كيف تحدّ من تأثير انحيازات عقلك؟
شبكة النبأ
2026-07-12 12:09
من انحياز التأكيد إلى النفور من الخسارة، يعاني الجميع من الانحيازات المعرفية. ويمكن لليقظة الذهنية الموجّهة بمهارة أن تساعد على مواجهتها.
تتسلل الانحيازات المعرفية إلى قراراتنا اليومية من دون أن نشعر، فتدفعنا إلى الخوف المبالغ فيه من الخسارة، والتمسك بقناعاتنا السابقة، وتفضيل المكاسب العاجلة على المنافع البعيدة. وفي مقال نشره موقع «إيون»، تشرح الباحثة والمستشارة النفسية ستيفاني دوريه كيف يمكن لليقظة الذهنية، بصورها المختلفة، أن تساعد الإنسان على ملاحظة هذه الانحيازات قبل أن تتحول إلى قرارات، من خلال تعزيز الانتباه إلى الحاضر، وتنظيم العواطف، وتوسيع زاوية النظر، بما يتيح قدرًا أكبر من التوازن والحرية في الاختيار.
تُدخل يدك في جيب معطفك، فتعثر على ورقة نقدية قديمة مطوية من فئة مئة دولار. وفي الجيب الآخر تجد قطعة نقدية معدنية.
والآن، إليك هذه المقامرة: ارمِ القطعة النقدية. إذا ظهر الوجه، تربح ثلاثمئة دولار إضافية. وإذا ظهر الظهر، تسلّم ورقة المئة دولار التي لديك. فهل تخاطر؟
من الناحية الرياضية، ينبغي لك أن تفعل ذلك. إذ تمنحك رمية واحدة للعملة مستقبلين متساويين في الاحتمال: في الأول يظهر الوجه فتكسب ثلاثمئة دولار، وفي الآخر يظهر الظهر فتخسر مئة دولار.
ولأن احتمال وقوع كل واحد من المستقبلين يبلغ خمسين في المئة، فإنك تحتسب نصف كل نتيجة: نصف ثلاثمئة دولار يساوي مئة وخمسين دولارًا، ونصف مئة دولار يساوي خمسين دولارًا. وعندما توازن بينهما، تجد أن قبول المقامرة يجعلك متقدمًا بمئة دولار في المتوسط. ويطلق علماء اتخاذ القرار على ذلك اسم «القيمة المتوقعة الإيجابية».
ومع ذلك، حتى عندما يفهم المرء هذه الحسابات الرياضية، يبقى من الصعب عليه قبول المخاطرة. لماذا؟
قبل نحو خمسين عامًا، أثبت عالما النفس آموس تفيرسكي ودانيال كانيمان أن هذا التردد ليس عشوائيًا. فالناس يبتعدون عن المنطق بطرائق منتظمة ومتكررة. ومن أكثر هذه الأنماط رسوخًا النفور من الخسارة، أي ميلنا إلى الشعور بألم الخسارة بصورة أشد من شعورنا بمتعة مكسب مساوٍ لها، بل حتى مكسب أكبر منها.
وهنا تصبح اليقظة الذهنية مثيرة للاهتمام. تُعرّف اليقظة الذهنية عادة بأنها توجيه الانتباه عن قصد إلى اللحظة الراهنة، من دون إصدار حكم فوري على ما يحدث. وفي الممارسة، قد يعني ذلك ملاحظة الفكرة قبل تصديقها، والشعور بالعاطفة قبل التصرف بناء عليها، أو إعادة الانتباه إلى الجسد أو التنفس أو العالم المحيط بك. وفي أبسط صورها، تخلق اليقظة الذهنية وقفة فاصلة بين ما ينشأ في العقل وبين ما نفعله بعد ذلك.
تساعد هذه الوقفة لأن كثيرًا من خياراتنا يُتخذ قبل أن نكون قد فحصناها فحصًا كاملًا. قد نعتقد أننا نتروى في التفكير بشأن رمية العملة، لكن الجسد غالبًا ما يكون قد تحرك أولًا، منكمشًا أمام الخسارة أو متمسكًا بقرار لمجرد أننا سبق أن استثمرنا فيه. وتُسمى هذه الاختصارات الذهنية «الانحيازات المعرفية»، وتشكل دراسة هذا النوع من سوء التقدير البشري محورًا أساسيًا في علم اتخاذ القرار.
عندما نتردد أمام رمية العملة، قد نكون بصدد التفكير، لكننا غالبًا ما نكون قد اتخذنا القرار بالفعل.
