيدة مونرو 2.0" في القرن الحادي والعشرين؛ حيث تعلن واشنطن فعلياً أن أمريكا اللاتينية هي "فناؤها الخلفي" الحصري، وأن أي نفوذ لقوى عظمى منافسة (تحديداً الصين وروسيا) سيتم استئصاله بالقوة.

يستعرض هذا القسم المشهد الدولي المعقد، وتفكيك شبكة التحالفات التي كانت تحمي كاراكاس، وتداعيات "الفراغ الفنزويلي" على أسواق الطاقة العالمية:

أولاً: المعركة الكبرى.. "اقتلاع" التنين الصيني

تُعد الصين "الخاسر الأكبر" استراتيجياً واقتصادياً من التحرك الأمريكي، وربما تكون هي الهدف الحقيقي غير المعلن خلف الستار:

* قطع شريان الطاقة: نجحت الصين خلال العقد الماضي في تحويل فنزويلا إلى محطة وقود استراتيجية لها، حيث كانت تستحوذ على 80% من صادرات النفط الفنزويلي (غالباً عبر شبكات معقدة وموانئ وسيطة في ماليزيا للالتفاف على العقوبات). التدخل الأمريكي يعني قطع هذا الشريان فوراً، وتحويل وجهة هذه البراميل من المصافي الصينية المستقلة (Teapots) إلى مصافي ساحل الخليج الأمريكي.

* خطر الديون المعدومة: تواجه بكين كابوساً مالياً؛ فهي أكبر دائن لفنزويلا بديون سيادية تقدر بنحو 10 مليارات دولار (تراكمت منذ عهد تشافيز). كانت هذه الديون تُسدد عينياً عبر شحنات النفط. الآن، ومع سيطرة واشنطن على الآبار والعوائد، وإعلان ترامب أن الأموال ستكون تحت تصرفه، باتت استثمارات الصين في مهب الريح.

* البعد الجيوسياسي (قناة بنما): أشار التقرير بوضوح إلى رغبة ترامب في "حرمان الصين من نفوذها على قناة بنما". كانت فنزويلا تمثل رأس جسر للنفوذ الصيني بالقرب من هذا الممر المائي الحيوي. طرد النفوذ الصيني من كاراكاس يعني تأمين الخاصرة الجنوبية للولايات المتحدة وتقليص قدرة البحرية والتجارة الصينية على المناورة في الكاريبي.

ثانياً: روسيا.. نهاية "الرهان الخاسر"

بالنسبة لموسكو، يمثل سقوط مادورو ضربة موجعة لطموحاتها في مشاغلة واشنطن في عقر دارها:

* الخسارة الاستراتيجية: استثمرت روسيا (عبر شركة "روسنفت" والحكومة) مليارات الدولارات لدعم نظام مادورو سياسياً وعسكرياً، ليس فقط من أجل النفط، بل لخلق "ندّية" جيوسياسية مع الولايات المتحدة. سقوط النظام يعني تبخر هذا النفوذ.

* طرد المستشارين: تضغط واشنطن بوضوح لطرد المستشارين العسكريين والتقنيين الروس فوراً. هذا المطلب ينهي الوجود العسكري الروسي الرمزي الذي كان يثير قلق البنتاغون (مثل زيارات القاذفات الاستراتيجية سابقاً).

* رد الفعل المحدود: رغم الإدانة اللفظية القوية، يبدو الموقف الروسي مكبلاً. انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا، وبعد المسافة الجغرافية، يجعل قدرتها على التدخل لإنقاذ حليفها في الكاريبي معدومة، مما يرسخ صورة "العجز" عن حماية الحلفاء البعيدين.

ثالثاً: كوبا.. الخنق الاقتصادي وتهديد البقاء

لعل الدولة الأكثر رعباً من المشهد الحالي هي كوبا، التي تواجه خطراً وجودياً مباشراً:

* قطع شريان الحياة: تعتمد كوبا بشكل شبه كلي على النفط الفنزويلي المدعوم (تستورد 5% من إنتاج فنزويلا، وهو ما يغطي معظم احتياجاتها). كان هذا النفط يُنقل عبر "ناقلات أشباح" (مثل الناقلة "سكيبر" التي اعترضتها البحرية الأمريكية). السيطرة الأمريكية تعني توقف هذه الإمدادات فوراً، مما يهدد هافانا بانهيار كامل في شبكة الكهرباء والمواصلات.

