لماذا تجعلنا السياسة أكثر غباءً وأقل قدرة على التفكير السليم؟

شبكة النبأ

2026-03-23 02:03

في مقال نشره موقع علم النفس اليوم، يطرح الدكتور تي. ألكسندر بوتيو، الأستاذ في جامعة هارفارد والخبير في الأداء التنظيمي، التفسير النفسي والتطوري الكامن وراء تراجع عقلانية الخطاب السياسي وتأثيره السلبي على قدراتنا الإدراكية. 

يُبيّن الكاتب كيف يختطف الانتماء السياسي هويتنا الشخصية، مما يدفعنا غريزياً لتفضيل حماية "قبيلتنا السياسية" وإظهار الولاء الحزبي (حتى بالدفاع عن ادعاءات خاطئة) على حساب البحث المتجرد عن الحقيقة. ومن خلال آليات نفسية معقدة مثل "التفكير المدفوع بالعاطفة"، نجد أنفسنا نختلق المبررات لقناعاتنا المسبقة بدلاً من تقييمها بموضوعية. ولمواجهة هذا الانحدار الفكري، يوصي الدكتور بوتيو بضرورة أخذ خطوة للوراء بعيداً عن وسائل الإعلام الحزبية المُستقطِبة، واللجوء إلى القراءة المتعمقة، والسعي بصدق لفهم وجهات النظر المخالفة بدلاً من مجرد السعي للانتصار في الجدال.

إليك التفسير العلمي والنفسي الكامن وراء السبب الذي يجعل التفكير تحت تأثير الاستقطاب السياسي لا يقدم لأدمغتنا أي خدمة، بل يعطل قدراتنا الإدراكية.

النقاط الرئيسية

* السياسة تختطف الهوية: تستحوذ السياسة على هويتنا الشخصية بالكامل، مما يدفعنا بشكل غريزي ولا إرادي إلى حماية الانتماء إلى القبيلة السياسية وتفضيل جماعتنا على حساب البحث التجردي عن الحقيقة أو الالتزام بالدقة الموضوعية.

* التشجيع الحزبي الأعمى يُغيّب العقل: يؤدي التعصب والولاء الأيديولوجي إلى دفعنا نحو الدفاع باستماتة عن ادعاءات ومزاعم نعلم يقيناً في قرارة أنفسنا أنها خاطئة أو مضللة، وذلك لمجرد إرسال إشارات ولاء وتأكيد انتمائنا للفريق السياسي الذي نشجعه.

* التفكير المدفوع بالعاطفة يقلب المنهج المنطقي: يمنحنا هذا النوع من الاستدلال المتحيز الذريعة لتبرير معتقداتنا المسبقة كخطوة أولى، ثم القيام باختلاق وبناء إطار منطقي هش أو زائف لاحقاً لدعم وتمرير تلك المعتقدات بدلاً من تقييمها بموضوعية.

* التفكير السليم يتطلب مسافة نقدية: يبدأ التعافي واستعادة التفكير العقلاني بخلق مسافة فاصلة عن ساحات الاستقطاب، واللجوء إلى القراءة المتعمقة والتحليلية، والسعي بصدق وجدية نحو فهم الآراء المخالفة ووجهات النظر المغايرة لتوسيع المدارك، بدلاً من مجرد السعي للانتصار في الجدل.

السيطرة على وعي الجماهير

إذا كنت من بين الملايين من الأشخاص الذين أصيبوا بمرور الوقت بخيبة أمل عميقة وإحباط متزايد تجاه مشهد السياسة الحديثة، فلا يمكنني أن ألومك على الإطلاق. لقد انحدر مستوى الخطاب السياسي، ولا سيما في تلك الدول التي تحكمها أنظمة الحزبين المهيمنين، ليصبح أشبه بالمهاترات الرخيصة والشتائم المتبادلة في غرف تبديل الملابس الرياضية، مبتعداً كل البعد عن روح التداول العقلاني والنقاش الفلسفي العميق الذي تخيله وأسسه فلاسفة الإغريق قبل قرون عديدة. لقد ولّت تلك الأيام الذهبية التي كانت تسود فيها مفاهيم العقل والمنطق (Logos) والأخلاق والمصداقية (Ethos) جنباً إلى جنب مع العاطفة (Pathos). ففي يومنا هذا، سيطرت الاستمالة العاطفية الفجة والمبتذلة على المشهد برمته، وطردت شقيقاتها من العقل والأخلاق خارج السرب تماماً لتتفرد هي بالسيطرة على وعي الجماهير.

