الصوت الذي لا يسمع: كيف يدمر تقديرك لذاتك وأنت لا تشعر؟

أوس ستار الغانمي

2026-06-30 06:02

كثيرون يعيشون حياتهم وهم يبدون طبيعيين أمام الآخرين، يبتسمون، ينجزون أعمالهم، ويتحدثون بثقة أحياناً، لكن داخلهم صوت لا يتوقف عن التقليل منهم، يحمّلهم الأخطاء، ويقارنهم بالآخرين باستمرار. هذا الصوت قد يبدأ من تجربة قديمة، أو كلمة قاسية، أو شعور متكرر بعدم الكفاية، ثم يكبر مع الوقت حتى يتحول إلى طريقة دائمة للنظر إلى النفس.

وفي زمن أصبحت فيه المقارنات اليومية جزءاً من الحياة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بات تقدير الذات من أكثر الجوانب النفسية تأثراً بالضغوط والتوقعات والصور المثالية التي يراها الناس كل يوم.

تعرّف على مفهوم تقدير الذات، وأبرز الأسباب التي تؤدي إلى ضعفه، والعادات اليومية التي تساعد على بنائه واستعادة الثقة بالنفس.

ما هو تقدير الذات؟

تقدير الذات هو كيفية تقييمك لقيمتك الشخصية كفرد. بعبارة أخرى، يتعلق الأمر بكيفية إدراكك لذاتك. سواءً توقفتَ لاستكشافها أم لا، فمن المرجح أن لديك آراءً ومعتقدات راسخة عن نفسك. لهذه الآراء والمعتقدات تأثير كبير على أسلوب حياتك وتفاعلك مع الآخرين.

بحسب موقع HelpGuideيتداخل تقدير الذات أحيانًا مع مفاهيم ذات صلة، مثل:

_ الكفاءة الذاتية: وهي الثقة في قدرتك على اتخاذ القرارات وفي قدراتك على التعلم والنمو.

_ احترام الذات: هذا يعني الإيمان بقيمتك كشخص وكذلك بحقك في أن تكون سعيدًا ومرتاحًا وأن تعبر عن احتياجاتك ورغباتك.

ما الذي يسبب تدني احترام الذات؟ 

بحسب موقع Northern Healthقد ينجم تدني احترام الذات عن عوامل مختلفة، منها:

1_ تجارب الطفولة: قد تؤدي التجارب السلبية في الطفولة، كالنقد المفرط والإهمال والتوقعات غير الواقعية، إلى هشاشة الشعور بقيمة الذات في مرحلة البلوغ. وكشفت دراسة وطنية شاملة أجريت عام ٢٠١٤ في إنجلترا أن ٤٧٪ من السكان تعرضوا لتجربة سلبية واحدة على الأقل في الطفولة، بينما عانى ٩٪ منهم من أربع تجارب سلبية أو أكثر، مما يزيد من خطر تعرضهم لمشاكل الصحة النفسية في سنوات تكوين شخصياتهم.

2_ الصدمة والإساءة: قد تؤثر الصدمات الجسدية أو العاطفية أو النفسية بشدة على تقدير الذات. ويزداد هذا الأمر سوءًا إذا استمرت الصدمة لفترة طويلة أو شملت شخصًا آخر، وغالبًا ما يفضل الضحايا الصمت بدلًا من الإبلاغ عنها بسبب انعدام تقدير الذات الذي يعززه المعتدي.

 3_ مقارنات غير واقعية: في عالمٍ تهيمن عليه وسائل التواصل الاجتماعي، يسهل مقارنة أنفسنا بالآخرين عبر الإنترنت. إلا أن هذا غالبًا ما يُفضي إلى مشاعر النقص، وقد تجعلنا هذه الحياة المصقولة والمنسقة على شاشاتنا نشعر بأننا لا نرقى إلى مستوى توقعاتنا. والمثير للدهشة أن ما يصل إلى 10% من أفكارنا تتضمن مقارنات من نوعٍ ما، وهي نسبةٌ يُتوقع أن ترتفع في هذا العصر الرقمي.