* الرسالة الدموية: مقتل 32 عنصراً من الجيش والمخابرات الكوبية خلال العملية الأمريكية (وفقاً للتصريحات الكوبية) يرسل رسالة ترهيب دموية. واشنطن لا تقطع النفط فحسب، بل تستهدف الوجود الكوبي في فنزويلا عسكرياً. يرى المحللون أن ترامب يضرب "عصفورين بحجر واحد": استعادة فنزويلا، وخنق النظام الشيوعي في كوبا لإسقاطه لاحقاً عبر الأزمات الاقتصادية.

رابعاً: منظمة "أوبك".. الصمت الاستراتيجي

رغم أن فنزويلا عضو مؤسس في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، وتمتلك أكبر احتياطي في المنظمة، إلا أن رد فعل الكارتل النفطي اتسم بالبرود والواقعية الشديدة:

* غياب "فزاعة" الأسعار: في السبعينيات، كان خروج منتج بحجم فنزويلا (3.5 مليون برميل) سيشعل الأسعار. اليوم، مع إنتاج فنزويلي هزيل (أقل من مليون برميل) ووفرة المعروض العالمي (خاصة من خارج أوبك)، فإن تأثير غياب النفط الفنزويلي على الأسعار "محدود للغاية"، كما يؤكد محللون.

* المصالح المتضاربة: دول أوبك الكبرى (السعودية، الإمارات، العراق) تراقب الوضع بصمت. في الواقع، قد تستفيد هذه الدول من غياب النفط الفنزويلي الثقيل عن السوق، حيث يمكنها تعويض النقص بزيادة صادراتها من الخامات المماثلة (الخام العربي الثقيل أو البصرة الثقيل) إلى المصافي الأمريكية، مما يعزز حصتها السوقية.

* الالتزام بالحصص: قررت "أوبك+" في اجتماعها الإبقاء على السياسة الحالية دون تغيير. المنظمة تفصل بين السياسة والسوق، وتعلم أن فنزويلا كانت، عملياً، خارج معادلة الإنتاج المؤثرة منذ سنوات.

خامساً: إيران.. الترقب والتهديد المبطن

يربط التقرير بذكاء بين الملف الفنزويلي والملف الإيراني. طهران، التي كانت ترسل الناقلات والمواد المخففة لكاراكاس وتساعد في صيانة المصافي، تتلقى الآن تحذيراً شديد اللهجة:

* سقوط الحليف اللاتيني: خسارة فنزويلا تعني خسارة إيران لموطئ قدم استراتيجي في الفناء الخلفي لأمريكا، كانت تستخدمه للالتفاف على العقوبات وتبييض الأموال عبر تجارة الذهب والنفط.

* رسالة للداخل الإيراني: تزامن التدخل في فنزويلا مع تحذيرات ترامب لطهران بشأن قمع الاحتجاجات الداخلية. الرسالة واضحة: "ما حدث لمادورو يمكن أن يحدث لأي نظام يعادينا إذا توافرت الظروف". هذا قد يدفع طهران للانكفاء والتركيز على حماية جبهتها الداخلية بدلاً من المغامرات الخارجية.

سادساً: سابقة قانونية خطيرة (قانون القوة)

على الصعيد الدولي القانوني، يُرسي التصرف الأمريكي سابقة بالغة الخطورة تثير قلق حتى حلفاء واشنطن:

* مبدأ "الغنيمة": إعلان ترامب عن "السيطرة الشخصية" على أموال النفط لـ "استرداد التكاليف" يحول التدخل العسكري إلى عملية تجارية تشبه "مصادرة الأصول" لتسديد الديون. هذا يضرب عرض الحائط بمفهوم السيادة الوطنية وحصانة أصول الدول.

* تجاوز القانون الدولي: تم تنفيذ العملية والخطط اللاحقة دون غطاء من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن. هذا يرسخ منطق "القوة هي الحق"، ويضعف النظام الدولي القائم على القواعد. الدول والشركات ستنظر الآن بعين الريبة لأي أصول سيادية يمكن أن تكون عرضة للمصادرة الأمريكية بقرار تنفيذي.