وإذا أردنا حقاً العثور على الشرير أو الجاني الحقيقي في هذه القصة المأساوية، فعلينا أن نبدأ بالنظر إلى أنفسنا في المرآة. فنحن لسنا مجرد متفرجين أو مسهلين لما يحدث حولنا من انحدار، بل نحن من يشجعه ويدعمه بنشاط وانخراط يومي ومستمر. وإذا كنا نأمل في أي وقت مضى في استعادة مشهد سياسي أكثر عقلانية واتزاناً، فمن الضروري للغاية أن نفهم بعمق تلك الآليات الخفية والغرائز المتجذرة في علم النفس التطوري الخاص بنا، والتي تسحبنا بقوة ودون هوادة نحو هذا المستنقع المظلم والمدمر لحياتنا العامة.

نحن نسعى وراء حماية الهوية وتفضيلها على الحقيقة

دون أن نثير غضب علماء نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) بيننا، يجب أن نعترف بحقيقة علمية قاسية: إن الحقيقة أو المعتقدات الصادقة المبنية على وقائع كانت تحظى بأهمية أقل بكثير في مسيرة التطور البشري البيولوجي مما نود أن نعتقد أو نأمل. فما يحمل وزناً حقيقياً وقيمة كبرى في ميزان التطور هو العواقب والنتائج المباشرة؛ أي ما إذا كانت خلايانا والبرمجة الجينية الدقيقة التي تشغلها قادرة على البقاء والانتقال بأمان إلى الجيل التالي أم لا. 

وسواء أكان الفرد يحقق ذلك البقاء والامتداد الجيني وهو يؤمن إيماناً أعمى بأسطورة "سانتا كلوز"، أو بينما كان يستنتج بذكاء وتحليل مبكر أنها كذبة من اختراع والديه طوال الوقت، فإن ذلك يعد أمراً غير ذي صلة إلى حد كبير بمنظور التطور. نعم، من الصحيح أن بعض المعتقدات يجب أن تظل مرتبطة بالواقع المادي والتجريبي بشكل وثيق بما يكفي لضمان بقائنا على قيد الحياة وتجنب المخاطر المميتة، ولكن الغالبية العظمى من أفكارنا ومسلماتنا يمكن أن تنحرف وتبتعد بشكل مذهل عن الواقع الفعلي دون أن يترتب على ذلك أي عقوبة تطورية ذات مغزى أو تهديد وجودي حقيقي.

ولكن، في المقابل، لا يمكن إطلاقاً قول الشيء نفسه أو تطبيق القاعدة ذاتها على "الهوية". ففي بيئات أجدادنا القديمة والقاسية، حيث كانت الحياة صراعاً يومياً مستمراً، كانت معرفة من نحن بدقة، والأهم من ذلك، كيف ينظر إلينا الآخرون داخل القبيلة، تؤثر بشكل مباشر وجذري على فرص حصولنا على الحماية والدعم، فضلاً عن قدرتنا على الاستمرار في دورة الحياة (التي تشبه في طبيعتها مخطط بونزي المستمر لضمان البقاء عبر التكاثر). كانت الهوية والانتماء للجماعة، باختصار شديد، مسألة حياة أو موت، وشرطاً حتمياً للبقاء على قيد الحياة.

وهذا الإرث التطوري العميق يساعدنا بوضوح على تفسير ما أطلق عليه الباحث البارز دان كاهان وزملاؤه مصطلح "الإدراك المعرفي الحامي للهوية" (Identity-protective cognition)، (كما ورد في دراسة كاهان وآخرين عام 2007). فأدمغتنا البشرية لم تتطور عبر العصور لتكون حواسيب فائقة الدقة تعالج المعلومات وتحللها بأمانة وشفافية مطلقة، بل تطورت في المقام الأول لابتكار آليات ودفاعات نفسية صارمة لحماية النسخة التي كونّاها عن أنفسنا، ولضمان الحفاظ على مكانتنا وحظوتنا الاجتماعية ضمن مجموعاتنا التي ننتمي إليها. وعندما تظهر حقائق علمية أو معطيات جديدة تطرح تحديات تهدد هذه الهوية الراسخة التي نعلم يقيناً أننا بحاجة ماسة إليها للشعور بالأمان، فإننا نلجأ غالباً إلى تحريف تلك الحقائق وليّ عنقها، مفضلين ذلك التزييف المعرفي المريح على المخاطرة بدفع التكلفة الاجتماعية الباهظة والمتمثلة في العزلة، النبذ، والوقوف فجأة بمفردنا خارج السرب.

