المسؤولية الكبرى للقائد في توحيد الأمة

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

شبكة النبأ

2026-04-09 06:03

(المهم في الحكومة الإسلامية أن يكون الحاكم الأعلى هو الذي يمهّد لوحدة المسلمين)

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

يشكل المسلمون اليوم نسبة مهمة من سكان العالم، تفوق المليار مسلم، ولو أنهم اتّحدوا فيما بينهم وتوحدت أهدافهم، لكانوا يشكلون أمة قوية لها هيبة كبيرة أمام الأمم الأخرى، ولهذا السبب تحديدا ركّز علماء أجلاء راحلون وحاضرون، على أهمية أن يتّحد المسلمون تحت ظل حكومة واحدة ويصبح المسلمون لاسيما في الحكومات الإسلامية دولة وأمة واحدة. 

الهدف من تحقيق هذه الوحدة هو بناء أمة قوية لا تكون عرضة للاختراقات الفكرية أو العقائدية، ولن تسمح لعواصف الفتنة تضربها، وتشتت شملها، كما يجري اليوم في واقع المسلمين المؤلم، في ماضينا وتحديدا في أوائل البعثة النبوية كان المسلمون قلبا واحدا ويدا واحدة وإرادة واحدة، مما جعلهم أمة واحدة أنشأت دولة عظمى تفوّقت على جميع الدول آنذاك والسبب الذي بنى قوتها هو وحدتها.

ولنا في تاريخنا المشرق تجارب حكومية جمعت المسلمين تحت ظلها، وكان الحاكم الأعلى هو أول وأكثر من يسعى لجمع المسلمين تحت ظل الحكومة، بغض النظر عن اختلاف الآراء وحتى العقائد، لأن المهم أن تكون هناك وحدة إسلامية تجمع المسلمين وتجعل من كلمتهم واحدة، وصوتهم واحد، وقدراتهم متّحدة مع بعضها حتى تشكل قوة هائلة يُحسَب لها ألف حساب.

(إن الاختلاف في أصول العقائد أو الأحكام أو الأخلاق أو الأساليب لا يمنع من أن يتّحد المسلمون، ولا يجب أن يكون سببا في فُرقة المسلمين وتناحرهم وتضادّهم مع بعض، لأن ذلك من شأنه أن يضعفهم حيال الأمم الأخرى، ولهذا كان حكومة الإمام علي عليه السلام، تجمع بين المسلمين حتى مع اختلافهم، وهذا سرّ قوة المسلمين وقدرتهم على مواجهة الآخر.

سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة تحت عنوان الأمان من الفرقة والنزاع:

(كل الفئات الإسلامية رغم اختلافها في أصول العقائد وفي الأحكام وفي الأخلاق وفي الأساليب، كانوا يجتمعون متّحدين تحت حكومة أمير المؤمنين صلوات الله عليه). 

وكانت الميزة الأساسية لحكومة الإمام علي عليه السلام، تتمثل باستيعابها للمعارضين والمختلفين مع الحكومة والحاكم، فحتى الذين لهم آراء أخرى مضادة بالحكومة والحاكم، وبسياساتها وتوجهاتها، كان هذا الاختلاف والتضاد في الرأي لا يدفع بالحاكم (الإمام علي) إلى معاداة المعارضين، ولا يتخذ إجراءات صارمة بالضد منهم.

العيش في كنف الأمة الواحدة

بل كان هؤلاء المعارضون وغيرهم يعيشون سواسية مع المسلمين الآخرين، تحت ظل حكومة الإمام عليه السلام، وكان لا يسمح بالوقوف بالضد منهم، وإنما هم يتمتعون بجميع المزايا التي يمتلكها المواطنون المؤيدون لحكومة الإمام علي عليه السلام، وهم ليسوا ممنوعين من الإدلاء بآرائهم وتوجهاتهم واختلافهم حتى في حضرة الحاكم الأعلى، بل يتمتعون بكامل الحرية في ذلك حتى في حضور ووجود الحاكم الإمام أمير المؤمنين نفسه.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:  

(حتى الذين لم يقبلوا بحكومة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وكانوا يصرّحون بذلك ويعلنونه في وجه أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ومع ذلك كانوا يعيشون عيشة إسلامية متّحدة). 

أما قضية المحاسبة أو الحساب الذي يطال الإنسان المعارض، فهذا يعود إلى الله تعالى، هو جل جلاله الذي يعاقب هذا أو يثيب ذاك تبعا لمواقفه المختلفة مع حكومة الإمام عليه السلام، هذه هي سياسة حرية الرأي والتوجّه في ظل حكومة الإمام علي عليه السلام، ولا قمع ولا تكميم ولا تكبيل ولا مطاردة ولا سجون تطال المعارض طالما أنه يعبر عن اختلافه بالسبل المسموحة وأهمها الابتعاد عن حمل السلاح ضد الحكومة والدولة.

فالحساب لم يكن يبدر من حاكم الدولة ولا حكومته ولا أجهزته الأمنية ولا يطال من يعرفون الحق، وإنما هو متروك إلى الله تعالى، وهذه هي سياسة الإسلام، كما عرفنا ذلك في حكومة الرسول محمد صلى الله عليه وآله، وأيضا حكومة أمير المؤمنين عليه السلام، وقد ورد في هذا الأمر آية قرآنية تؤكد بلا أدنى ريب بأن الله تعالى هو الذي يتكفّل الحساب والعقاب. 