للاندفاع فوائد أيضًا. فالعقل الذي يضطر إلى الاستدلال من نقطة الصفر في كل لحظة سيُصاب بالشلل. لكن عندما تتغلب هذه الاختصارات على التفكير المتأني، فإنها قد تشوّه القرارات التي نتخذها. فمن دون تفكير دقيق، قد لا يسعى المريض إلى الحصول على أفضل رعاية طبية. وقد يخسر الناس ثرواتهم لأنهم يتمسكون بخطط الادخار الحالية. وربما تعرف شعور البقاء في وظيفة أو علاقة لمجرد أنك استثمرت فيها كثيرًا. وعلى المستوى الداخلي، تبدو هذه الانحيازات المعرفية غريزية. والسؤال هو: هل نستطيع الإمساك بهذه الغرائز قبل أن تتصلب وتتحول إلى خيارات نخطئ فنعدّها ناتجة عن العقل؟
وصلتُ إلى هذا السؤال من اتجاهين. فأنا أدرّس الاقتصاد السلوكي وأجري أبحاثًا فيه، حيث ندرس الطرائق المنهجية التي يبتعد بها الناس عن المنطق. وأعمل أيضًا معالجة نفسية مرخّصة، حيث أشاهد الأنماط نفسها وهي تتجلى في مواقف أعلى خطورة: في العلاقات، والصحة، والقصص التي يرويها الناس لأنفسهم عن هويتهم. وقد اهتممت منذ وقت طويل بالتوتر الذي ينشأ عندما يعرف الإنسان ما هو الأفضل، لكنه لا يستطيع تمامًا أن يتصرف على نحو أفضل. وبمرور الوقت، أصبحت أقل اهتمامًا بنظريات اللاعقلانية وأكثر اهتمامًا بما يساعد الناس على إدراك ما يحدث داخلهم قبل أن تستولي عليهم ردود أفعالهم القديمة.
كانت اليقظة الذهنية تظهر مرارًا بوصفها جوابًا. لكنه كان جوابًا غير محدد بدقة. فإذا كانت اليقظة الذهنية تعني الوعي باللحظة الراهنة من دون حكم فوري، فما الذي يؤدي العمل فيها على وجه التحديد؟ هل هو الانتباه؟ أم الاتزان العاطفي؟ أم الفضول؟ أم القبول؟ فالانحيازات لا تنشأ كلها من المصدر نفسه. بعضها تحركه الإسقاطات العاطفية، وبعضها ينتج من غياب الانتباه، وبعضها الآخر ينجم عن العجز عن مواصلة الانخراط الذهني في موقف متغير. ولذلك سيكون من المستغرب أن تتمكن صورة واحدة من اليقظة الذهنية من مقاطعة جميع الانحيازات بالطريقة نفسها. ففي نهاية المطاف، ما نسميه اليقظة الذهنية هو مجموعة من القدرات المتمايزة: الانتباه، وعدم التفاعل الاندفاعي، والقبول، والفضول، والانفتاح على كل ما هو جديد. وقد تستجيب الانحيازات المختلفة لأشكال مختلفة من حالة اليقظة الذهنية.
فالنفور من الخسارة، على سبيل المثال، قد يعتمد على مدى قدرتنا على تحمّل الانزعاج. أما خصم التأخير، وهو ميلنا إلى المبالغة في تقدير المكافآت الفورية، فقد يعتمد على مدى انتباهنا إلى التغيير والفروق الدقيقة والإمكانات الناشئة. وأما المحاسبة الذهنية، أي عادتنا في التعامل مع الدولار نفسه بصورة مختلفة تبعًا للخانة الذهنية التي نضعه فيها، فقد تخف عندما ننتبه إلى أموالنا كلها في وقت واحد.
إذن، ما الطرائق المختلفة التي يخرج بها العقل عن مساره؟ وكيف يمكن لليقظة الذهنية أن تعيده إليه؟ للإجابة عن هذا السؤال، من المفيد التمييز بين الاتجاهين اللذين شكّلا الأبحاث الحديثة في اليقظة الذهنية. يقوم أحدهما على الفضول والملاحظة النشطة، بينما يقوم الآخر على الوعي التأملي غير التفاعلي.
تمثل الاتجاه الأول عالمة النفس في جامعة هارفارد إلين لانغر، التي ترى أن الملاحظة النشطة، أي الانخراط الفضولي مع البيئة، تجعلنا أكثر استعدادًا للتعامل مع عدم اليقين والتغيير. أما المسار الثاني فيأتي من جون كابات زين، الذي تعرّف إلى اليقظة الذهنية أول مرة من خلال التأمل.