سابعاً: الجوار اللاتيني (الخوف والامتثال)

بالنسبة لدول أمريكا اللاتينية، الرسالة مدوية. انتهى زمن التساهل مع الأنظمة اليسارية "المشاغبة".

* البرازيل وكولومبيا: ستضطر الدول المجاورة للتنسيق مع "الواقع الجديد" في كاراكاس، خاصة فيما يتعلق بملف الهجرة والحدود. وجود حكومة موالية لواشنطن قد يسهل التعاون الأمني، لكنه قد يثير قلق الحكومات اليسارية (مثل لولا في البرازيل) من أن تكون التالية في القائمة.

* غويانا: النزاع الحدودي حول منطقة "إسيكيبو" الغنية بالنفط قد يشهد تجميداً أو حلاً يفرض أمريكياً، حيث لن تسمح واشنطن وشركاتها (إكسون تعمل في غويانا أيضاً) بأي توتر يهدد استثمارات الطاقة في المنطقة بأسرعها.

يخلص الموقف الجيوسياسي إلى أن التدخل الأمريكي في فنزويلا هو حلقة في سلسلة أكبر لإعادة هيكلة أمن الطاقة العالمي.

الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بكونها "أكبر منتج" للنفط (بفضل الصخري)، بل تريد أن تكون "المايسترو" الذي يتحكم في صنابير "أكبر احتياطي" في العالم أيضاً.

لقد تم تهميش الصين وروسيا بضربة عسكرية واحدة، ووضعت أوبك أمام الأمر الواقع. العالم يشهد ولادة نظام جديد في الأمريكتين، حيث يمتزج النفط بالبارود، وحيث تكون السيادة الوطنية رفاهية لا تملكها الدول التي تجلس على بحيرات من الذهب الأسود في "الفناء الخلفي" للبيت الأبيض.

7. الاستنتاج: "مقامرة القرن".. بين حلم الهيمنة وكابوس الاستنفاذ

في ختام هذا التقرير الاستراتيجي، وبعد تفكيك أبعاد التدخل الأمريكي في فنزويلا من الزوايا العسكرية، والاقتصادية، والجيوسياسية، نصل إلى لحظة الحقيقة التي تتجاوز صخب البيانات الصحفية والاحتفالات السياسية في واشنطن. إن عملية "استعادة" فنزويلا ليست مجرد تغيير لنظام حكم مارق، بل هي واحدة من أجرأ وأخطر المقامرات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. إنها اختبار حي لحدود القوة الأمريكية في عصر "الطاقة والديون"، ومحاولة لإعادة هندسة دولة كاملة لتعمل كشركة تابعة، في بيئة دولية شديدة الاضطراب.

تتمحور الخلاصات النهائية لهذا المشهد حول خمس ركائز أساسية تشكل بمجموعها "الحكم النهائي" على مدى واقعية واستدامة هذه الاستراتيجية:

أولاً: فجوة "السرعة" بين التكتيك والاستراتيجية

لقد أثبتت الولايات المتحدة تفوقاً كاسحاً في "السرعة التكتيكية"؛ فالعملية العسكرية الخاطفة التي أطاحت برأس النظام (مادورو) وتمت دون مقاومة تذكر، أظهرت قدرة واشنطن على فرض إرادتها الأمنية. ومع ذلك، فإن هذا النجاح العسكري السريع يخفي خلفه فشلاً محتملاً في "السرعة الاستراتيجية".

الرؤية الأمريكية القائمة على تحقيق "مكاسب سريعة" (Quick Wins) من خلال بيع النفط الفوري واسترداد التكاليف تصطدم بحائط صد منيع يتمثل في "الزمن الصناعي". دورة حياة مشاريع النفط لا تخضع للأوامر التنفيذية الرئاسية؛ فإصلاح مصفاة متهالكة أو إعادة ضغط بئر نفطي متصلب يحتاج إلى سنوات من العمل الهندسي الشاق.

