لماذا ينجح العراقي في المواكب ويفشل في الدوائر؟ تفكيك للمفارقة الإدارية مع الدكتور علي علاء محمود
أوس ستار الغانمي
2026-07-30 04:59
في كل عام، تتشكل كربلاء لتكون بوصلة أخلاقية ومركزاً للإيثار، حيث تتجلى منظومة قيمية تُدهش المراقبين، وتطرح تساؤلات جوهرية حول سوسيولوجيا المجتمع العراقي وقدرته على إدارة الحشود والموارد بذكاء إعجازي. تبرز المفارقة حين نضع هذه الروح التطوعية العالية في ميزان الواقع المؤسسي، لنقف أمام ثنائية الطوارئ مقابل الاستدامة.
نحاور اليوم شخصية تدرس هذه الظواهر من زوايا علم الاجتماع والإدارة؛ ضيفنا الدكتور علي علاء محمود، لنبحر معه في تفكيك هذه السلوكيات، وبحث سبل الانتقال بالقيم من فضاء الزيارة العفوي إلى مسارات العمل المؤسسي الرصين.
دكتور علي، نعيش في الزيارة ذروة المدينة الفاضلة من إيثار وتفانٍ، لكن بمجرد انتهاء الزيارة نعود لواقع تصنّفه المؤشرات العالمية كأحد أكثر البيئات تعقيداً وفساداً إدارياً. كباحث، أين يتبخر هذا الرصيد القيمي؟ ولماذا فشل المجتمع في تحويل قيم الزيارة إلى ممارسة مؤسساتية؟
لا أعتقد أن الرصيد القيمي يتبخر بعد انتهاء الزيارة، بل ينتقل من بيئة استثنائية إلى واقع مختلف. فالزيارة تخلق منظومة أخلاقية قائمة على الإيثار والانضباط والعمل التطوعي، بينما تعود الحياة اليومية إلى مؤسسات قد لا تمتلك الثقافة نفسها. لذلك فالمشكلة ليست في ضعف القيم، وإنما في غياب مشروع وطني يحول هذه القيم إلى أنظمة عمل وسلوك مؤسسي دائم. ولو استثمرنا تجربة الأربعينية في التعليم والإدارة والصحة والخدمة العامة، لتحولت من حدث موسمي إلى مدرسة اجتماعية مستمرة.
العقل العراقي ينجح بشكل إعجازي في إدارة الحشود لوجستياً وأمنياً وغذائياً بجهود شعبية خلال أيام، ولكنه يفشل في التخطيط الاستراتيجي لمدنه طوال العام. هل نحن مجتمع ينجح فقط في حالة الطوارئ والاندفاع العاطفي ويفشل في المؤسساتية الباردة؟
نجاح الزيارة يكشف أن المجتمع العراقي يمتلك قدرة تنظيمية عالية عندما يجتمع حول هدف واضح وثقة متبادلة. أما التخطيط طويل الأمد فيتطلب مؤسسات مستقرة، وقيادة استراتيجية، وتشريعات نافذة، وهي عناصر لا تزال بحاجة إلى التطوير. لذلك فإن الفرق ليس في كفاءة الإنسان، بل في طبيعة البيئة التي يعمل فيها. الزيارة أثبتت أن لدينا رأس مال اجتماعيًا كبيرًا، لكننا لم نحوله بعد إلى رأس مال مؤسسي.
يُقال إن الزيارة تلغي الفوارق الطبقية حيث يمشي الجميع جنباً إلى جنب. ولكن في الكواليس، نرى ظهور مواكب فئة خمس نجوم مدعومة سياسياً وتجارياً. هل نحن أمام محاولة لـتسليع الزيارة وإعادة إنتاج الطبقية داخل الطقس الديني نفسه؟
أي ظاهرة عالمية بهذا الحجم معرضة للتأثيرات الاقتصادية والسياسية، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تصبح الخدمة وسيلة للظهور أو النفوذ بدلاً من كونها رسالة إنسانية. الزيارة قامت على مبدأ المساواة؛ فلا فرق بين غني وفقير أو مسؤول ومواطن. وإذا فقدت هذه الفلسفة، فإننا نكون قد خسرنا أهم ما يميزها. المطلوب ليس رفض التطوير، بل ضمان أن يبقى الإنسان هو محور الخدمة، لا المصالح أو المنافسة.
تُنفق مليارات الدنانير طوعاً وبلا وصولات مالية في اقتصاد المواكب، في حين يعاني النظام المصرفي من انعدام ثقة المواطن. ماذا يخبرنا هذا عن أزمة الثقة بالدولة مقابل الثقة بالعقيدة والمجتمع؟
اقتصاد المواكب يقدم درسًا مهمًا في بناء الثقة؛ فالمواطن يتبرع بسخاء لأنه يرى أثر عطائه مباشرة. هذه الثقة المجتمعية تؤكد أن المشكلة ليست في استعداد الناس للمساهمة، بل في مدى ثقتهم بآليات إدارة الموارد. وإذا استطاعت مؤسسات الدولة أن تحقق المستوى نفسه من الشفافية والكفاءة، فإن العلاقة بينها وبين المجتمع ستتغير بصورة جوهرية.