4_ الكمالية: بالطبع، جميعنا نرغب في أن نكون أفضل نسخة من أنفسنا، لكن وضع معايير عالية بشكل مستحيل والتركيز على العيوب يمكن أن يمنعك من إدراك إنجازاتك، مما يؤدي إلى انخفاض احترامك لذاتك.

5_ الإجهاد المزمن ومشاكل الصحة النفسية: يمكن أن تؤثر حالات مثل القلق والاكتئاب بشدة على الثقة بالنفس، مما يخلق حلقة مفرغة حيث يساهم تدني تقدير الذات في تدهور الصحة النفسية والعكس صحيح. يشعر 86% من سكان المملكة المتحدة بالتوتر ليوم واحد على الأقل شهرياً، بينما لا يتناول سوى 10.4% منهم أدوية، ويلجأ 3% فقط إلى العلاجات النفسية التي قد تساعدهم على إدارة التوتر ومعالجة مشاكل تقدير الذات.

عادات يومية تبنى بخطوات صغيرة

إن تقدير الذات ليس ثابتاً، بل يمكن تقويته بمرور الوقت عبر عادات صغيرة ومتواصلة تساعد على بناء علاقة أكثر دعماً مع الذات. نقلا من صحيفة الشرق الأوسط.

1_ التدرّب على ملاحظة وإعادة صياغة الحديث السلبي مع الذات

طريقة حديثك مع نفسك مهمة جداً. كثير من الأشخاص لديهم ناقد داخلي سريع في الإشارة إلى الأخطاء أو توقع الأسوأ.

بدلاً من محاولة إسكات هذا الصوت تماماً، ابدأ بملاحظته. عندما تظهر فكرة قاسية، توقف وسمّها: «أنا أواجه فكرة سلبية».

هذه اللحظة الصغيرة من الوعي تساعدك على التراجع عن الفكرة بدلاً من تصديقها تلقائياً. بعدها، حاول أن تسأل: «هل هذا صحيح فعلاً؟» أو «ماذا سأقول لصديق في هذا الموقف؟».

مع الوقت، يمكنك استبدال الأفكار القاسية بأخرى أكثر توازناً وتعاطفاً.

2_ الوفاء بوعود صغيرة لنفسك

ينمو تقدير الذات من الثقة، وأحد أفضل الطرق لبنائها هو الالتزام بما تقول إنك ستفعله.

ابدأ بخطوات بسيطة، مثل إعداد وجبة صحية واحدة خلال الأسبوع، أو حضور تمرين رياضي، أو تخصيص 20 دقيقة لهواية، أو إنجاز مهمة كنت تؤجلها.

كل مرة تلتزم فيها بما خططت له، فأنت لا تنجز مهمة فقط، بل تثبت لنفسك أنك قادر على الالتزام حتى عندما يتطلب الأمر جهداً.

ومع الوقت، يبني ذلك الثقة بالنفس ويعزز الشعور بالقدرة على مواجهة التحديات.

3_ بناء عادة إدراك نقاط القوة

من السهل التركيز على ما لا نفعله بشكل جيد، لكن نقاط قوتك تستحق الاهتمام أيضاً.

اجعل من عادتك التفكير فيما تجيده، سواء كان الاستماع الجيد، أو التنظيم، أو الصمود في الأوقات الصعبة.

يمكنك تدوين نقطة إيجابية واحدة يومياً، أو مراجعة مواقف تعاملت فيها بشكل أفضل مما توقعت. هذا يساعد الدماغ على رؤية صورة أكثر توازناً ودقة عن نفسك.

4_ وضع أهداف واقعية وداعمة

الأهداف غير الواقعية قد تضعف تقدير الذات بشكل غير مباشر. عندما تكون الأهداف كبيرة جداً أو صارمة، يصبح من السهل الشعور بأنك تفشل باستمرار.