الاستنتاج: ستواجه إدارة ترامب قريباً لحظة إحباط كبرى حين تدرك أن السيطرة على "قصر ميرافلورس" لا تعني تدفق الدولارات في اليوم التالي. الفجوة الزمنية بين "الوعود بالازدهار" وبين "واقع الأرض الخراب" قد تخلق أزمة توقعات خطيرة، سواء لدى الشعب الفنزويلي الذي ينتظر الفرج، أو لدى الناخب الأمريكي الذي وُعد باسترداد أمواله.

ثانياً: وهم "البقرة الحلوب" ومصيدة التكاليف

يتبنى الرئيس ترامب سردية تجارية تعتبر فنزويلا "أصلاً غنياً" (Asset) تم الاستحواذ عليه، وأن هذا الأصل سيدر أرباحاً فورية تغطي نفقات الاستحواذ وتزيد. لكن التحليل المالي والتقني يشير إلى أن فنزويلا اليوم ليست "أصلاً" بقدر ما هي "التزام مالي" (Liability) ضخم.

البنية التحتية لقطاع النفط مدمرة لدرجة تتطلب ما يشبه "خطة مارشال" مصغرة. التقديرات تشير إلى حاجة القطاع لاستثمارات تتراوح بين 100 إلى 200 مليار دولار على مدى عقد لاستعادة مستويات إنتاج 1999.

الاستنتاج: بدلاً من أن تكون فنزويلا مصدراً لتمويل الخزانة الأمريكية في المدى القصير، قد تتحول إلى "ثقب أسود" يبتلع الاستثمارات والمساعدات لسنوات قبل أن يبدأ في الانتاج الحقيقي. فكرة أن "النفط سيدفع تكلفة إعادة الإعمار" هي فكرة مكررة (سُمعت في العراق 2003) وأثبتت فشلها سابقاً؛ فالنفط يحتاج للمال ليستخرج، والمال غير موجود دون نفط، وهي حلقة مفرغة لن يكسرها إلا ضخ استثمارات خارجية هائلة ومخاطرة.

ثالثاً: الشركات الأمريكية.. الحكم الحقيقي في اللعبة

رغم الحماس السياسي في البيت الأبيض، فإن "المحرك" الفعلي لأي نجاح في فنزويلا ليس وزارة الطاقة الأمريكية ولا البنتاغون، بل مجالس إدارة شركات "إكسون موبيل"، "شيفرون"، و"كونوكو فيليبس". هذه الكيانات الرأسمالية الضخمة لا تتحرك بالعواطف الوطنية، بل بحسابات "العائد والمخاطرة".

الشركات الكبرى لديها ذاكرة مؤسسية قوية حول عمليات التأميم السابقة والديون العالقة (عشرات المليارات). ولن تغامر هذه الشركات برؤوس أموالها ومساهميها في بيئة قانونية "رمادية" تديرها حكومة مؤقتة بموجب مراسيم رئاسية أمريكية.

الاستنتاج: لن نشهد "غزواً استثمارياً" فورياً. ستتبع الشركات استراتيجية "الانتظار والترقب"، وستطالب بضمانات سيادية أمريكية، وإعفاءات ضريبية، وحماية قانونية من الدائنين الآخرين، وربما نشر قوات لحماية الحقول، قبل أن تضخ دولاراً واحداً في البنية التحتية الدائمة. "شيفرون" ستبقى وحيدة في الميدان لفترة، بينما يراقب الآخرون من بعيد.

رابعاً: السقوط المدوي لـ "تعددية الأقطاب" في الكاريبي

على الصعيد الجيوسياسي، يمثل الحدث الفنزويلي نقطة تحول تاريخية تنهي أحلام "تعددية الأقطاب" في أمريكا اللاتينية. لقد وجهت واشنطن ضربة قاصمة للنفوذ الصيني والروسي في نصف الكرة الغربي.

الصين، التي راهنت بمليارات الدولارات واستراتيجية طويلة الأمد للوصول إلى منابع النفط في الكاريبي، تجد نفسها اليوم مطرودة بالكامل، وديونها في مهب الريح. وروسيا فقدت آخر موطئ قدم استراتيجي لها لمشاغلة واشنطن.

