الابتكار: ما الجديد حين تصبح المؤسسة نفسها بحاجة إلى الابتكار؟

كمال عبيد

2026-09-19 03:27

قد تجلس مجموعة من الموظفين حول طاولة واحدة، يحمل أحدهم فكرة تبدو بسيطة: طريقة أسرع للوصول إلى المستفيدين، أداة تختصر ساعات من العمل، نظام يساعد على قراءة البيانات، أو تطبيق يجعل الخدمة أكثر سهولة. يتحمس الفريق، تُجرى التجربة الأولى، تظهر نتائج مشجعة، ثم تبدأ الفكرة في مواجهة ما هو أصعب من التكنولوجيا نفسها: الإجراءات، الموافقات، الخوف من الخطأ، تضارب الأولويات، محدودية التمويل، والسؤال التقليدي الذي يطارد كل فكرة جديدة: ماذا لو فشلت؟ 

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للابتكار. فالمشكلة لم تعد في قدرة الإنسان على إنتاج الأفكار، ولا في ندرة الأدوات التقنية. نحن نعيش مرحلة تستطيع فيها المؤسسات الوصول إلى الذكاء الاصطناعي، وتحليل كميات هائلة من البيانات، وبناء نماذج أولية خلال وقت قصير، وربط فرق العمل والخبراء والمستخدمين من أماكن مختلفة. لذلك تغير السؤال: لم يعد الابتكار مجرد اكتشاف شيء جديد، وإنما أصبح قدرة المؤسسة على تحويل الجديد إلى أثر حقيقي قابل للاستمرار.

وهذا التحول يظهر بوضوح في مؤسسات العمل الإنساني نفسها. فقد وضعت منظمة الأغذية العالمية WFP في استراتيجيتها للابتكار 2026–2028 الابتكار داخل طريقة عمل المنظمة، مع التركيز على الحلول المحلية، وتوسيع الحلول المثبتة، وبناء ثقافة الابتكار، والشراكات، والتمويل المستدام. أما اليونيسف فتتحدث في تقرير الابتكار لعام 2026 عن انتقال واضح من التجارب المنفردة إلى تقوية الأنظمة نفسها، بحيث لا تنتهي الفكرة الناجحة عند حدود المشروع التجريبي، وإنما تجد طريقها إلى المؤسسات والخدمات العامة.

وهنا تكمن إحدى أهم التحولات في مفهوم الابتكار: الفكرة الجيدة لم تعد كافية. فقد تكون المؤسسة قادرة على إنتاج تطبيق متطور، أو نموذج ذكاء اصطناعي، أو منصة رقمية جذابة، ثم تكتشف بعد أشهر أن المشكلة التي صممت الأداة لحلها لم تكن المشكلة الحقيقية. لهذا تتجه التجارب الحديثة بصورة أكبر نحو الاستماع إلى المستخدمين، وفهم البيئة المحلية، واختبار الحلول قبل توسيعها، وقياس أثرها على حياة الناس. وتؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مقاربتها الحالية للذكاء الاصطناعي أن التكنولوجيا يجب أن تبقى تحت الإشراف البشري، وأن تُبنى حول الأشخاص الذين سيستخدمونها، مع حماية الخصوصية والحقوق والكرامة.

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي مثالاً كاشفاً لهذه المسألة. فالمفوضية تستخدمه اليوم في مجالات تمتد من تحسين العمليات الداخلية والخدمات متعددة اللغات إلى تحليل ملاحظات المجتمعات، والتنبؤ بالنزوح، والإنذار المبكر، وتحسين سلاسل الإمداد. غير أن إدخال الذكاء الاصطناعي لا يعني تلقائياً حدوث الابتكار؛ فالابتكار يبدأ عندما تؤدي التقنية إلى تحسين حقيقي في القرار أو الخدمة أو الوصول إلى الإنسان.

وهذا يفسر أيضاً لماذا أصبحت مسألة التوسع أكثر أهمية من مجرد التجربة. تستطيع مؤسسة ما أن تنتج عشرات المشاريع التجريبية الناجحة، ثم تفشل في تحويل أي منها إلى ممارسة واسعة. لذلك يصبح السؤال الحاسم: لماذا تنجح الفكرة داخل فريق صغير وتفشل عندما تدخل النظام المؤسسي؟ الإجابة غالباً لا تتعلق بالفكرة نفسها، وإنما بالبنية التي تستقبلها: التمويل، التشريعات، المهارات، القيادة، البيانات، الشراكات، وقابلية المؤسسة للتعلم.

من هنا ينتقل الابتكار من كونه نشاطاً تقوم به «وحدة ابتكار» إلى كونه ثقافة مؤسسية. وهذا ما تعكسه تجربة اليونيسف الحالية؛ إذ تصف الابتكار بأنه يتحول تدريجياً إلى جزء من طريقة اتخاذ القرار وتحديد الاستثمار وقياس النتائج، مع الانتقال من الأدوات المعزولة إلى بناء أنظمة يمكن للحكومات والمؤسسات امتلاكها وتشغيلها وتطويرها.