وعندما نضع النسختين من اليقظة الذهنية جنبًا إلى جنب، يصبح التباين بينهما لافتًا. تعلّمنا لانغر أن نفتح أعيننا ونلاحظ شيئًا جديدًا. أما كابات زين فيعلّمنا أن نغمض أعيننا ونقبل وندع الأشياء تمضي. يُبقي أحد شكلي اليقظة الذهنية الإنسان منخرطًا في العالم، بينما يساعده الآخر على فك ارتباطه بالأنماط الداخلية غير المفيدة. يبدأ كلاهما بالانتباه إلى اللحظة الراهنة، لكنهما يدربان الانتباه على أداء وظيفتين نفسيتين مختلفتين تمامًا. وإذا كانت الانحيازات تنشأ من مصادر مختلفة، فقد لا يؤثر نوع اليقظة الذهنية الذي يخفف أحدها في نوع آخر.
وإذا ظل الأمر يبدو تجريديًا، فجرّب هذه التجربة الفكرية. تخيل أنني باحثة محلية وقد طلبت أن ألتقي بك في مدرستك أو مكان عملك. تسير في الممر المألوف وتجلس في مكانك المعتاد. تحيط بك الأرضية والنوافذ والأضواء نفسها التي اعتدت عليها. ثم أطلب منك أن تلاحظ ثلاثة أشياء جديدة لم تلحظها من قبل.
قد لا يبدو أن شيئًا مهمًا يحدث، لكنك في الواقع دخلت للتو في حالة أكثر يقظة بكثير. فمن خلال اتباع تلك التعليمات، أثّرت في الطريقة التي كان عقلك يستقبل بها العالم المحيط بك. وبينما أدرت رقبتك بحثًا عن قشرة طلاء أو زاوية مغبرة، قاطعت طريقتك المعتادة في الحضور في اللحظة، وانخرطت فيها بدلًا من ذلك. قد يبدو أنني جعلتك أكثر وعيًا بمحيطك فحسب، لكنني في الحقيقة أوقفت نظام القيادة الآلية لديك، أي غفلتك الذهنية، وأدخلتك إلى اللحظة الراهنة حيث توجد التفاصيل والفروق الدقيقة والسياق. وربما لم يشعر دماغك بأنه تعرّض لمقاطعة كبيرة، لكنه اتبع هذه الحركة المعرفية بالقدر الكافي لبلوغ حالة من اليقظة الذهنية. إنها يقظة ذهنية لا تقوم على السكون، بل على إقامة اتصال متجدد مع العالم.
هذه هي مهمة « ملاحظة الأشياء الجديدة» التي صممتها لانغر. وهي تستثير شكلًا محددًا من اليقظة الذهنية، وقد أثبتت لانغر وفريقها أن تحولًا بسيطًا في الانتباه يمكن أن يغير السلوك.
في إحدى التجارب، أعدّت لانغر وزميلها فيليب مايمين سلسلة من مهمات اتخاذ القرار المصممة لقياس اثنين وعشرين انحيازًا معرفيًا، منها النفور من الخسارة، وأثر التملك، أي تقدير الشيء بقيمة أعلى بمجرد امتلاكه، وانحياز التوافر، أي تقدير احتمال حدوث شيء بناء على مدى سهولة استحضار أمثلة عليه، وغير ذلك. وجنّد الباحثان مجموعة من المشاركين عبر الإنترنت، وقدّما إليهم مواقف قصيرة تتطلب اتخاذ قرارات. وقد أنجزتَ أنت نسخة من إحدى هذه المهمات عندما قررت موقفك من رمية العملة. وبعد إكمال جميع مهمات اتخاذ القرار، قاس الباحثون مستوى اليقظة الذهنية لدى كل شخص. ووجدوا أنه عندما يُدخَل الناس في حالة من اليقظة الذهنية عن طريق ملاحظة الأشياء الجديدة، يصبحون أكثر قدرة على مقاومة جميع الانحيازات المعرفية تقريبًا. وكلما ازداد الانخراط، ازدادت القدرة على اليقظة الذهنية.
