أنسب وأقصر الطرق للتغيير
قبسات من فكر المرجع الشيرازي
شبكة النبأ
2026-03-05 04:53
(ليس هناك طريق للتوفيق أسهل من طريق محاسبة النفس)
سماحة المرجع الشيرازي
يعاني الإنسان في الأعمّ الأغلب من نقصٍ ما، لاسيما ما يتعلق ببناء النفس وتحصينها من الخطايا التي لا تُعَد ولا تحصى في حياتنا ودنيانا، وهذا يستوجب مراقبة مستدامة لما يقوم به الإنسان، فيجب عليه أن يكون رقيبا صارما لما تقوم به نفسه، وأي غفلة وإهمال في هذا الجانب، سوف تنحدر النفس إلى درجات لا تليق بالإنسان.
وبهذا كل إنسان يحتاج إلى الترويض، وعليه أن يكون فطِنا لما يجري في دواخله، وما يقع خارجه، حتى يكون ذا نفس متوازنة، مستكفية، ولها القدرة الكافية على النأي بعيدا عن الانحراف بمختلف أنواعه، وهذه الخلاصة لا يمكن تحصيلها إلا باستمرارية المراقبة الذاتية للنفس، واستثمار الفرص التي تحميها من الانجراف في مسالك ودروب الخطيئة.
وأفضل وقت وظرف يمكن أن يستثمرها الإنسان في مجال حماية النفس وتغييرها، هو شهر رمضان، كونه شهر مبارك، تُغَلُّ فيه يد الشيطان، لذا عليه أن يستعد للدخول في هذا الشهر المبارك، وعليه أن يستفيد أقصى ما يمكن مما يوفره شهر رمضان له من وسائل وأسباب ترتقي به فوق المعاصي، وتحميه من الخطل، وينحو نحو التغيير بأقصر الطرق.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يذكر في الكتاب الموسوم (من عبق المرجعية):
(نحن جميعا بحاجة الى ترويض وانتباه، بحيث إذا دخل أحدنا شهر رمضان وخرج منه، يكون قد تغير ولو قليلا وملاك التغيير هو العمل بالمستحبات وترك المكروهات).
هناك مسارات وسبل يوفرها شهر رمضان للإنسان، تجعله قادرا على بناء ذاته البناء السليم، وتمكّنه من تغيير نفسه ما يجعلها أفضل مما كانت عليه، لذلك إذا دخل علينا شهر رمضان، وخرجنا منه بعد ثلاثين يوما من الصيام والالتزام، فلابد أن تكون هنالك حصيلة تغيير تصبّ في صالح الإنسان، ولا يمكن أن نعيش هذا الشهر بأيامه المختلفة، وأجوائه الإيمانية الكبيرة ولا نخرج بحصيلة إيمانية مهمة تغيّر أنفسنا ومن ثم حياتنا.
استثمار حوافز الشهر المبارك
مع العلم أن طريق التغيير ودرجة السمو والارتقاء لا تقف عند نقطة معينة ولا محددة، بمعنى ليس هنالك مستوى معيّن تقف عنده درجة التغيير، بل هنالك دائما درجة أعلى وأعلى نحو الأحسن، ولا يختلف هنا صاحب العلم عن سواه، ولا صاحب الثقافة والوعي عن غيره، الجميع تنفتح أمامهم في شهر رمضان فرص متواصلة، ولكن لابد من الأخذ بزمام المبادرة واستثمار كل مل يقدم هذه الشهر الفضيل من حوافز تدفع بالإنسان نحو الرقيّ.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(شهر رمضان المبارك هو شهر بناء الذات وتغيير النفس، وهذا الامر مطلوب من الجميع يستوي فيه أهل العلم وغيرهم، ومهما يبلغ المرء درجة في هذا الطريق فثمة فرصة للرقيّ أيضا).
ومن بين أهم وسائل التقدم والتغيير النفسي والذاتي وبناء القاعدة الإيمانية المتكاملة، المداومة على قراءة الدعاء، ومواصلة الصلاة بحسب أحكامها، والقيام بالزيارات التي تزج بالنفس في قلب الإيمان من خلال تلك الأجواء التي تحيط بالإنسان وتتوغل في قلبه وعقله، وتتشبّع بها نفسه، فيجد ذاته وشخصه محاطا بأجواء الإيمان من كل حدب وصوب.
ومع أن الصائم الملتزم المنضبط والمحصّن بالخشوع وبالصوم، متمسك بصيامه، ومتعلقا فيه بقوة، إلا أن هناك مشاغل أخرى قد تجبر الإنسان على الانشغال بها، ومنها على سبيل المثال، كسب الرزق ومواصلة العمل وما يتماثل مع ذلك، مما يجبر الإنسان إلى الانشغال بقضايا أخرى لها نفس أهمية الاهتمام بشهر رمضان، لأن عمل الصائم ورزقه هو ذاته عبادة.