الاستنتاج: لقد أعادت الولايات المتحدة تفعيل "مبدأ مونرو" بصيغته الأكثر تشدداً: "الأمريكتين للأمريكيين (والشركات الأمريكية)". هذا التحول سيجبر دول المنطقة (مثل البرازيل وكولومبيا) على إعادة معايرة سياساتها الخارجية، مدركةً أن تكلفة معاداة واشنطن أو التحالف العميق مع الصين قد تكون "تغيير النظام". فنزويلا تحولت من "رأس حربة" للمحور الشرقي إلى "عبرة" إقليمية.

خامساً: الاستقرار الهش.. الرقص على حافة البركان

الركيزة الأكثر خطورة في الاستنتاج تتعلق بطبيعة "النظام الجديد". الاعتماد الأمريكي على شخصيات من النظام القديم (ديلسي رودريغيز وديوسدادو كابيلو) وتهميش المعارضة الديمقراطية (ماريا كورينا) يكشف عن "براغماتية قاسية". واشنطن تفضل "الاستبداد المستقر" الذي يضمن تدفق النفط على "الديمقراطية الفوضوية".

لكن هذا الرهان محفوف بالمخاطر؛ فهذه الشخصيات تملك ولاءات متقلبة، والشارع الفنزويلي الذي عانى من الجوع والقمع قد لا يقبل باستبدال "ديكتاتور بآخر" حتى لو كان برعاية أمريكية.

الاستنتاج: الاستقرار الحالي هو "استقرار قسري" ومؤقت. خطر اندلاع تمرد مسلح، أو صراع أجنحة داخل الجيش، أو انتفاضة شعبية ضد "الوصاية"، يظل قائماً وبقوة. أي اضطراب أمني في مناطق الإنتاج (حزام أورينوكو) سيؤدي لهروب المستثمرين فوراً، ويعيد البلاد إلى المربع الأول، ولكن هذه المرة بوجود قوات أمريكية متورطة مباشرة على الأرض، مما يفتح الباب لسيناريو "المستنقع".

الخلاصة النهائية: "نصر تكتيكي.. ومأزق استراتيجي"

في المحصلة النهائية، يمكن القول إن الولايات المتحدة قد حققت نصراً تكتيكياً مبهراً بإسقاط مادورو، لكنها ورثت مأزقاً استراتيجياً معقداً. لقد استحوذت واشنطن على "أكبر خزان وقود في العالم"، لكنها اكتشفت أن المضخة مكسورة، والأنابيب صدئة، والمفتاح مفقود، والشركاء مترددون، والأعداء يتربصون.

المستقبل المنظور لفنزويلا ليس "الازدهار النفطي السريع" كما يعد ترامب، بل هو مرحلة انتقالية طويلة، شاقة، ومكلفة، تتسم بصراع مرير لإعادة بناء ما دمره الزمن والسياسة. النفط الفنزويلي سيعود إلى الأسواق بلا شك، وسيتدفق إلى المصافي الأمريكية في نهاية المطاف، ولكن الطريق إلى تلك اللحظة سيكون معبداً بالديون، والمخاطر الأمنية، والمعارك القانونية.

إن "عقيدة ترامب" في فنزويلا هي اختبار لنظرية: هل يمكن لقوة عظمى أن تدير دولة بحجم فنزويلا كأنها "شركة تابعة قيد التصفية وإعادة الهيكلة"؟ التاريخ يعلمنا أن الدول أعقد من الشركات، وأن الشعوب ليست مجرد أصول في ميزانية عمومية. نجاح هذه المغامرة سيعيد تشكيل سوق الطاقة العالمي لعقود، أما فشلها فقد يحول فنزويلا إلى "ليبيا الكاريبي"؛ دولة غنية بالنفط، ولكنها غارقة في الفوضى الدائمة على أعتاب الولايات المتحدة.

* المصدر: وكالات+رويترز+فرانس برس

ذات صلة

الأموال الضريبية في المنظور الإسلاميمخاطر الإخلال بالآداب العامة على الحقوق والحرياتحصان الحكومة وعربة المحاصصةتراجع موقع أميركا في السلم الحضاري منذ تولّي ترامب الرئاسة إلى اليوم عبر ثلاث علامات كاشفةهربرت ماركوز بين المقاربة الجذرية التحررية والفلسفة الاجتماعية النقدية