وطوّر عالم السلوك كاري مورودج، أستاذ التسويق في كلية كويستروم للأعمال بجامعة بوسطن، شيئًا يختبر إمكان تدريب الناس على هذا النوع من الملاحظة. ففي عام 2014، أنشأ مع مصمم الألعاب جيمس كوريس لعبة فيديو بعنوان «مفقودة: البحث عن تيري هيوز»، لمساعدة محللي الاستخبارات الأميركيين على الحد من الانحياز المعرفي. تدخل، بموجب التعليمات، إلى شقة امرأة مفقودة بحثًا عن أدلة، حيث تدفعك إشارات موضوعة بعناية نحو استنتاجات متحيزة. فعلى سبيل المثال، عندما يقول شقيق تيري: «آمل ألا يكون أحد قد اختطفها»، يمكن لهذه العبارة المفردة أن ترسي حكمك عند تصور معين. ولكي تحسن الأداء، يجب أن تظل منفتحًا، وتوسع منظورك، وتلاحظ تفاصيل جديدة، وتنقر لتدير الأشياء وتنظر إليها من جوانب مختلفة، وأن تقاوم الاستقرار على أول تفسير يعرض نفسه. وهذا بالضبط ما يميز اليقظة الذهنية عن العقلية التحليلية؛ فحتى العقل شديد التركيز يمكن أن يقع أسيرًا لإشارة مضللة.
وقد نجح التدريب الذي طوّره مورودج. فجلسة واحدة خفّضت ثلاثة انحيازات، هي النقطة العمياء تجاه الانحياز، أي اعتقادك أنك أقل عرضة للانحياز من الآخرين، وانحياز التأكيد، أي تفضيل ما يؤيد معتقداتك القائمة، وخطأ الإسناد الأساسي، أي المبالغة في قراءة الصفات الشخصية والتقليل من أثر الظروف، بنسبة لا تقل عن اثنين وثلاثين في المئة بعد اللعب مباشرة، مع استمرار انخفاضها بنسبة لا تقل عن أربعة وعشرين في المئة بعد شهرين.
وربما كانت لعبة مورودج تدرب على شكل من اليقظة الذهنية وفق منهج لانغر. تأمل ما كان اللاعبون يفعلونه. لم يكونوا يتلقون المعلومات بصورة سلبية، ولم يكونوا يبذلون جهدًا أكبر في التحليل فحسب، بل كانوا يمارسون شكلًا أوسع من المراقبة. كانوا يتوقفون وينظرون مرة أخرى، ويسألون عن كل غرض، ليس فقط: «ما هذا؟»، بل أيضًا: «ما الذي قد يفوتني؟» كان اللاعبون يفتحون إدراكهم على العالم.
وهنا تصبح الحبكة أكثر تعقيدًا. فقد خفّضت نسخة لانغر من اليقظة الذهنية كثيرًا من الانحيازات، لكنها لم تخفّض النفور من الخسارة. لماذا؟ لعل السبب هو أن النفور من الخسارة لم يكن مشكلة معرفية منذ البداية، بل مشكلة عاطفية. إنه يتعلق بالتردد العميق للقلب في التخلي عن راحة علاقة طويلة الأمد، أو يقين مسار مهني، أو شعور الانتماء إلى جماعة. إنه الغريزة التي تدفعنا إلى تجنب المحادثات الصعبة، لا لأنها لن تساعد، بل لأنها قد تكلفنا الراحة أو القبول أو الإحساس بالسيطرة. وهو التردد في مغادرة حياة لم تعد تلائمنا، لأن شكل الحياة القديمة ما زال يبدو أكثر أمانًا من المجهول.
وهنا يأتي نهج كابات زين الأكثر رفقًا، الذي يركز على تنظيم العواطف.
أثناء إدارته عيادة خارجية لمعالجة التوتر في سبعينيات القرن العشرين، لاحظ كابات زين أن كثيرًا من المصابين بالألم المزمن كانوا يتخلون عن العلاج في المستشفى لأنه عجز عن إنهاء أعراضهم. وتوصل إلى أن المعاناة لا يمكن دائمًا القضاء عليها، لكن يمكن التعامل معها بطريقة مختلفة. وافترض أن اليقظة الذهنية من خلال التأمل تستطيع تغيير علاقة الإنسان بالمعاناة بدلًا من تغيير المعاناة نفسها. وبعد سنوات، أخضع هذه الفكرة للاختبار. ففي تجربة عشوائية محكمة شملت سبعة وثلاثين مريضًا بالصدفية، وهي حالة قد تتسبب في تشقق الجلد وظهور شقوق غائرة ومؤلمة فيه، خضع الجميع للعلاج بالأشعة فوق البنفسجية، لكن كابات زين طلب من نصفهم الاستماع إلى تسجيلات تأمل موجّه أثناء جلسات العلاج، بينما تلقى الآخرون العلاج الضوئي وحده. وتعافى جلد المرضى الذين مارسوا التأمل بسرعة تقارب أربعة أضعاف سرعة تعافي الذين لم يمارسوه. ومنذ ذلك الحين، أشارت تجارب أوسع ودراسات للتصوير العصبي إلى أن اليقظة الذهنية قد تقلّص مناطق الدماغ المرتبطة بالاستجابة للتهديد، بينما تقوّي المناطق المشاركة في اتخاذ القرار وتبنّي وجهات النظر المختلفة.
