رمضان واستعادة الإنسان: في رحاب الضمير وجماليات الروح
شبكة النبأ
2026-02-24 04:37
مع إطلالة الشهر المبارك، نجد أنفسنا أمام فرصة استثنائية لإعادة ضبط إيقاع حياتنا بالكامل. نحن في أمسّ الحاجة لهذه الوقفة التي تنتزعنا من الركض اللاهث خلف الماديات، لتعيدنا إلى جوهرنا الذي أرهقته العادة.
إن الصيام يمنحنا القدرة على استرداد ضمائرنا من غفوتها، ويوقظ فينا إحساساً عميقاً بالآخرين كان قد توارى خلف سحب الانشغالات اليومية. في هذه الأيام، ندرك يقيناً أن الحرمان ليس عقوبة، وإنما هو معلمٌ يهمس لنا بأن كرامة الإنسان تكمن في قدرته على التسامي فوق احتياجاته الشخصية ليرى احتياج محيطه.
إن هذا الانقطاع الاختياري عن المألوف يكسر رتابة التملك، ويفتح نوافذ البصيرة على نعمٍ صغيرة لم نعد نراها من فرط الاعتياد؛ فالماء الذي كان مجرد سائل، يصبح في لحظة الصدق مع الذات رمزاً للحياة التي يفتقدها الملايين، واللقمة التي كنا نتناولها بعجلة، تتحول إلى جسرِ اتصالٍ وجداني مع كل جائع على هذه الأرض، مما يعيد صياغة مفهوم الرفاه من امتلاك الأشياء إلى الشعور بالآخر.
إن الدوافع التي تجعلنا نتشبث بإحياء هذا الضمير تتجاوز حدود الطقس؛ فنحن نعيش زمناً غلبت عليه الفردانية، حتى بات التعاطف مجرد شعورٍ بارد يمر عبر الشاشات. يأتي رمضان ليجعل الرحمة ممارسة حية، ويحولها من فكرة مجردة إلى اشتباكٍ حقيقي مع الواقع عبر الشعور الموحد بالحاجة.
والجمال هنا يبرز في أبهى تجلياته حين يقرر الإنسان، بكامل إرادته، أن يكسر حدة الأنا ويجعل من كرامة أخيه الإنسان بوصلةً لتحركاته وسلوكه.
هذه الرحلة نحو الآخر تتطلب شجاعةً في التخلي عن كبرياء الذات ومساحات الأمان المصطنعة التي نبنيها حول أنفسنا؛ فإحياء الضمير هو عملية تحرر من سجن المصالح الضيقة، وانعتاقٌ نحو رحابة الالتزام الأخلاقي تجاه المجتمع.
إننا بذلك نحول العبادة من أداءٍ فردي إلى فعلٍ اجتماعي يغير خارطة العلاقات، ويستبدل منطق الاستغناء بمنطق الاحتياج المتبادل، حيث يدرك القوي أن قوته تكتمل بإنصاف الضعيف، ويعي الغني أن كفاية الفقير هي صمام الأمان لسكينته الشخصية.
وإذا ما تأملنا واقعنا بعينٍ ناقدة، سنجد تناقضاً يستحق الوقوف عنده؛ فبينما يُفترض أن يكون الشهر محطةً للزهد، نلحظ في الأسواق والموائد انفجاراً استهلاكياً يتجاوز المنطق، حيث تشير التقارير الاقتصادية إلى أن الإنفاق الغذائي يرتفع بنسبٍ قد تصل إلى 40%. هذا السلوك يخدش الجمال الأخلاقي للصيام؛ فالفلسفة الحقيقية للعطاء في رمضان لا تكتمل إلا بـ "أدب النفس"، حيث نُعطي بحبٍّ يحفظ عزة المحتاج، ونؤمن بأن اليد التي تمتد للمساعدة في الخفاء هي اليد التي تبني المجتمع فعلياً بعيداً عن أضواء المباهاة.
إن ممارسة الكرم تحت ضجيج الكاميرات تحول العطاء إلى سلعة وتجرد المحتاج من أغلى ما يملك، وهو حياؤه. إن النقد الحقيقي يتوجه لثقافة الاستعراض بالألم التي توغلت في أفعال الخير، فالعطاء الراقي هو ذلك الذي يسبقه فكرٌ واعي يراعي سيكولوجية الإنسان قبل احتياجات جسده.
الجمال يكمن في الصمت الذي يغلف الفعل، وفي "الخفاء" الذي يضمن بقاء الود نقياً من شوائب المنّ أو رغبة الظهور، فالمجتمع الذي يحترم خصوصية محتاجيه هو مجتمعٌ سليمٌ نفسياً وقادرٌ على النمو الأخلاقي المتزن.
