سيكولوجية الغفلة: لماذا تعجز الأجيال عن الاستقراء الأخلاقي لمن سبقها؟

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

شبكة النبأ

2026-01-15 03:43

(يجب أن نتعلم من الصالحين الخصال الحميدة)

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله

المؤمنون يعرفون ويفهمون كيف تتعامل معهم الدنيا، وما هي المسالك التي يسلكونها فيها، فالدنيا فيها منعرجات لا حدود لها، وفيها مهالك شيطانية من صنع الشياطين الذين يجعلون الإنسان لا يرى إلا ما يريدونه، فيزينون للإنسان المحرمات، ويفتحون أمامه طرق الانحراف التي لا تُحصى، لذلك على الإنسان الحيطة والحذر من ملذّات الدنيا والمزايا الكثيرة فيها.

هناك من لا يرى خلال سنوات العمر المقرر له من عند الله تعالى، سوى الملذات والأشياء المريحة، حتى لو كان يرى الأشياء والمواقف الأفضل والأحسن من الملذات السريعة أو الزائلة، فهو يسعى لأن يُقنع نفسه بأن هذه الملذات الباطلة من حق، وأنها نوع من الفرص المتاحة له وعليه أن يحصل عليها بأية طريقة كانت بغض النظر عن كونها مشروعة. 

والمشكلة أن هذا النوع من البشر لا يشعر بمرور الزمن وتسارع أيام العمر وشهوره وسنواته وصولا إلى لحظة الموت، وخلال هذه الرحلة بين لحظة الوعي واشتداد عود الانسان ولحظات الموت، لا يتنبّه إلى أخطائه، ولا يشعر بأحابيل الشيطان التي تلتف حول عقله وعنقه، لكنه عندما يحين الموت يصحو من غفلته، ويحصي هفواته وأخطائه الكبرى، ولكن عند تلك اللحظة يكون الأوان قد فاته.

سماحة المرجع الشيرازي الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة الدنيا وملذاتها:

(من العجيب، أنّ الذين عاشوا في الدنيا عشرات السنين، سوف تتلخّص الدنيا في أعينهم عند ساعة الموت، وسوف يرونها وكأنّها ساعة واحدة من النهار). 

وفي كل الأحوال سوف تنتهي الأيام والشهور والأعوام التي يعيشها الإنسان، لأن الزمن لا يتوقف، بل يواصل سيره إلى أمام بينما يستمر عمر الإنسان بالنضوب والتراجع، ومع ذلك من الغراب أن يتنبّه الإنسان إلى هذا التسارع الواضح لأيام وسنوات العمر وهي تندثر في أحضان الماضي، وتغيب بلا رجعة، بينما أعمال الإنسان نفسه تبقى واضحة المعالم سواء في ذاكرته أو حتى في واقعه والشواهد التي تدل على ما قام به.

لماذا الإصرار على أعمال السوء؟

فلماذا يتجاهل الإنسان ما يراه أمامه، وما يعيه بنفسه، وما يتجسد في واقعه، لماذا لا يسارع لتصحيح أخطائه ومواقفه السيئة، ويتدارك الأمر ويقضي على الخصال الشريرة قبل فوات الأوان، فالغريب حقا أن هناك من البشر يبقى مصرّا على أعماله السيئة ويزيد ويضاعف منها، في حين كان لديه الوقت كي يستدرك ويصحو ويصحح ليخرج من الدنيا فائزا قبل لحظة الموت؟

إنه في تلك اللحظة الأخيرة يرى شريط أحداث عمره وأعماله ومواقفه تتجسد أمامه عملا بعد عمل وموقفا بعد موقف وهفوة بعد أخرى، حينئذ يعض على إصبع الندم ولكن لات مندم، فقد فات الأوان على التصحيح، وليس أمامك سوى يوم الحساب العادل.

يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(السنين التي عاشها الإنسان في الحياة الدنيا، بلحظاتها المرّة والحلوة سوف تنتهي في يوم من الأيام مع حلول ساعة الموت، وسيری الإنسان حیاته تمرّ في عینیه بسرعة فائقة لیری فیها ما حلّ به خلال السنوات الطویلة أو القصیرة وکأنّها نصف نهار أو أقلّ من ذلك). 

لذلك عندما ينتهي العمر، ويقرع جرس نهاية رحلة الدنيا، سوف يفرح المؤمن لأنه استثمر العمر بالشكل الصحيح، ولم يرتكب الحرام، لا فكرا ولا سلوكا ولا واجبات ولا فروض، إنه إنسان مؤمن حرص على أعمال وطوّر إيمانه وتجنب المحرمات، لذلك سوف يكون سعيدا في لحظة الموت لأنه أنهى هذه الرحلة الشائكة فائزا وسالما من الحرام والانحراف.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(عندها أما أن یفرح المؤمن لأنّ الدنيا انتهت بخير وسلام وبقيت لهم مقامات وفضائل وما أعدّه الله تعالی لهم من نعیم في الآخرة. وأما سيأسف الشخص الظالم والعاصي والمنافق ويعض یدیه من اللذّات التي انتهت وبقيت تبعاتها وهمّها العظيم وكربها الكبير، والعياذ بالله).