تحاول العديد من القوى السياسية والمؤسساتية ركوب موجة نجاح الزيارة وتجييرها لصالحها. سوسيولوجياً، كيف يمكن حماية هذه الظاهرة الشعبية العفوية من محاولات الاحتكار أو التوظيف السياسي المباشر؟
حماية الزيارة من التوظيف السياسي لا تعني إبعادها عن الشأن العام، وإنما منع احتكارها من أي جهة. قوتها الحقيقية تكمن في أنها ظاهرة شعبية جامعة، تتسع للجميع دون تمييز. وكلما بقيت رسالتها إنسانية وأخلاقية، وابتعدت عن الاستقطاب السياسي والإعلامي، ازدادت قدرتها على توحيد المجتمع وتعزيز صورته أمام العالم.
في مرحلة ما بعد داعش، كيف لعبت الزيارة دوراً استراتيجياً ربما غير مرئي في إعادة هندسة الهوية الوطنية وتجاوز الخندق الطائفي، أم أن تأثيرها ما زال منحصراً في تعزيز الهوية الفرعية؟
أسهمت الزيارة في إعادة ترميم النسيج الاجتماعي بعد سنوات من العنف والإرهاب، لأنها أعادت إنتاج قيم التضامن والتكافل والثقة بين الناس. لكنها تستطيع أن تؤدي دورًا أكبر إذا أصبحت مصدرًا لترسيخ الهوية الوطنية العراقية، بحيث تُقرأ بوصفها نموذجًا للوحدة الإنسانية، لا مجرد مناسبة دينية تخص فئة معينة.
نتحدث عن الزيارة كـقوة ناعمة عالمية، لكن صورة العراق الخارجية لا تزال ترتبط بالأزمات. هل الخلل في أدوات تصديرنا الإعلامي والدبلوماسي لهذه القيم، أم أن طبيعة الزيارة عصية على التسويق السياسي الدولي؟
تمتلك الزيارة جميع مقومات القوة الناعمة؛ فهي أكبر تجمع تطوعي في العالم، وتقدم نموذجًا فريدًا في الإدارة المجتمعية والخدمة المجانية. لكن هذا الإنجاز لم يُقدَّم للعالم بالأسلوب العلمي والإعلامي الذي يستحقه. نحن بحاجة إلى دراسات دولية، وأفلام وثائقية، ومنصات متعددة اللغات تشرح للعالم كيف استطاع ملايين البشر إدارة هذا الحدث بسلمية وتنظيم.
الجيل الجديد ) جيل (Z يتسم بالتمرد على القوالب التقليدية والسرديات الكبرى. كيف يتعاطى هذا الجيل مع الزيارة؟ هل يعيد صياغتها لتناسب هويته الفردية والرقمية، أم أن الزيارة تنجح في احتوائه وصهره في بوتقتها التقليدية؟
جيل الشباب لا يرفض الزيارة، بل يتفاعل معها بطريقة مختلفة. فهو يوثقها رقميًا، ويبحث عن المعنى أكثر من الخطاب التقليدي. وإذا أحسنّا مخاطبته بلغته، وربطنا قيم الزيارة بقضايا التطوع والابتكار والبيئة والمسؤولية الاجتماعية، فسيتحول إلى أهم سفير عالمي لهذه الرسالة.
مع هيمنة السوشيال ميديا، أصبحت الكثير من ممارسات الزيارة خاضعة لـ ترند التوثيق والتباهي (الاستعراض الخيري). متى تتحول هذه الممارسات من أداة لـ استدامة القيم إلى معول لهدم جوهرها الإخلاصي؟
توثيق الخدمة ليس مشكلة بحد ذاته، لكنه يصبح مشكلة عندما تتحول الكاميرا إلى هدف، ويصبح المحتوى أهم من الإنسان الذي تُقدم له الخدمة. القيمة الحقيقية للعمل الحسيني لا تقاس بعدد المشاهدات، وإنما بعمق الأثر الذي يتركه في حياة الناس. لذلك ينبغي أن يبقى التوثيق وسيلة لنشر ثقافة العطاء، لا وسيلة لصناعة الشهرة.
تمنح الزيارة مساحة استثنائية لحضور المرأة ومشاركتها في الفضاء العام بفعالية وإدارة لوجستية (في مجتمع محافظ). هل هذا كسر حقيقي للنمطية الجندرية، أم أنه مجرد سماح مؤقت ينتهي بانتهاء العشرين من صفر؟
مشاركة المرأة في الزيارة أثبتت أنها شريك أساسي في التنظيم والإدارة والرعاية الصحية والإعلام والعمل التطوعي. وهذه المشاركة يجب ألا تبقى محصورة في أيام الزيارة، بل ينبغي أن تنعكس على حضورها في مؤسسات الدولة والجامعات ومراكز صنع القرار، لأن التجربة أثبتت كفاءتها وقدرتها على تحمل المسؤولية.