إن الاستنتاج الذي نخرج به من هذه التجربة هو أن الضمير الاجتماعي ينمو بالمراس والتعود. والجمال الذي نلمسه في رمضان يتجلى في تلك الروابط التي يعاد غزلها بمودة؛ في طبق الجار الذي يحمل رسالة تقدير صامتة، وفي دبلوماسية التسامح التي تصفّي القلوب.
إن من يراقب الله في صيام يومه، يربي بداخله نزاهةً تحميه من التعدي على حقوق الآخرين في كل مفاصل الحياة، وهذا هو الضمان الحقيقي لمجتمعٍ متماسك يحكمه الوازع الداخلي قبل سلطة القانون. هذا الامتداد للقيم من المحراب إلى الشارع هو ما يمنح رمضان صبغته الحضارية؛ فالصائم الذي يتجنب الغش في ميزانه، أو المسؤول الذي يترفع عن المحسوبية إجلالاً لروحه الصائمة، يثبت أن الضمير الحي هو المراقب الأوفى الذي لا ينام.
إننا بصدد خلق عدالةٍ شعورية تسبق العدالة الإجرائية، حيث تصبح رغبة الفرد في نفع الجماعة أقوى من رغبته في التجاوز، وهذا التحول في المفاهيم هو الذي يصنع الفارق بين مجتمعاتٍ تعيش لتعمر، ومجتمعاتٍ تستهلك لتفنى.
وبالنظر إلى المستقبل، يظل الرهان قائماً على قدرتنا في تحويل هذه الحالة الروحية المؤقتة إلى "منهج حياة" دائم. إن الأمم التي تنهض هي التي تستثمر هذا الزخم الأخلاقي في مشاريع تنموية مستدامة، تنقل الفقير من دائرة الانتظار إلى فضاء الإنتاج.
إن الاستشراف الواعي يفرض علينا ألا نترك بذور الخير تجف برحيل الشهر، بل نسقيها برؤيةٍ تنظيمية تضمن تحويل العواطف الجياشة إلى مؤسساتٍ فاعلة. إن بناء المستقبل يتطلب استدامة النَفَس الرمضاني في النزاهة والعمل، ليكون كل يومٍ هو اختبارٌ جديد لقدرتنا على البقاء أوفياء لهذا الضمير المستيقظ؛ فالتحدي الحقيقي ليس في بلوغ القمة الأخلاقية خلال ثلاثين يوماً، بل في عدم الهبوط منها حين تعود الحياة لإيقاعها الطبيعي الصاخب.
رؤية للمرحلة القادمة
تحويل العطاء إلى تمكين: الانتقال من المبادرات التي تنتهي بانتهاء الوجبة، إلى دعم المشاريع الصغيرة التي تضمن للعائلات المتعففة استدامة الكرامة. هذا التحول يتطلب ذكاءً في الإحسان، حيث نمنح الأدوات بدلاً من المنتجات، ونستبدل اليد الممتدة للأخذ باليد العاملة المنتجة، مما يقلص الهوة الاقتصادية بكرامة لا بصدقة.
تعزيز ثقافة الستر: جعل العمل الاجتماعي فعلاً صامتاً يقدس خصوصية الإنسان ويحترم أوجاعه، بعيداً عن التوثيق الذي يخدش الحياء. الهدف هو إعادة القدسية لفعل الخير، وتدريب الأجيال على أن القيمة الحقيقية للفعل تكمن في جوهره لا في عدد مرات ظهوره على المنصات، فالضمير الاجتماعي يزدهر في غياب الأضواء المزيفة.
إحياء الجمال في المحيط: البدء بمبادرات تجميلية للأحياء والمدن يشارك فيها الجميع، ليعكس جمال الروح جمال المكان، وتصبح المدن أكثر سكينةً وبهجة. إن تجميل الواقع المادي هو انعكاسٌ للنقاء الداخلي؛ فحين نعتني بالحديقة العامة أو نظافة الزقاق، نحن نعلن عن انتمائنا للجماعة واعتزازنا بالهوية المشتركة، محولين جمال الروح إلى واقعٍ ملموس تراه الأعين وتأوي إليه النفوس، وعليه فإن رمضان هو نقطة البداية لإعادة بناء الإنسان، وحين ننجح في جعل الضمير هو الحارس، والجمال هو اللغة، نكون قد قطعنا الشوط الأهم نحو مستقبلٍ يليق بنا جميعاً.