لذا يجب التمسك بالأدعية، ومواصلة الزيارات التي تضاعف من شحنات الإيمان، وترتقي بنفس الإنسان عاليا، وتمنحها فرصة أكبر لبلوغ الاستقرار النفسي المهم.
من هنا يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(الصلوات والادعية والزيارات والاعمال الواردة في شهر رمضان المبارك بنفسها معدات لتحقيق بناء الذات، بيد ان المرء قد لا يسعه الوقت للقيام بها كلها بسبب تزاحمها مع مشاغل أخرى قد تكون مطلوبة أيضا).
ولعل المراقبة الذاتية تتطلب مراجعة لما قام به الإنسان من أعمال وما تلفظّ به من ألفاظ، وكيفية علاقته مع الناس المقربين منه، مثل الأهل والأصدقاء والزملاء وغيرهم، فهذا يلزم الصائم بمراجعة تصرفاته معهم، وماذا فعل في الساعات القليلة المنصرمة، فهذا يوجب عليه مراقبة أعماله وأفعاله وأقواله في غضون الساعات القليلة الماضية.
التحفيز الإيجابي لطرد اليأس
ولابد أن يتذكر ما قام به في تلك الساعات التي انصرف في غياهب الزمن، وما فعل فيها، هل كانت تصرفاته سليمة، هل نطق بما هو صحيح، وما هو غير جارح ولا مؤذي للآخرين، وهل تعامل بلطف وحسن نية من أهله، زوجته أبنائه أبية وأمه، وكيف تصرف مع صديقه وزميله، وحتى مع الغرباء، هل كان إنسانا لطيفا رحيما إيجابيا؟
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول حول هذه النقطة:
(لابد ان يراجع الإنسان نفسه وفيم صرف وقته؟، وكيف تصرف مع زوجته ومع أصدقائه وزملائه؟، وليصمم بعد ذلك على ان يزيد من حسناته ويقلل من سيئاته).
وهكذا مطلوب من الإنسان أن يراجع نفسه، وماذا قدم للآخرين في مجالات كثيرة، منها المساعدة، وتقديم النصيحة، والتشجيع على عمل الخير، والتحفيز الإيجابي لطرد حالات التشاؤم واليأس والانطلاق في بناء قواعد سليمة وإيجابية للحياة وللعيش السليم، لاسيما مع أقرب الناس إليه، بل وحتى مع الغرباء.
ويمكن في هذا الشهر المبارك، تعضيد البنية الاجتماعية وتمتين العلاقات التواصلية فيما بين الناس، فشهر رمضان هو الظرف المناسب تماما لإشاعة ونشر التعاون المتبادل بين الجميع، وهذا ينتهي في المحصلة إلى بناء بيئة اجتماعية متعاونة متسامحة مما يمهّد لبناء مجتمع تسوده المحبة والهدوء والرحمة واللين والتعاطف المتبادَل.
لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي:
(في شهر رمضان المبارك على الإنسان ان يراجع ما قد مضى منه خلال الساعات الماضية، فينظر ما عمل وما قال وما سمع وما رأى وما أخذ وما اعطى).
إن الله تعالى خص شهر رمضان المبارك بخصائص عظيمة، لم نجدها في الشهور الأخرى، لاسيما فيما يتعلق بالاهتداء والهداية، لذا من الأفضل للإنسان أن يستثمر هذه الفرصة بأقصى ما يمكن من توجّه وإرادة، مع القناعة التامة، التي تنتج عن ذكاء وتدبّر وفطنة عالية، تقود الإنسان نحو مراتب عالية من الغيمان والتقوى.
إنها حقا فرصة عظيمة لا يصحّ أن يفقدها الإنسان في شهر رمضان، لأنها إن ضاعت لا سمح الله، فإن على من يفقدها الانتظار سنة كاملة، وهي وقت طويل يُجتزأ من العمر الذي يمر سريعا، الهداية في شهر رمضان بين يديك، وعليك أن لا تفقدها، لأنها إن مرّت سيكون عليك الانتظار لعام آخر، فاغتنم الفرصة وتمسّك بالهداية الناجزة.
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(لقد خص الله عز وجل شهر رمضان الفضيل بالخصائص العظيمة دون سائر الشهور لذا فهو فرصة كهيأة من اجل الاهتداء والهداية).
وها نحن نعيش في رحاب هذا الشهر المتفرّد في كل شيء، ومطلوب منا الاستثمار الأمثل والأجود له، تحصيل للهداية، والتوبة، والإيمان، فلعل أنسب وأقصر الطرق للتغيير سنجدها دائما متاحة لنا وبين أيدينا في شهر رمضان المبارك.