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يشير إلى هذا الجانب بالقول:

(الله سبحانه وتعالى هو الذي يحاسب الذين علموا الحقّ وعرفوه وتركوه. ولذا قال الله تعالى في القرآن الحكيم للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ)، سورة الرعد، الآية 40.

بالطبع قضية توحيد الأمة (اية أمة) ليس أمرا هيّنا، ولا يتم بسهولة، بل يحتاج إلى جملة من المقومات، أهمها أن يكون الحاكم هو الذي يمهّد لهذه الوحدة، وهو الذي يرسم السبل أو الطريق الواضح لتحقيقها، فإذا كان حاكما من هذا النوع، يمكن للأمة أن تتَّحد وتصبح كيانا واحدا متماسكا صلبا، لا يقبل الفرقة فيما بين المسلمين حتى ولو اختلفوا في أصول العقائد أو سوى ذلك من الأمور التي قد تكون سببا في فرقتهم.

استيعاب المعارضين تحت مظلة الحكومة

لكن الحاكم الذي يستوعب الجميع، ويحميهم ويضعهم تحت مظلته الحكومية في إطار سياسة عادلة تجعل الجميع سواسية، ولا فرق بين شخص وآخر بحسب العقيدة أو اللون أو العرق أو غير ذلك، هذا الحاكم هو الذي يكون ممهّدا لوحدة أبناء الأمة، وراسما لهم الطريق السليم لوحدتهم وتعاضدهم مع بعضهم لإثبات وجودهم وحماية كرامتهم.

لذلك يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:  

(إنّ المهم في الحكومة الإسلامية أن يكون الحاكم الأعلى هو الذي يمهّد للوحدة بين المسلمين بجميع أصنافها وأنواعها، ويعيش الناس معاً ويصلّون في مساجد المسلمين، بعضهم مع بعض، سواء اعتقد هذا بذاك أو لم يعتقد). 

وهناك شواهد مؤكّدة تثبت بأن هناك أفرادا أو أشخاصا كانوا لا يترددون في إظهار اختلافهم ومعارضتهم للإمام علي عليه السلام في وجوده كحاكم أعلى للمسلمين، ومع ذلك كان يستوعبهم، ويترك لهم حرية القول، وحرية العيش الكريم في ظل حماية حكومية لا تسمح بالتجاوز على المعارضين والمختلفين، بل تؤكّد على حقّهم بحرية الرأي حتى لو كانوا على خطأ. 

فالمواطن حرّ في رأيه وتوجهاته، وهو آمن في نفس الوقت، ويُمنع منعا باتا أن يتعرض للقسر أو الإكراه لكي يكون مؤيدا للحاكم، بل هو آمن والحاكم وحكومته هي التي تحميه وتؤكد حقه فيما يتعلق بحرية الرأي والاختلاف، كونه يساعد على تثبيت وحدة المسلمين ويستوعب اختلافات الرأي أو الأسلوب ولكن تحت مظلة الحكومة والدولة الواحدة.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(حتى أنّه ورد في التاريخ مكرّراً أن بعض الأشخاص كانوا يهينون الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه في أيّام حكومته، ومع ذلك كانوا يعيشون بوداعة واطمئنان ورفاه، تحت ظل أمير المؤمنين صلوات الله عليه).

في الحقيقة هذا الهدف العظيم الذي يتمثل بوحدة المسلمين، يشكل مسؤولية عظيمة تقع على عاتق قادة المسلمين والنخب كافة، وكل من يكون ذا تأثير لتحقيق هذا الهدف المصيري، لهذا فإن المرجع الشيرازي يبارك لكل حاكم إسلامي يخطوا في هذا الاتجاه، ويدعو بالتوفيق لكل من يساعد على تحقيق هذا الهدف الكبير الذي يضم جميع المسلمين في أمة واحدة ودولة عظيمة.

كما يؤكد سماحته في قوله:

(أسال الله سبحانه وتعالى أن يوفّق الجميع لنشر هذه المسؤولية العظيمة التي تعمل على توحيد المسلمين).

في المجمل نحن نعرف كمسلمين مدى أهمية أن نتّحد معا، في عصر لا تفيد فيه الفرقة أحدا، ولا التشرذم، ولا التصادم فيما بين المسلمين بعضهم ضد بعض، فهناك من يتربص بهم، ويصب الزيت على النار لكي يبقوا متناحرين متضادين وحتى متحاربين ضد بعضهم بعضا، وهذا خلاف الهدف الأعظم المتمثل بتحقيق الوحدة الإسلامية التي تضم جميع المسلمين مع اختلاف عقائدهم وأساليبهم، ومن الله الرفعة والتوفيق.

ذات صلة

الحرب على ايران.. تقييم النتائج والتصورات المستقبليةكظم الغيظ في زمن الفتن: قراءة أخلاقية روائية في ضوء التحديات المعاصرةالهدنة الأميركية-الإيرانية الهشة.. خطوة للوراء والابتعاد عن حافة الهاويةالقرآن الكريم وبنية الصراع الكوني: قراءةٌ سرديَّة في قصة سجود الملائكة لآدمإيران قد تثبت صحة وجهة نظر ترامب.. وهنا تكمن المشكلة