ولكي تختبر نسخة تنظيم العواطف من اليقظة الذهنية، جرّب هذا للحظة: اجلس باستقامة أكبر قليلًا. أرخِ كتفيك. أنت تتنفس بالفعل، لكن انتبه الآن إلى تنفسك. لاحظ ارتفاع كل نفس وانخفاضه. وإذا شعرت بأن ذلك مريح، فاجعل النفس التالي أعمق. قد يشرد ذهنك نحو شعور بالانزعاج، أو ذكريات، أو أفكار عشوائية. لاحظها ببساطة، ثم أعد انتباهك برفق إلى التنفس.
لاحظ كيف استطعت إبطاء الموقف. تشعر بإحساس يصعد إلى السطح. وتطفو صورة في ذهنك. لا تتشبث بها، بل تعود إلى السكون. فهل يوجد مثال أوضح على مقاومة الاندفاع؟ من السهل ألا ننتبه إلى ما حدث للتو في تلك اللحظة. عندما تظهر الأفكار، فإنك تثبّت انتباهك، وتمارس برفق التعرض للمشاعر من دون تجنبها، وتتعرف إلى الإحساس من دون أن يبتلعك. هذه هي قوة تدريب اليقظة الذهنية من خلال التأمل: الانتقال من أن تجرفك الفكرة إلى أن تراقبها. وقد يبدو هذا للمبتدئ إنجازًا صغيرًا، لكنه ليس كذلك. فكل ممارسة للسكون فعل من أفعال التنظيم الذاتي، وكل لحظة تمنحنا فرصة لإصدار حكم أوضح. ولذلك، إذا كان هذا الشكل من اليقظة الذهنية يستطيع مساعدتنا على إدارة العواطف، فربما يمكنه أيضًا إدارة انحيازاتنا المعرفية العاطفية.
أجرت لوسي تان، عالمة النفس السريري في فرع جامعة جيمس كوك بسنغافورة، دراسة مثيرة للاهتمام بشأن ما يحدث عندما نواجه النفور من الخسارة بعد ممارسة التأمل. ففي دراستها، كان على المشاركين أداء مهمات من قبيل ضخ الهواء في بالون افتراضي على شاشة الحاسوب، بنقرة واحدة في كل مرة. وكانت كل نقرة تجعل البالون أكبر وتضيف مبلغًا نقديًا صغيرًا. لكن البالون كان ينفجر من حين إلى آخر بصورة غير متوقعة. فإذا واصل المشارك الضخ أكثر من اللازم، انفجر البالون واختفت أرباح تلك الجولة. وكان على المشاركين اتخاذ الخيار نفسه مرة تلو الأخرى: «هل أضخ مرة أخرى، أم أتوقف الآن وأحتفظ بالمال؟»
طُلب عشوائيًا من نحو ثلثهم ممارسة تأمل تنفسي مدته خمس دقائق، يشبه إلى حد كبير ما فعلته قبل قليل. وما وجدته تان وفريقها هو أن الذين مارسوا التأمل واصلوا ضخ البالون بنسبة تزيد بنحو اثنين وعشرين في المئة مقارنة بالمجموعة الضابطة، وهو ما أظهر انخفاضًا كبيرًا في النفور من الخسارة. لماذا حدث ذلك؟ أحد التفسيرات المحتملة هو أن هذا الشكل من اليقظة الذهنية ساعدهم على تنظيم عواطفهم، ولذلك استطاعوا البقاء مع شعور الانزعاج مدة أطول قليلًا.