إن إلقاء نظرة عابرة ومحايدة على قنوات الأخبار التلفزيونية والشبكات الإخبارية يكفي ليوضح لنا بمرارة كيف تقوم آلة السياسة الحديثة باستغلال هذه الروافع التطورية والنفسية بحماس وشراهة لا مثيل لهما. إنها تبرز بشكل صارخ كيف أن الهوية الحزبية والتحزب الأعمى غالباً ما يتفوق ويسحق أي محاولة جادة للوصول إلى الحقيقة الموضوعية، بغض النظر عن الجهة الإعلامية التي تتولى التغطية، سواء كانت شبكة "سي إن إن" (CNN) أو شبكة "فوكس نيوز" (Fox News).

التأثير الطاغي لـ "التشجيع الحزبي الأعمى"

وهذا يقودنا بطبيعة الحال إلى المحرك النفسي الثاني والأكثر تأثيراً في هذه المعادلة، والذي يجب أن تكون على دراية تامة به. لقد أثبت الباحث جون بولوك وزملاؤه، من خلال تجارب أكاديمية محكمة، كيف يقوم التحيز الحزبي بتشويه معتقداتنا الواقعية والموضوعية من خلال ظاهرة نفسية وجماعية يطلقون عليها اسم "التشجيع" (Cheerleading)، (بولوك وآخرون، 2015). ففي سلسلة من التجارب العلمية المذهلة والمثيرة للاهتمام، قدم المشاركون إجابات تتوافق تماماً مع انتمائهم وتوجهاتهم السياسية، حتى عندما كانوا يعلمون علم اليقين أن تلك الإجابات خاطئة، أو على الأقل عندما لم يكونوا واثقين البتة من صحتها ومدى دقتها.

نحن ندرك هذه الحقيقة الجوهرية لأن الباحثين قاموا بتجربة شديدة الذكاء؛ فعندما عُرضت حوافز مالية ودُفعت أموال حقيقية للأشخاص مقابل أن يكونوا دقيقين وموضوعيين قدر الإمكان في إجاباتهم واختبار صحة معلوماتهم، حدث شيء استثنائي ومثير للانتباه. بدأت آراء وتقييمات كل من الديمقراطيين والجمهوريين (الذين يكونون عادة على طرفي نقيض حاد) في التقارب والتشابه الشديد. وبمجرد أن قدم الباحثون حوافز مالية إضافية للأفراد لمجرد استعدادهم للاعتراف بعدم اليقين أو الشك المعرفي، ضاقت الفجوة بين الفريقين بشكل أكبر وأكثر دراماتيكية.

إن المغزى العميق والدلالة الخطيرة المستخلصة من هذه الأبحاث تتمثل في أن جزءاً كبيراً جداً مما يبدو لنا على السطح وكأنه خلاف فكري أو نقاش حول حقائق وأرقام ومبادئ، لا يتعلق في جوهره بالحقائق الأساسية أو المعطيات الملموسة على الإطلاق، بقدر ما هو مجرد أداة لإرسال إشارات استعراضية للولاء وإعلان الانتماء غير المشروط للفريق الذي ننتمي إليه.

ولعلنا لا ينبغي أن نتفاجأ أو نصاب بالصدمة إزاء هذه النتيجة المربكة. فقد تطور جنسنا البشري ونشأ في بيئات بدائية شديدة الصعوبة، حيث كانت القدرة على إظهار الولاء المطلق للجماعة والقبيلة تجلب سيلاً من الفوائد الحاسمة للبقاء، كالغذاء والمأوى والحماية والشراكة الاستراتيجية. وعلى النقيض من ذلك تماماً، فإن الشخص الذي كان يُعرف بأنه ذلك الفرد المزعج الذي يشير بجرأة وشجاعة إلى الحقائق المزعجة التي تتناقض مع السردية الجماعية، لم تكن نهايته سعيدة على الدوام. ويكفي أن نتذكر كأس سم الشوكران القاتل الذي أُجبر الفيلسوف سقراط على تجرعه كدليل تاريخي دامغ يثبت التكلفة المميتة لقول الحق ومخالفة القطيع.

