ما الحد الفاصل بين التوضيح السليم والتبرير القهري؟

عزيز ملا هذال

2026-08-26 03:26

منطقياً يبرر الانسان حين يُفهم خطئ في سلوك ما قام به، فيقدم حججه وادلته ليدفع التهمة او اللوم عنه، وبالتالي يخفف الضغط النفسي عنه ويستمر في الانخراط في مجتمعه بلا منغصات، لكن يحدث ان تجد من يبرر بطريقة مفرطة ولأي سبب سواء يستحق التبرير او لا، هذا التبرير المفرط والغير مبرر في الكثير من الأحيان يعبر عن مشكلة نفسية وليس امر طبيعياً بالمرة.

هذه الظاهرة السلوكية تتأرجح جذورها بين علم النفس السلوكي والمعرفي وعلم الاجتماع الحديث، وهي تمثل واحدة من أكثر المشكلات النفسية والاجتماعية وضراوة، إذ يتحول فيها الفرد من كائن حر يمتلك سيادة قراره، إلى مدعى عليه أزلي يقف في قفص الاتهام أمام مجتمع لا ينفك يطلب المزيد من الشروح والتبرير، فماهي أسباب خضوع الانسان لهذا القيد؟، كيف تعالج المشكلة؟

 وبحسب الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية فأن قرابة الـ(15%) من البشر يعانون من التبرير المفرط، وهذا النسبة ليست قليلة مما يجعلها خطر اجتماعي حقيقي يضر الفرد والمجتمع ما يدفعنا للبحث عن الحلول السريعة والعلمية لإيقاف النزيف النفسي الذي يتركه التبرير.

من الواقع:

كان أحدهم الذي تجمعنا به صلة قرابة عند القاء اية كلمة علية ولو بداعي المزاح على سبيل المثال حين يقال له (لم يكن ترحيبك به حاراً) يبدأ بالتبرير والاعتذار ويعيد الامر مرات عدة بخضوع وتذلل لكسب الطرف الثاني وارضاءه، ويميل احياناً الى تبرير فعل قام به من دون ان يلومه أحد او يوبخه عليه، وهذا السلوك يدلل بالضرورة على مشكلة نفسية كبيرة.

هل يوجد تفوق للنوع الاجتماعي فيما يخص التبرير؟

 في اساسيات علم النفس والسلوك الاجتماعي لا توجد إجابة قطعية ومطلقة تعمم بأن النساء أو الرجال يبررون أكثر بشكل عام، لأن سلوك التبرير المفرط يعتمد بشكل أساسي على البيئة التربوية، والشخصية الفردية والضغوط المجتمعية أكثر من ارتباطه البيولوجي المباشر بالنوع الاجتماعي.

الدوافع النفسية للتبرير؟

توجد ثمة احتماليات تجعل من الانسان يبرر بصورة مفرطة، ومن اهم هذه الاحتماليات:

أولى الاحتماليات هي احتمالية انعدام الأمان الداخلي وتدني تقدير الذات هو ما يجعل الشخص الذي يعاني من هذه السلوكية من شعور عميق بعدم الاستحقاق أو القيمة الذاتية الثابتة، وبما أن قيمته غير راسخة في داخله، فإنها تصبح رهينة لتقييمات الآخرين ورضاهم وبالتالي يحاول كسب الرضا والقبول.

 الاحتمالية الثانية هي البيئة الفقيرة نفسياً التي يعيش فيها الانسان، اذ توضح نظريات التعلق النفسي أن من ينشأ في بيئة أسرية لا يمنح فيها الحب إلا بشرط الامتثال لتوقعات الوالدين الصارمة، ولا يحصل الطفل على الاهتمام أو القبول ما لم يلب تلك التوقعات، يكبر وهو يحمل في داخله رعباً دفيناً من غضب الآخرين أو نبذهم، ويصبح الخوف من الرفض والصراع لديه خوفاً جذرياً لذا هو يمارس التبرير لئلا يرفض مجتمعياً. 

 الاحتمالية الثالثة هي إصابة الانسان بمتلازمة الكمالية المفرطة والخوف من الخطأ، حيث يعتقد الافراط في التبرير أنه يجب أن يظهر بصورة خالية تماماً من الشوائب، وحين يقع في خطأ بشري طبيعي، يتعامل مع الأمر كارثياً لذا يحاول تعديل الصورة التي يتعقد انها غير صحيحة.

العلاج

العلاج يكمن في العلاج المعرفي السلوكي الذي يعمل على تفكيك التشوهات الفكرية، اذ يمكن للمعالج عبر هذه التقنية النفسية ان يفند فكرة الرضا الاجباري لدى الفرد المصاب عبر إدراك حقيقة أن محاولة إرضاء الجميع هي هدف وهمي يستحيل لتحقيقه، وأن عدم رضا شخص ما عنك لا يعني أنك مخطئ أو سيء.

كما يمكن عبر العلاج المعرفي السلوكي ان يعيد الانسان صياغة خوفه من النقد، ويدرب دماغه على فهم أن النقد أو الاختلاف ليس تهديداً وجودياً يستدعي الدفاع عن النفس، بل هو مجرد وجهة نظر تخص الطرف الآخر وحده، ويجب ان يغادر هذه الأفكار لان الاستمرار عليها سيجعل الانسان يبدو صغيراً وضعيفاً في نظر الاخرين ناهيك عن الأذى النفسي الذي يلحق به.

ذات صلة

البيان الجلي في تفسير الإمام الحسن المجتبى(ع)هل يكون الحقّ وسيلة للتفوّقالرأسمالية ودين الحداثة.. حين يتحول المال من وسيلة إلى قوة مقدسةأثر فقدان مصداقية الدولة على قوتها وهيبتها ونفوذهالماذا تحتاج المجتمعات إلى الاعتبار أكثر من الفخر؟