فتنظيم العواطف، في نهاية المطاف، أحد المسارات التي ربطتها دراسات تصوير الدماغ بانخفاض النفور من الخسارة. وفي دراسة أجراها بيتر سوكول هيسنر، عالم النفس في جامعة دنفر، واجه المشاركون قرارات تستثير انحياز النفور من الخسارة، لكن طُلب منهم التوقف وتذكّر أن هذا ليس سوى خيار واحد من بين خيارات كثيرة. ثم أدخلهم الباحثون في جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. ووجدوا أنه عندما نظّم الناس عواطفهم، انخفض نفورهم من الخسارة. ولو كنت مستلقيًا داخل جهاز سوكول هيسنر للتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، وكان الخوف من الخسارة يخيّم عليك، فقد يُظهر التصوير استجابة أقوى لمستوى الأكسجين في الدم داخل اللوزة الدماغية. أما إذا نظّمت عواطفك، فقد تخف استجابة اللوزة الدماغية للخسائر، ويقل احتمال اندفاعك إلى تجنبها.
إن تنظيم العواطف من خلال اليقظة الذهنية هو، في جوهره، نقيض التجنب. فهو يطلب منا أن نبقى، وأن نلاحظ، وأن نواجه ما يحدث بدلًا من تجاوزه. ويجعلنا أكثر استعدادًا للبقاء حاضرين أمام ما يؤلمنا، وبذلك يجعلنا أقل خضوعًا بقليل للحاجة إلى الهرب منه. وهذا مثال على ما يسميه خبراء التأمل «عدم التفاعل الاندفاعي»، وهو أحد جوانب اليقظة الذهنية. ويعني أحيانًا تهدئة النفس، ويعني في أحيان أخرى إعادة تفسير ما يحدث بحيث يبدو أقل تهديدًا. وفي بعض الأحيان، كما يحدث في التأمل، يعني ببساطة السماح للشعور بأن يكون حاضرًا من دون محاولة الهرب منه فورًا.
قادني هذا الاحتمال إلى سؤال خاص بي. فإذا كان النفور من الخسارة يستجيب لتنظيم العواطف أكثر من استجابته للفضول، فما نوع اليقظة الذهنية الذي يبدو أكثر أهمية؟ وجدت في دراسة أولية إشارة مبكرة. فقد جنّدت مع فريقي نحو خمسمئة شخص، وقسنا عدة جوانب من اليقظة الذهنية إلى جانب السمات الشخصية. وقسنا الانخراط وملاحظة الأشياء الجديدة اللذين تفضل لانغر دراستهما. واختبرنا أيضًا أشكال اليقظة الذهنية الأكثر ارتباطًا بالعواطف، التي يستثيرها التأمل. ثم طلبنا من المشاركين أداء الأنواع نفسها من مهمات اتخاذ القرار المتعلقة بـ«رمية العملة» التي واجهتها أنت والمشاركون في دراسة لانغر. وما وجدناه هو أن الأشخاص الأكثر مقاومة للنفور من الخسارة لم يكونوا الساعين إلى الأشياء الجديدة، ولم يكونوا ذوي التركيز العالي أو الذين يمتنعون عن إصدار الأحكام. بل كان الأشخاص القادرون على البقاء في اللحظة الراهنة أثناء انتقالهم بين أنشطة يومهم أكثر قدرة بنحو ثلاثين في المئة على مقاومة اندفاع النفور من الخسارة. فعندما أبقى الناس انتباههم متجذرًا في الحاضر، لم يكن للألم المتخيّل لخسارة محتملة التأثير نفسه في اختياراتهم.
ما دلالات ذلك؟
أولًا، يتغذى النفور من الخسارة على الإسقاط: ماذا لو ساءت الأمور؟ وكم سيكون ذلك مؤلمًا؟ ولكي تكون نافراً من الخسارة، لا يكفي أن تسجل الأرقام. بل عليك أن تحاكي ألم الخسارة في ذهنك، وتشعر به مسبقًا، وتسمح لذلك الألم المتوقع بأن يتغلب على المكسب الموضوعي المحتمل.
وقد يظل المتجذرون في اللحظة قادرين على رؤية المخاطر، لكنهم قد لا يوسّعونها إلى فيلم عاطفي كامل. وربما يكونون أيضًا أقل ميلًا إلى تجنب الانزعاج. فأبسط تعريف للانحياز المعرفي هو أنه انحراف ذهني منهجي، والانحرافات مصممة لمساعدتنا على تجنب شيء ما: الخوف، والألم، وغيرهما من الحالات المزعجة. وإذا استطعت البقاء مع عقدة في معدتك من دون التعامل معها بوصفها حالة طوارئ، فإن شعور الخسارة المحتملة يفقد جزءًا من قدرته على قيادة القرار.
وأخيرًا، قد يخلق الوعي باللحظة الراهنة مساحة إضافية صغيرة بين الإحساس والاختيار. تصل العاطفة، لكنها لا تتحول فورًا إلى أمر. وفي تلك الفترة القصيرة، لا يعود الشخص يستجيب للخسارة المتخيّلة وحدها، بل يصبح قادرًا على الاختيار.