ونتيجة لهذا الإرث الممتد، فإننا نجد أنفسنا، ونحن تحت التأثير الطاغي والمخدر للسياسة، ندافع باستماتة وبلا هوادة عن مواقف وآراء كنا لنشكك فيها بشدة ونخضعها لتمحيص نقدي صارم لو قُدمت لنا في أي سياق آخر خارج الإطار السياسي. وهذا "التشجيع الأعمى" لا يتفوق عليه في خطورته وعمق تأثيره سوى الآلية النفسية الأخيرة المتبقية في قائمتنا المعرفية.

فهم الآلية الخفية لـ "التفكير المدفوع بالعاطفة" (الاستدلال المحفز)

بمجرد أن تترسخ هوياتنا الجماعية في أعماقنا وتُستدعى أدوات التشجيع لاستعراض ولائنا لفريقنا السياسي، تصبح الخطوة المنطقية (أو بالأحرى المشوهة منطقياً) التالية هي الدخول في جدالات شرسة، والمحاججة بقوة لصالح أي موقف يتطلب دفاعاً أو تبريراً من جانبنا. وإذا نجحنا في إضفاء طابع خادع ومظهر براق يشبه المنطق السليم على أي فكرة أو ذريعة نبتدعها، فإن ذلك يعتبر إنجازاً مكللاً بالنجاح في نظر ذواتنا المتحيزة التي تسعى لراحة البال الوهمية.

مرحباً بكم إذن في دورة "مبادئ التفكير المدفوع بالعاطفة والتحيز" (Motivated Reasoning 101)، حيث نقوم بقلب المنهج العلمي السليم رأساً على عقب. في هذه الآلية، نحن نبدأ مسارنا المعرفي من الاستنتاج النهائي الذي نرغب بشدة في تصديقه سلفاً، ثم نعمل بطريقة عكسية وملتوية لجمع وحشد وتأليف مجموعة من الحجج والمبررات والمغالطات التي لا تهدف إلا لشيء واحد: توفير غطاء من الدعم والحماية لذلك الاستنتاج المسبق.

هناك ثروة هائلة ومخزون واسع من الأبحاث والدراسات المتقدمة في حقل السلوك السياسي والتي تكشف بدقة متناهية كيف يمارس الناس عملية انتقائية مفرطة ومتحيزة في البحث عن المعلومات. فهم يقرؤون ويفسرون الأدلة الغامضة أو المزدوجة المعايير بطريقة ملتوية بهدف تأكيد معتقداتهم وقناعاتهم المسبقة بشكل قاطع، وفي نفس الوقت يتجنبون وينفرون بشدة من أي مصادر، مهما كانت موثوقة ورصينة، قد تتحدى قناعاتهم وتدفعهم لمراجعة الذات (انظر، على سبيل المثال، بيترسون وأينغار، 2021). ومع مرور الوقت واستمرار هذه العادات المدمرة، يؤدي ميلنا الغريزي نحو "التفكير المدفوع بالعاطفة" إلى خلق حالة مرضية من "الرؤية النفقية الفكرية" (Intellectual tunnel vision)؛ وهي حالة من العمى المعرفي والانغلاق التام، تتقلص فيها آفاق التفكير لدرجة أن الحجج المعارضة المنطقية لم تعد تبدو لنا مجرد آراء غير مقنعة فحسب، بل تبدو أفكاراً سخيفة ومستحيلة التصديق من الأساس.

وعندما تثبت صحة كل هذه الدراسات والآليات النفسية المذكورة أعلاه على الأفراد العاديين وجماهير الناخبين، فمن المنطقي والطبيعي جداً أن نتوقع أن يصبح هذا التأثير السام أقوى وأكثر كثافة وفتكاً بين أولئك الذين يعملون بشكل احترافي ومباشر داخل أروقة صناعة السياسة نفسها. فعندما تكون المخاطر والرهانات المتعلقة بالسمعة المهنية، والنفوذ، والمستقبل الوظيفي مرتفعة للغاية، تتضخم بشكل هائل المكافآت والحوافز التي تُمنح لمن يلتزم التزاماً حرفياً بالرسالة المعتمدة من الحزب، وفي المقابل، تتضاعف وتتضخم المخاطر والعواقب المرعبة لأي انحراف ولو بسيط عن تلك التوجهات المتفق عليها.

ولهذا السبب تحديداً، فإن الوقوف مكتوفي الأيدي في انتظار النخب السياسية لمحاولة إصلاح هذا الخلل البنيوي المريع هو رهان خاسر وترف لا يمكننا تحمل تبعاته الكارثية. بدلاً من ذلك، يتحتم علينا أن نأخذ نحن زمام المبادرة وأن نبدأ بأنفسنا في اتخاذ الإجراءات العملية للتغيير من الأسفل إلى الأعلى.

