ملحمة الأربعين: كيف يُعيد العراق تعريف الضيافة والتكافل الإنساني؟

مصطفى ملا هذال

2026-07-30 05:04

ثمة أيام تتجاوز حدود الزمن، فلا تُقاس بالساعات، ولا تُختزل في التواريخ، لأنها تتحول إلى ذاكرة حية للأمم، وشاهد على ما تختزنه الشعوب من قيم راسخة، ومن بين تلك الأيام، تتقدم زيارة الأربعين بوصفها ظاهرة إنسانية فريدة، يتجلى فيها العراق على هيئة وطن يفيض بالعطاء، وتنبض أرضه بقيم التكافل، حتى يغدو مشهد الملايين السائرين نحو كربلاء نصا مفتوحا تكتبه الأقدام، وتخط حروفه القلوب قبل العيون.

في هذه الأيام يبدو العراق وكأنه فضاء إنساني رحب، تتوارى فيه الفوارق الاجتماعية والثقافية، وتذوب الحدود التي تفصل بين الناس، لتنهض مكانها رابطة واحدة قوامها المحبة والإيثار، فمن أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ومن المدن الكبرى إلى القرى النائية، تمتد مواكب الخدمة كأنها شرايين حياة، تضخ في الطرقات معاني الكرم، وتنسج من تفاصيلها اليومية ملحمة لا تعرف الانقطاع.

ولعل أعظم ما تمنحه زيارة الأربعين للعالم أنها تعيد تعريف مفهوم الضيافة، فالضيافة هنا ليست تقليدا اجتماعيا عابرا، ولا ممارسة موسمية تفرضها الأعراف، وإنما ثقافة متجذرة في الوعي الجمعي، تستمد روحها من مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام)، حيث تتقدم كرامة الإنسان على كل اعتبار، ويصبح العطاء فعلا أخلاقيا يكتمل به معنى الانتماء.

على امتداد الطرق المؤدية إلى كربلاء، تتكرر المشاهد ذاتها، لكنها لا تفقد قدرتها على الإدهاش، شيخ أثقلته السنون يقف ساعات طويلة ليقدم كوب ماء لعابر سبيل، وشاب يحمل على كتفيه مسؤولية خدمة آلاف الزائرين وكأنها أمنية طال انتظارها، وأم تجعل من مطبخها ورشة مفتوحة لإعداد الطعام، وطفل يوزع قناني الماء بابتسامة لا تعرف التعب، تتجاور هذه الصور لتؤلف رواية كاملة عنوانها أن الخير حين يجد بيئة تؤمن به، يتحول إلى سلوك يومي لا يحتاج إلى شعارات.

وما يلفت النظر في هذه التجربة أن ملايين الزائرين لا يجتمعون تحت سلطة مادية، ولا تدفعهم المصالح المتبادلة، اذ تحركهم منظومة من القيم التي تجعل خدمة الآخر غاية في ذاتها، ولهذا تبدو زيارة الأربعين تجربة اجتماعية وثقافية تستحق التأمل بقدر ما تستحق الاحتفاء، لأنها تكشف عن قدرة الإنسان على تجاوز أنانيته حين يستحضر البعد الأخلاقي في علاقته بالآخرين.

وفي عالم تتسع فيه مساحات العزلة، وتتراجع فيه الروابط الاجتماعية أمام إيقاع الحياة المتسارع، ينهض العراق خلال زيارة الأربعين ليقدم نموذجا مغايرا، نموذجا تتقدم فيه الجماعة على الفرد، ويتحول فيه التطوع إلى ثقافة عامة، وتتوزع المسؤولية بين الجميع دون تكليف أو انتظار لمكافأة، ومن هنا تكتسب هذه المناسبة بعدها الحضاري؛ لأنها تؤكد أن المجتمعات الحية تُقاس بما ترسخه من منظومات أخلاقية قادرة على صناعة التماسك والاستقرار.

وتحمل زيارة الأربعين رسالة تتجاوز حدود العراق، إذ يلتقي على أرضه زائرون من عشرات الدول، يتحدثون لغات مختلفة، وينتمون إلى ثقافات متباينة، غير أن اختلاف الألسن لا يحول دون التفاهم، لأن لغة الاحترام والكرم تظل أكثر اللغات قدرة على بناء الجسور بين البشر، وهكذا تصبح كربلاء ملتقى عالميا تتجاور فيه الهويات، ويكتشف الإنسان في أخيه الإنسان مساحة مشتركة أوسع من كل الفوارق.

ليس من المبالغة القول إن العراق في أيام الأربعين، يكتب صفحة مضيئة في السجل الإنساني، ففي زمن تتصدر فيه أخبار الحروب والأزمات واجهات المشهد العالمي، يطل هذا البلد بصورة أخرى، صورة الإنسان الذي يمنح قبل أن يُسأل، ويخدم قبل أن يُطلب منه، ويفتح أبوابه وقلبه لكل وافد، وهي صورة تستحق أن تُقرأ بعيدا عن الانطباعات السطحية، لأنها تكشف عن عمق حضاري ظل حاضرا في وجدان العراقيين رغم ما مر عليهم من تحديات.

وتبقى زيارة الأربعين شاهدا على أن القيم الكبرى لا تزال قادرة على صناعة الواقع، وأن الأخلاق حين تتحول إلى ممارسة يومية تصبح قوة ناعمة تفوق أثر كثير من الخطابات، ولهذا يستحق العراق وهو يحتضن هذه الملحمة الإنسانية عاما بعد عام، أن يُنظر إليه بوصفه عاصمة للتكافل ومنارة للعطاء، وموطنا يثبت أن الإنسان، متى ما استجاب لنداء الضمير، يستطيع أن يصنع من المحبة حضارة ومن الخدمة رسالة، ومن الإيثار هوية تتوارثها الأجيال.

ذات صلة

شرائط الإفتاء في شعائر عاشوراءزيارة أربعين الإمام الحسين (ع) في القرآن الكريملماذا ينجح العراقي في المواكب ويفشل في الدوائر؟ تفكيك للمفارقة الإدارية مع الدكتور علي علاء محمودالاتفاق النووي الأمريكي–السعودي.. الأبعاد الاستراتيجية وتداعياته في الشرق الأوسطمن الفساد المنظومي إلى الاستحواذ على الدولة.. أين تبدأ الدولة العميقة؟