لكن النفور من الخسارة ليس سوى شكل واحد من أشكال الانحياز. وهناك انحياز آخر يسمى المحاسبة الذهنية، لا يستجيب للعاطفة بقدر ما يستجيب لتحولات الانتباه. لنفترض أنك تريد الادخار من أجل عطلة. وأنت معروف بحسن إعداد الميزانية، وتسير الأمور على ما يرام، إذ تتراكم الأموال في حساب توفير مرتفع العائد يمنحك فائدة سنوية تبلغ أربعة في المئة. ثم، بعد بضعة أشهر من النفقات الطبية وإصلاح السيارة، تتراكم ديون بطاقتك الائتمانية. فتحسب الأموال التي ستدخل إليك هذا الشهر، وتجد أنك لا تستطيع تسديد الدين بسرعة. وهذا يعني أن المصرف سيواصل تحميلك فائدة سنوية تبلغ خمسة وعشرين في المئة. فماذا تفعل؟
من الناحية المنطقية، توجد خطوة تالية واضحة. فالفائدة التي تفرضها بطاقتك الائتمانية تزيد بأكثر من ستة أضعاف على ما سيدفعه لك حساب التوفير. لقد حان وقت إعادة توزيع الأموال. ومع ذلك، يبدو استنزاف صندوق السفر من أجل شيء لا يتعلق بالسفر تصرفًا خاطئًا للغاية. فهذا المال ليس مخصصًا لذلك. ولذلك قد تميل إلى إبقاء مدخراتك مغلقة وتسديد الدين بطريقة أخرى.
نحن جميعًا نفعل نسخة من هذا الأمر إلى حد ما، وهذا ما يُسمى المحاسبة الذهنية: ميلنا إلى التعامل مع المال بصورة مختلفة تبعًا للفئة التي نضعه فيها. وقد نصبح أكثر ولاء للفئة من ولائنا للواقع. قد تبدو هذه مشكلة صغيرة، لكن الناس يقعون في ديون خطيرة ويفوّتون استثمارات رائعة بسبب هذا الانحياز المعرفي، مما يؤدي إلى تآكل حريتهم المالية وإحساسهم بالقدرة على الفعل.
يشدد ريتشارد ثالر، عالم الاقتصاد السلوكي الذي صاغ مصطلح المحاسبة الذهنية، على أن إعداد الميزانية والإدارة المالية أمران معقدان. ولا يقع الناس في هذا الانحياز لأنهم أغبياء. فالانتباه إلى الشؤون المالية بمسؤولية أمر معقد، ويتطلب انتباهًا: القدرة على التركيز، وعدم الانجراف عن المسار، والاحتفاظ بشيء واحد في الذهن. ومن الممكن أن تساعد سمة اليقظة الذهنية هذه الناس على التركيز مدة كافية لرؤية أن الدولار يظل دولارًا، بصرف النظر عن الفئة التي جاء منها. وفي دراستنا، ارتبط ارتفاع متواضع في الانتباه المركّز بزيادة تقارب سبعة وأربعين في المئة في احتمال حل مشكلة المحاسبة الذهنية بطريقة منطقية.
وإذا كانت المحاسبة الذهنية تعتمد على التركيز المستمر، فإن خصم التأخير، أي الميل إلى تقدير المكافأة الفورية بأكثر من مكافأة أكبر في المستقبل، يبدو أكثر اعتمادًا على الانخراط المرن: القدرة على ملاحظة أن الزمن يمكن تأطيره والشعور به وتقديره بطرائق تختلف عن الطريقة التي يعرضه بها الاندفاع أول مرة. للبشر علاقة غريبة بالزمن. فنحن نخطط للمستقبل، ونشتاق إليه، ونخشاه. ومع ذلك، عندما تحين لحظة الاختيار، يكون الحاضر هو الذي ينتصر غالبًا. تبدو المكافأة الموجودة أمامنا أفضل أو أكثر واقعية من المكافأة التي تنتظرنا في مكان بعيد. وربما يعود ذلك إلى أن المستقبل، إلى أن يصل، يظل غير حقيقي بمعنى ما. ولعل الزمن يبدو شديد التجريد. أو ربما نشعر في أعماقنا دائمًا بأن وقتنا ينفد. ومهما يكن السبب، فإن للزمن طريقة في تشويه القيمة. وليس من الغريب أن يفضل الناس في كثير من الأحيان مكافأة أصغر بصورة غير متناسبة اليوم على مكافأة أكبر في وقت لاحق.