هل استدامة القيم هنا مصطلح دقيق علمياً؟ أم أن الزيارة مجرد صمام أمان وتفريغ شحنات (تنفيس سيكولوجي) للمجتمع يعود بعدها لحالة الركود والإحباط العام؟
الزيارة ليست محطة عاطفية مؤقتة، وإنما فرصة لإعادة بناء الإنسان من الداخل. لكن استمرار أثرها يتوقف على قدرة المجتمع على تحويل القيم إلى ممارسات يومية داخل الأسرة والمدرسة والجامعة ومكان العمل. فالقيم التي لا تتحول إلى سلوك ستبقى مرتبطة بالمناسبة، أما القيم التي تتحول إلى ثقافة فستبني مجتمعًا أكثر تماسكًا.
كربلاء كمدينة تتحمل ضغطاً استراتيجياً وبنيوياً هائلاً. كيف نقرأ التناقض بين الاستدامة الروحية التي تمنحها الزيارة، والاستنزاف الحضري والبيئي الذي تعاني منه المدينة المضيفة، وكيف ينعكس ذلك على قيم المجتمع المحلي؟
كربلاء تواجه تحديًا كبيرًا يتمثل في الموازنة بين استضافة ملايين الزائرين والحفاظ على جودة الحياة لسكانها. وهذا يتطلب استثمارات في النقل، والطاقة، وإدارة النفايات، والمياه، والتخطيط الحضري الذكي. نجاح الزيارة مستقبلاً لن يقاس فقط بعدد الزائرين، بل بقدرة المدينة على تحقيق الاستدامة البيئية والخدمية.
خطوة بخطوة دكتور، كيف نترجم قيمة مثل التفاني في خدمة الزائر إلى ممارسة مؤسساتية تتمثل في التفاني في خدمة المراجع في دوائر الدولة؟ ما هي الحلقة المفقودة بين الشارع والدائرة؟
إذا أردنا أن نترجم قيم الزيارة إلى مؤسسات، فعلينا أن نبدأ بثقافة الوظيفة العامة. الموظف يجب أن ينظر إلى المواطن كما ينظر صاحب الموكب إلى الزائر؛ إنسان يستحق الاحترام والخدمة الكريمة. وعندما تصبح الأمانة والإيثار والانضباط جزءًا من معايير التقييم الوظيفي، سنكون قد نقلنا رسالة الأربعينية من الشارع إلى مؤسسات الدولة.
لو نظرنا إلى الزيارة بعد ١٠ سنوات من الآن، في ظل التغير المناخي القاسي، والتحولات الاقتصادية العنيفة، وانغماس المجتمع في الذكاء الاصطناعي.. ما هو السيناريو الأسوأ والسيناريو الأفضل لمسار هذه الظاهرة وقيمها الاستراتيجية؟
ستقبل الزيارة يعتمد على قدرتها على الجمع بين الأصالة والتطوير. فإذا استثمرت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تنظيم الحشود، وتحسين الخدمات الصحية، وحماية البيئة، فستصبح نموذجًا عالميًا يُحتذى به. أما إذا غابت الرؤية الاستراتيجية، فقد تواجه تحديات التغير المناخي، والتوسع العمراني، والاستغلال السياسي والاقتصادي. ومع ذلك، فإن سر بقاء الزيارة عبر القرون هو أنها تستند إلى منظومة قيمية تتجدد مع كل جيل، وتمنحها القدرة على مواجهة المتغيرات دون أن تفقد هويتها.
خاتمة الحوار
في ختام هذا اللقاء، نجد أن الزيارة الأربعينية تتجاوز كونها طقساً دينياً؛ فهي مختبر اجتماعي عراقي خالص، يختزل في أيامه تجارب الإنسانية في التكافل، والعمل الجماعي، وإدارة الأزمات. إن التحدي القادم يكمن في نقل هذه "العدوى الإيجابية" من قدسية الشارع إلى حيوية المؤسسة، لتصبح قيم الإيثار والتنظيم ثقافةً يومية تحكم علاقة الموظف بالمواطن، وتدير شؤون الدولة بذكاءٍ إنساني وإداري مستدام.
نغادر هذا الحوار مع الدكتور علي علاء محمود، وقد أضاء لنا زوايا الرؤية حول ضرورة استثمار رأس المال الاجتماعي في بناء الدولة الحديثة.
كل الشكر والامتنان للدكتور على هذا الطرح العميق والتحليل الرصين. والشكر موصول لقرائنا في شبكة النبأ على متابعتهم الدائمة، وإلى لقاء آخر في حوارٍ جديد.