بدلاً من ذلك، ركّز على أهداف قابلة للتحقيق ومرنة، وقسّم الأهداف الكبيرة إلى خطوات صغيرة. الشعور بأنك تتقدم هو ما يبني الثقة مع الوقت.

5_ إحاطة نفسك بمؤثرات داعمة

الأشخاص والبيئات من حولك يمكن أن يعززوا الشك في الذات أو يساعدوا على بناء شعور بالقيمة.

انتبه لما تشعر به بعد التفاعل مع أشخاص معينين أو محتوى معين على الإنترنت.

وحاول قدر الإمكان اختيار علاقات تشعرك بالدعم والاحترام والأمان.

هذا لا يعني أن كل شيء يجب أن يكون إيجابياً طوال الوقت، لكن الدعم المستمر يمكن أن يصنع فرقاً كبيراً في نظرتك إلى نفسك.

خمس طرق لبناء الثقة بالنفس

إذا كنت تعاني من مشاعر عدم الكفاءة، فإليك خمس طرق للتخلص من هذا النوع من التفكير وبناء ثقة بالنفس قوية لا تتأثر بالعوامل الخارجية.

1_ لا تسعى إلى الحصول على التقدير من آراء الآخرين عنك

الأهم هو شعورك تجاه نفسك عندما تكون بمفردك. احذر من وسائل التواصل الاجتماعي تحديداً، لأن ربط قيمتك الذاتية بعدد الإعجابات والمتابعين سيجعلك عرضة للخطر.

2_ افعل الأشياء الصعبة

إذا أردتَ أن تشعر بقيمة ذاتك، فافعل ما تراه جديرًا بالاهتمام، ما يُسعدك ويُسعد الآخرين. ينبغي أن يكون هذا العمل مرتبطًا بشيء تُحبه ويُمثل تحديًا لك. تعلّم الاستمتاع بالرحلة، حتى وإن كانت صعبة. فإذا كانت سهلة للغاية، لن تشعر بإنجاز حقيقي. وإذا كانت صعبة للغاية، فقد تستسلم. ابحث عن التوازن الأمثل لك، وكافئ نفسك عند تحقيق إنجازات مهمة على طول الطريق.

3_ اعلم أن لديك قيمة جوهرية

أنت فريد من نوعك على هذا الكوكب! أنت إنسان مميز ورائع، ذو قيمة جوهرية وإمكانيات هائلة. لكن إمكانياتك وحريتك تُقمع بسبب الاعتقاد الخاطئ بأن عليك تلبية شروط خارجية (المال، الترقية، الممتلكات، العلاقات، إلخ) لتشعر بالرضا عن نفسك.

4_ قم بالعمل

إذا أردتَ أن تشعر وتفكر بشكل مختلف، فابدأ بفعل أشياء مختلفة. استثمر في نفسك من خلال ممارسات النمو مثل كتابة اليوميات بانتظام، والتأمل، والعلاج النفسي، أو التدريب. لن تكون الرحلة سهلة دائمًا، لكنها أهم شيء ستفعله لنفسك على الإطلاق.

5_ لا تأخذ الأمور على محمل شخصي!

إذا أساء إليك أحدهم - دون أن تستفزه - فاعلم أن هذا مجرد تعبير منه عن حالته النفسية. بدلاً من التنازل عن قوتك والسماح له بجعلك تشعر وكأنك ضحية، تعاطف مع معاناته، لأن الأشخاص المليئين بالكراهية والسلبية لا يعيشون حياة سعيدة. وفقًا لموقع Life Coach Directory.

ذات صلة

مكافحة الفساد جذرياً وهيكلياً.. قراءة من خلال أفكار الامام الشيرازيهل هي كرةُ ثلج... أم أمطارُ صيف؟العلم في عاشوراء.. بصيرةٌ في مواجهة الجهلو جاءت زينبالحسين بين الثورة والإصلاح