يظهر خصم التأخير في كل مجال تقريبًا من مجالات حياتنا: في الصحة، والعلاقات، وحتى في هويتنا. فبعد يوم طويل، يمكن للمكافأة الفورية الناتجة من التصفح القهري للأخبار السلبية أن تتغلب بسهولة على المكافآت المؤجلة للتمارين الرياضية. كما تواجه هذا الانحياز في كل مرة تختلف فيها مع شخص تحبه. يمكنك أن تقول العبارة القاسية التي قد تمنحك شعورًا فوريًا بالرضا، أو يمكنك أن تختار العبارة الأكثر صدقًا وضعفًا وتعاطفًا، التي تحافظ على الثقة على المدى البعيد. يمنح أحد الخيارين مكافأة التنفيس العاطفي الآن، بينما يمنح الآخر مكافأة أكبر تتمثل في الأمان العاطفي لاحقًا. وحتى وأنت تقرأ هذا، ربما تحمل في ذهنك صورة للإنسان الذي تريد أن تصبحه. وفي كل يوم، تواجه خيارًا بين خدمة الذات التي يسهل أن تكونها الآن، وخدمة الذات التي تأمل أن تنمو لتصبحها لاحقًا. ومهما كان الأمر، يظهر خصم التأخير كلما أصبح صوت الذات الحاضرة أعلى من صوت الذات المستقبلية.
في دراستنا، لم يكن الأشخاص الأكثر قدرة على مقاومة خصم التأخير هادئين أو فضوليين فحسب، بل كانوا أكثر انخراطًا في العالم المحيط بهم. وكانوا أكثر ميلًا إلى ملاحظة الآخرين، وأكثر انفتاحًا على المحادثات المحفّزة للتفكير، وأكثر انتباهًا إلى التغيرات والتطورات الجديدة. وإذا انتقل شخص من مستوى قريب من المتوسط في سمة «الانخراط» إلى مستوى أعلى كثيرًا من المتوسط، ارتفع احتمال مقاومته لخصم التأخير بنحو ستة وأربعين في المئة. وقد أثبت تفيرسكي وكانيمان أن اختياراتنا تتشكل بطريقة عرض الخيار بقدر ما تتشكل بالحقائق الكامنة وراءه. وإحدى سبل الخروج من هذا الفخ هي أن نتعلم إرخاء الإطار نفسه. ابقَ حاضرًا ومنظم العواطف بما يكفي لرؤية الأمر من زاوية أخرى. تنفس ووسّع مجال نظرك إلى أن تظهر الصورة الأكبر. وكل هذه أجزاء من اليقظة الذهنية.
عندما يتعلق الأمر بمقاطعة الانحياز المعرفي، قد نركز أكثر من اللازم على التفكير بجهد أكبر، وأقل مما ينبغي على ملاحظة ما نفكر فيه بالفعل. واليقظة الذهنية ليست، بأي حال من الأحوال، أداة سحرية لتجاوز الانحيازات. فلا يمكنها أن تجعلك محصنًا من آثار أجيال من البرمجة التطورية التي تدفع إلى تجنب الخسارة، أو انتزاع المكاسب السريعة، أو السماح للتصنيفات بأن تفكر بدلًا منا. كما أنها لا تجعلك عقلانيًا بصورة كاملة في المال أو الحياة أو الحب.
لكنها تستطيع تغيير علاقتنا باللحظة التي تسبق تحوّل الانحياز إلى قرار. فبدلًا من محاولة التفوق على كل اندفاع، قد نتعلم مواجهته بمجال أوسع من الوعي، حيث يكون اللاعقلاني والذكي والمعتاد حاضرين جميعًا في الوقت نفسه. وقد يكون لهذا التحول أثر في الخيارات التي تشكّل الحياة: كيفية سعينا إلى الرعاية، وادخارنا للمال، وجدالنا ومصالحتنا، وملاحقتنا للعمل، أو بقائنا أسرى الخوف والخجل والاجترار الفكري.
لا يأتي الحكم الأكثر وضوحًا من التظاهر بأن انحيازاتنا غير موجودة، بل يأتي من السماح لها بأن تدخل الوعي بأمان، حيث تصبح شيئًا نستطيع رؤيته بدلًا من أن تكون شيئًا نطيعه ببساطة. ومع تراكم هذه الأجزاء واحدًا بعد آخر، يتحول ذلك الوعي إلى طريقة أكثر حرية في اتخاذ القرار.