وتظهر قضية أخرى أكثر حساسية مع توسع الذكاء الاصطناعي: هل تستطيع التكنولوجيا أن تفهم الإنسان أم أنها قد تنتج صورة مقنعة عنه فقط؟ في أغسطس 2026 شاركت UNHCR وUNICEF والبنك الدولي وجامعة ستانفورد في اختبار قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على محاكاة إجابات مجتمعات حقيقية، مع التركيز على التنوع وعدم اليقين. أهمية التجربة ليست في قدرة الآلة على التنبؤ فقط، وإنما في اختبار قدرتها على معرفة حدود معرفتها، والاعتراف عندما تكون الأدلة غير كافية. وهنا يصبح الابتكار مرتبطاً بالتواضع المعرفي، لا بالسرعة التقنية وحدها.

ومن زاوية أخرى، يكشف انتشار الذكاء الاصطناعي مشكلة كانت موجودة في الابتكار التقليدي بصورة أقل وضوحاً: الفجوة بين التكنولوجيا والسياق المحلي. فالأنظمة الذكية قد تكون قوية في اللغات والأسواق التي تتوافر لها بيانات ضخمة، وأقل قدرة على فهم اللغات والمجتمعات ذات الموارد الرقمية المحدودة. ولهذا تعمل مبادرات اليونيسف في غرب ووسط أفريقيا على تطوير حلول للغات محلية، وقد سجلت بعض المشاريع تحسناً ملموساً في دقة التعرف على الكلام بلغات منخفضة الموارد.

وهذا يقودنا إلى معنى أعمق للابتكار: ليست الحداثة أن تأتي المؤسسة بأداة لم يستخدمها أحد من قبل، وإنما أن تجد طريقة أفضل لفهم المشكلة والتعامل معها. قد تكون الفكرة بسيطة، وقد تكون التقنية معقدة، لكن معيار الابتكار يبقى في قدرتها على إنتاج قيمة حقيقية، وتحسين حياة الناس، وتقليل الهدر، ورفع جودة القرار، ثم الاستمرار بعد انتهاء الحماس الأول.

إلى أين يتجه الابتكار؟ خلال السنوات المقبلة، يبدو أن الابتكار سيتحرك من نموذج «المشروع» إلى نموذج «النظام». ستصبح المؤسسات مطالبة ببناء بيئات تستطيع فيها الأفكار أن تُختبر بسرعة، وأن تفشل بأقل تكلفة، وأن تتعلم من الفشل، وأن تنتقل الحلول الناجحة إلى نطاق أوسع. وستتراجع قيمة المؤسسة التي تنتج أكبر عدد من التجارب أمام المؤسسة التي تعرف كيف تختار التجربة التي تستحق التوسع.

وفي المرحلة التالية سيزداد الارتباط بين الابتكار والذكاء الاصطناعي والبيانات والحوكمة. لن يكون التحدي الأساسي هو الوصول إلى نموذج ذكي؛ فالوصول إلى النماذج سيصبح أسهل وأوسع. التحدي سيكون في جودة البيانات، وحقوق الأفراد، وأمن المعلومات، والتحيز، والشفافية، والمسؤولية عن القرار، وقدرة الموظف على فهم حدود الأداة التي يستخدمها. وستصبح المؤسسات التي تتعامل مع هذه المسائل منذ البداية أكثر قدرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمة مؤسسية حقيقية.

وقد يظهر خلال العقد المقبل شكل جديد من الابتكار يقوم على التشارك بين الإنسان والآلة والمجتمع: الذكاء الاصطناعي يساعد في اكتشاف الأنماط والتنبؤ والبحث، الإنسان يفسر السياق ويتخذ القرار الأخلاقي، والمجتمع يختبر ما إذا كان الحل مناسباً لحياته فعلاً. عند هذه النقطة لن يكون السؤال: «ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟»، وإنما: «ما الذي ينبغي أن نسمح له بفعله، وما الذي يجب أن يبقى مسؤولية الإنسان؟»

لذلك فإن مستقبل الابتكار لن تحسمه المؤسسة التي تمتلك التكنولوجيا الأكثر تقدماً فقط، وإنما المؤسسة التي تستطيع أن تتعلم أسرع، وتستمع بصورة أعمق، وتجرب بذكاء، وتعرف متى تتراجع عن فكرة لم تعد نافعة، ومتى تمنح الفكرة الصغيرة فرصة للتحول إلى تغيير واسع. فالابتكار في 2026 لم يعد سباقاً نحو الجديد؛ إنه قدرة على معرفة أي جديد يستحق أن يصبح جزءاً من المستقبل.

ذات صلة

كيف تصل إلى قمة السعادة في حياتك؟العراق بعد صدمة هرمز.. أزمة ممر أم أزمة نموذج اقتصادي؟علم اجتماع الذكاء الاصطناعي.. الوكلاء الرقميون والتحولات الوجوديةمتى تتحول مسؤولية الآخرين إلى خسارة للذات؟زمن القبائل العقائديَّة