إذن هنالك فرص أمام الناس كي تعتبِر وتصحح وتستفيد من سنوات العمر التي تطارد بعضها بشكل سريع، والغريب حقا حينما تمضي الأجيال جيل بعد جيل خلف بعضها، لكنها لم تتعلم من الرجال الصالحين في الأجيال التي سبقتهم ومضت إلى دار حقها، فغالبا ما يُثار سوال ويتكرر كثيرا، لماذا لمم تتعظ الأجيال ممن سبقها، لكي تصحح وتفوز بدار البقاء؟

الأمر غريب حقا، حيث يلتهي الناس بما تقدمه لهم الدنيا من مغريات وملذات لا تدخل في دائرة الحلال، لأن الملذات غير المحرّمة متاحة أمام المؤمنين، ويمكنهم التلذذ بها، لكن يبقى الزهد هو الأعظم، ومع ذلك لا ذنب على من يقترب من الملذات المحلَّلة وهي كثيرة، فلماذا يدنّس يده ونفسه بما حرّمه الله تعالى وهو معروف وواضح؟

كما يؤكد سماحة المرجع الشيرازي في قوله:

(الغریب إنّ الأجیال لا تعتبر، بعضها من بعض، وجيلنا الحاضر لا يعتبر من الأجیال السابقة، ولا من الذين كانوا قبلهم وتزوّجوا بالدنیا الزرقاء وانشغلوا بملذّاتها وعاشوا مشاکلها ومجریاتها، كما نعيشها نحن الیوم).

أما القناعة وأما الانصياع للشهوات

إن الاذكياء العارفين يتعلمون ويعرفون ويؤمنون بأن الدنيا يمكن أن تُختَصر بأمرين يشكلان معادلة واضحة المعالِم وهذان الأمران هما (القناعة، والطرف الثاني الملذات)، هذه هي خلاصة الدنيا، فأما أن تقتنع بما كتب الله لك في رحلتك الدنيوية السريعة، وأما أن تجرفك الملذات المحرّمة، عنذاك سوف تخسر الدارين.

في الدنيا سوف تكون خاسرا، لأن التاريخ البشري لم يخبرنا يوما أن الإنسان الذي يصطف إلى جانب الدنيا سيربح، بل هو خاسر حتى لو ربح موجودات الدنيا كلها، وهذا القول المأثور يردده الجميع في مناسبة وفي سواها (ما فائدة أن أربح العالم وأخسر نفسي)، فليس هناك رابح في الدنيا إذا لم يستثمر سنوات عمره في صالح الأعمال.

سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(الدنيا تتلخّص في أمرين: الأول: قناعة ورضا بما قسمه الله. والثاني: حبّ الشهوات والملذّات. فقد خلق الله العقل كي يأمر الإنسان بالقناعة والرضا بما قسمه الله لعباده، في حین توجد في داخل الإنسان النفس الأمّارة، أيضاً، التي تدعو الی الشهوات والسيّئات والمظالم وتدفع الیها لأنّها تطالب بالمزید والمزید). 

لهذا كل إنسان عليه أن يتعلم ممن سبقوه من رجال لهم مواقف عظيمة لا تُنسىى، وخصال حميدة لا تُفنى، فكل شخص رجل أو امرأة مطالب أن يقتدي بالنماذج الحسنة، وأن يتعلم منهم كل شيء صحيح وجميل ومناسب، حتى يفوز بدار البقاء ويضمن له مكانا أفضل وأرقى.

أما من يذهب وراء الذين تغرّهم الدنيا وتغريهم وتستدرجهم إلى ملذاتها، فإنهم لا يفيدون أحدا بشيء سوى الانحدار والسقوط في براثن الشر، والخسارة التي لا بديل عنها، هذا هو حال من يتخذ من الأشخاص غير الصالحين مثالا لهم، لأنهم سوف يدفعون به نحو الهاوية.

حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

(إذا کانت الدنیا تتلخّص في هذين الأمرين (القناعة والشهوة)، فعلینا أن نأخذ منها العِبرة وأن نعتبر من سیرة الماضين وطریقة حیاتهم، فإن کانوا أتقياء وعدول وفي جانب من الورع والفضيلة والأخلاق الحسنة، فیجب أن نتعلّم منهم تلك الخصال الحمیدة، وإن كانوا ظالمين، فسّاق ومنافقين علینا أن نتجنّب هذه الصفات البذیئة ونأخذ منهم العبرة لعدم الوقوع في مستنقع الرذائل).

وهكذا لا يبقى أمام الإنسان سوى الأعمال الصالحة والمواقف السديدة، وهي تأتي مما ينتهجه الإنسان في دنياه، ومما يكتسبه من خصال حميدة تحميه من الانحدار، وتلهيه عن ثمار الآخرة التي يمكن أن يقطفها الإنسان في دنياه من خلال أعماله وأفكاره وسلوكياته، فأما تذهب به إلى النعيم، أو إلى الجحيم، وهو شيء يصنعه الإنسان بيدي ونفسه من خلال أعماله.

ذات صلة

حين يتحوّل اللقب إلى مدرسة.. الكاظم يُجسِّد منهجًاالعودة الى اللهالامام الكاظم والحرب الناعمةموقف التمييز الاتحادية من النفط والغازمن يخلق المعنى النص أم القارئ؟