لماذا ينجو البعض وينكسر الآخرون؟ سر المرونة النفسية
عزيز ملا هذال
2026-01-31 04:06
جميعنا تعرضنا ونتعرض على الدوام لحوادث غير سارة ومصائب وكوارث ومشكلات اجتماعية تتسبب بمشكلات نفسية، غير أننا نختلف فيما بيننا في التعامل مع ما يحدث لنا؛ فبعضنا يتعامل مع الموقف بذكاء وتقبل مما يؤدي به إلى التخطي بأسرع وقت ممكن، وبعضنا يرضخ للموقف ويدعه ينال منه الكثير إلى الحد الذي يجعله يفقد صوابه ومعه اتزانه النفسي، وكل هذا يعتمد على مستويات المرونة النفسية التي يتمتع بها كل فرد؛ فماهي الصحة النفسية؟ وماهي أبرز إيجابيها وصورها؟
المرونة النفسية هي القدرة على التكيف بنجاح مع الضغوط، والصدمات، والتحديات الحياتية، والتعافي منها مع الحفاظ على الأداء الجيد وتجاوزها للنمو، وهي ليست غياباً للمشاعر السلبية بل مهارة تُكتسب عبر الاستراتيجيات العاطفية، والاجتماعية، والسلوكية، وتسمح للشخص بالاستجابة للمواقف الصعبة بطريقة بناءة، والانحناء دون الانكسار.
من الواقع:
لو مررت أنت وزميلك في الدراسة بانتكاسة في اختبار ما، ستلاحظ أن أحدكم يبرر لنفسه ويصبرها ويدفعه تراجعه إلى تكثيف جهوده من أجل عدم المرور بهذا الموقف مرة أخرى، بينما الآخر يبدأ بجلد ذاته جلداً مبرحاً ويلومها من دون وعي بانعكاسات ما يقوم به عليه في المستقبل، وهذا ما يفسر ارتفاع معدل المرونة النفسية عند الأول وانخفاضها عند الثاني.
المرونة النفسية تعتبر من أساسيات علم النفس الإيجابي. الدكتور مارتن سيلجمان، الذي يدرس هذا العلم، قدم ملاحظات هامة حول كيف ترتبط المرونة النفسية بالصحة النفسية الجيدة. في مؤتمر جمعية علم النفس الذي أقيم في عام 2009، أكد أن تعليم الطلاب والطالبات كيفية تطوير مرونتهم النفسية ومساعدتهم في العثور على معنى في حياتهم يمكن أن يقيهم من خطر الاكتئاب ويزيد من شعورهم بالرضا عن الحياة.
ماهي مردودات المرونة النفسية على الإنسان؟
حين يمتلك الإنسان المرونة النفسية فيمكنه أن يكون كالتالي: أول ما يتصف به المرن نفسياً أنه يمتلك القدرة على التكيف والتفاعل بفعالية مع التغيرات والشدائد، سواء كانت مشاكل عائلية، صحية، أو مالية، أما غير المرن أو من تكون مرونته قليلة فإنه يقبع بالهم والحزن وقد يصل إلى الإحباط والانعزال التي ستكون نتائجه النفسية وخيمة عليه في المستقبل.
ويتمكن الفرد الذي يمتلك مرونة نفسية من إدارة مشاعره بصورة صحية وجيدة، إذ يستطيع قبول الأفكار والمشاعر السلبية دون أن تسيطر على السلوك، والقدرة على موازنتها بالاستجابات الإيجابية، بمعنى أن يسيطر على مشاعره والتي بدورها تسيطر على سلوكياته وتمنعها من التدهور أو التهور أو الاندفاع.
كما أن المرن نفسياً لديه مستوى عال من الإدراك الجيد للأحداث سيما الأحداث المأساوية، حيث يمكنه إدراك أن الأزمات جزء من الحياة وعدم إنكار الواقع وهذه خطوة مهمة في طريق التشافي إذا ما أراد الإنسان المحزون والمنكسر تخطي ما يمر به، وعلى نقيضه من ينخفض مستوى إدراكه ويضيع بوصلته باتجاه التعافي فيسلك سلوكيات غير متزنة.
وعادة ما يحاول الإنسان المرن أن يحل مشكلاته عبر التفكير في الحلول المتاحة بدلاً من لوم الذات أو الظروف، فلا لوم ذات أو جلدها حلاً ولن يشافي جرحاً بل قد يثخن الجراح ويزيد من عمقها، وهذا نلحظه عند الكثير من الناس من الذين ينقصهم المرونة النفسية في الأزمات.
نخلص إلى نتيجة مفادها أن المرونة النفسية ليست مجرد وسيلة للبقاء، بل هي نمط حياة يجعلنا ندرك أن العواصف لا تأتي دائماً لعرقلة مسيرتنا، بل أحياناً لتنقية رؤيتنا وتطوير ذواتنا، وقدرتنا على احتواء الألم وتحويله إلى وقود للتغيير هي التي تصنع الفارق بين من يستسلم لظروفه ومن يصنع منها سلماً للارتقاء.