خطوات عملية: ما يمكنك فعله اليوم لإنقاذ عقلك

إن إحدى أكثر الطرق فاعلية وتأثيراً لاستعادة استقلاليتنا الفكرية وصفاء أذهاننا المسلوبة هي اتخاذ قرار شجاع وواعٍ بالحد من تعرضنا المتكرر للبيئات "عالية الاستقطاب الهوياتي"؛ وهي تلك المنصات والأماكن التي يُعتبر فيها الاستعراض الأيديولوجي والأداء الحزبي المتطرف أهم بكثير، وأعلى قيمة ومردوداً، من البحث الرزين عن الحقيقة الموضوعية. يمكن أن يبدأ هذا التعافي العقلي بخطوة بسيطة ومتاحة للجميع، وتتمثل في التقليص الجذري للوقت الذي تقضيه عيوننا وأدمغتنا في استهلاك وتصفح وسائل الإعلام الحزبية الموجهة، حيث يكون الهدف الأساسي لتلك المنابر الإعلامية هو "اقتناص الانتباه" واختطاف المشاعر لكسب الإيرادات الإعلانية والولاء الأعمى، وليس أبداً شرح الواقع المُعقد وتفسيره بصدق وموضوعية لزيادة الفهم والوعي.

وإذا كنت راغباً بصدق في الغوص داخل نفسك، لاكتشاف ما تفكر فيه حقاً وما تؤمن به في أعماقك بمعزل عن صخب القطيع وضجيج الجماهير، فسوف تستفيد بشكل استثنائي وتصنع فارقاً حقيقياً من خلال خلق مسافة فاصلة ومساحة عزل فكرية أوسع بكثير عما هي عليه الآن. يمكنك البدء في ذلك عبر تكريس جزء من وقتك للقراءة المتعمقة والمنهجية في الكتب والدراسات الموثوقة حول موضوع يثير فضولك المعرفي الحقيقي، وذلك بدلاً من العادة السامة المتمثلة في الاكتفاء بالمسح السطحي للعناوين السريعة والمضللة، وتجاهل المنشورات الاستفزازية (Ragebait) التي صُممت خصيصاً وصُنعت بعناية لدفعك نحو التفاعل العاطفي الغاضب والانفعال السريع على منصات التواصل الاجتماعي.

وعندما تنخرط في نقاش أو حوار مع أشخاص آخرين لديهم وجهات نظر مختلفة، حاول جاهداً تغيير الهدف الأساسي والنية المسبقة من وراء الحوار؛ استبدل الرغبة العارمة والدفينة في "الانتصار" وسحق الخصم وتأكيد التفوق، برغبة صادقة ومفتوحة لمحاولة "الفهم"، واسأل نفسك بصدق وفضول: كيف ولماذا قد يتوصل شخص آخر، يملك عقلاً مثلك، لنتيجة أو قناعة تختلف تماماً عن تلك التي تؤمن بها؟ وتذكر دائماً قاعدة ذهبية لا تقدر بثمن: إن قدرتك على الفهم العميق لأساس حجة الطرف الآخر ومقدماته الفكرية، حتى لو كانت حجة معيبة وفاسدة منطقياً، كادعاء شخص ما بجدية أن حاصل جمع "اثنين زائد اثنين يساوي خمسة"، فإن إدراكك لكيفية وصوله لهذا الاستنتاج المغلوط لا يعني بأي حال من الأحوال أنك مضطر أو مجبر على تقبله كحقيقة.

ولكن، في اللحظة الحاسمة التي تتوقف فيها وتستسلم عن محاولة فهم الآخرين والبحث وراء مقدماتهم المنطقية التي قد تكون خاطئة من الأساس، فإنك تسقط مباشرة وبشكل فوري في فخ تلك الأنماط السلوكية الاستقطابية المدمرة ذاتها، والتي تعد الوقود الأساسي الذي يشغل ويدير النظام السياسي الفاسد الذي تشعر اليوم بالاستياء البالغ والإحباط المرير تجاهه.

ذات صلة

الكتابة وبناء العقل الموسوعيالإمام الشيرازي.. خمسة وعشرون عاماً على الرحيلفلسفة السلم والسلام عند المجدد الشيرازيالفشل الحكومي المستديم في ادارة الازمات الماليةطهارة اللسان في بناء الشخصية المؤمنة