كيف تصل إلى قمة السعادة في حياتك؟
آية الله السيد مرتضى الشيرازي
2026-09-19 03:51
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال الله العظيم في كتابه الكريم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[1].
المقدمة
البشرية كلّها تبحث عن السعادة، لكن أكثرهم لا يجدها، والسرّ أنّهم يبحثون عنها في المكان الخاطئ، في الثروة والمال والمنصب و...، بينما السعادة توجد في:
1- جزاء الناس بأحسن أعمالهم، لا بأسوأها ولا بالمعدّل المتوسّط.
2- التلذّذ بجرعات السعادة الصغيرة، لكن المحيطة بنا دومًا وبالألوف.
3- الحذر من فخّ الطمع، فإنّه أعظم ما يوجب الشقاء.
والبحث يتضمّن روايات نادرًا ما تُسمع، وقصصًا معبّرة جدًّا، تصل بالمرء إلى قناعة بأنّ السعادة في العوامل الثلاثة الماضية.
المفتاح الأول: الجزاء على أفضل الأعمال
الآية الشريفة تعطينا خارطة طريق مفتاحية للوصول إلى قمة السعادة والحياة الطيّبة، وفي هذا البحث نقتصر على إحدى البصائر القرآنية التي تلقي الضوء على أحد أهم مفاتيح السعادة.
المفتاح الأول للسعادة: وهو ما أشار إليه تعالى بقوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فإنّ هذه الخصلة، الجزاء على أفضل العمل، لا على أردئه ولا على المعدّل المتوسط لمجموع الأعمال، من أهم عوامل سعادة الإنسان. فلنبدأ أولًا بإيضاح الأمر في سنّته تعالى في جزاء خلقه، ثم نثنّي بالكلام عمّا ينبغي أن نفعله نحن، وكيف يفتح ذلك لنا أبواب السعادة.
فإنّ الناس يَجزون من عمل سيئًا، عادة، إمّا بأسوأ ما عمل، أو غاية الأمر بالمعدّل من مجموع أعماله. فإذا رسب طالب في عدد من الدروس، فإنّ المعلّم إمّا أن يعتبره راسبًا، أو أن يعطيه درجة متوسّطة من حصيلة مجموع الدروس. وإذا تكاسل موظّف عن المجيء إلى الشركة ثلاثة أيّام في الشهر، مثلًا، فإنّ المدير لا يلاحظ الأيّام التي التزم فيها بالحضور، وإنّما يطرده أو يعاقبه بحسب هذه الأيّام، أو غاية الأمر، وكما سبق، يعطيه جزاءه بحسب المعدّل العام. وكذلك الزوج مع زوجته، فإنّه إذا رأى كلّ المنزل نظيفًا منظّمًا إلا غرفة واحدة، فإنّه يأخذها بأسوأ عملها، ولا ينظر إلى جهدها الذي بذلته في تنظيف المنزل كلّه إلا غرفة واحدة.
وكذلك الصديق مع صديقه، فإنّه إذا أهانه اليوم، مثلًا، بشتيمة أو بضربة، فإنّه كثيرًا ما ينسى كلّ حسناته نحوه، وكلّ صداقته معه طوال السنين الماضية، فيقطع علاقته به، أو يواجهه بعنف، أو يردّ له الصاع صاعين، وفي أفضل الفروض، فإنّه يخفض تصنيفه له ومكانته عنده.
أمّا الله تعالى، فإنّه، وبصريح الآية الكريمة، يجزي المؤمن الذي عمل صالحًا بأحسن عمله، لا بالأسوأ ولا بالمعدّل المتوسّط من المجموع، وأحسن الأعمال هو الإيمان نفسه. بل ورد في الرواية ما مضمونه: إنّ الإنسان إذا قبل الله تعالى منه عملًا واحدًا فقط، أدخله الجنّة! أي إنّه لو صام وصلّى وخمّس وزكّى وحجّ واعتمر وأطعم الفقراء والمساكين وعمل ألف عمل وعمل، ولم يقبل الله منه أيّ شيء منها إلا واحدًا، لم يقبل أيًّا منها لكونها رياءً أو سمعة، أو لأنّه أحبطها بظلم ونحوه، فإنّ الله تعالى بجوده وكرمه يكتفي بصدقه في عمله الواحد هذا ويدخله الجنّة...
وهذا بالضبط هو الذي إذا عملنا به، تحوّلت حياتنا إلى حياة سعيدة، وذلك لأنّ الذي يجزي الناس بأفضل أعمالهم ويتغاضى عن سيئاتهم، فإنّ الناس يحبّونه ويلتفّون حوله. ففي الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَنْ لَانَ عُودُهُ كَثُفَتْ أَغْصَانُهُ»[2]، كما أنّه ينتشر عنه الذكر الحسن والسمعة الجيّدة، ويزداد أعوانه وأنصاره ونفوذ كلمته في المجتمع، ويقفون له في الأزمات، فتكون حياته حياة سعيدة بالدرجة نفسها، عكس من يجزي الناس بأسوأ أعمالهم، فإنّ الناس ينفضّون من حوله، وسوف لا تسمع عنه إلا سيّئ الذكر ومرّ الأخبار. وأمّا الذي يعاملهم بمتوسّط معدّل أعمالهم، فإنّهم يعتبرونه كأدناهم، ولا يكاد يتذوّق طعم السعادة إلا غرغرة أو مضمضة، فهذا هو المفتاح الأوّل إذًا.
المفتاح الثاني: البحث عن السعادة في الأمور الروتينية والصغيرة
وأمّا المفتاح الثاني، فهو ما سبق من: «ابحث عن السعادة في الأشياء الصغيرة والأمور المتعوّد عليها، بدل أن تبحث عنها في الأشياء الكبيرة». ومزيد الفوائد في هذا المفتاح: إنّ السعادة الكلية الجامعة المانعة في الأمور الكبرى ليست ممّا قدّره الله تعالى للإنسان في الحياة الدنيا، وإلى ذلك تشير الروايات الشريفة، حيث تصرّح بأنّ بعض الناس يتمنّى المستحيل، أو إنّ بعض الناس يطلب ما لم يخلق الله تعالى ولا يخلقه في الدنيا، فيشقى في دنياه كما يخسر آخرته.
قال (عليه السلام): لا تتمنوا المستحيل
فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) لأصحابه: «لَا تَتَمَنَّوُا الْمُسْتَحِيلَ».
قالوا: «وَمَنْ يَتَمَنَّى الْمُسْتَحِيلَ؟».
فقال: «أَنْتُمْ، أَلَسْتُمْ تَمَنَّوْنَ الرَّاحَةَ فِي الدُّنْيَا؟».
قالوا: «بَلَى».
فقال: «الرَّاحَةُ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا مُسْتَحِيلَةٌ»[3].
وفي رواية أخرى مزيد تفصيل وبيان: «سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ بِعَزَاءِ اللَّهِ، تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ، وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ إِلَّا كَكِفَّتَيِ الْمِيزَانِ، فَأَيُّهُمَا رَجَحَ ذَهَبَ بِالْآخَرِ، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، يَعْنِي الْقِيَامَةَ، لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ، خَفَضَتْ وَاللَّهِ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ إِلَى النَّارِ، رَافِعَةٌ، رَفَعَتْ وَاللَّهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ جُلَسَائِهِ، فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَجْمِلْ فِي الطَّلَبِ، وَلَا تَطْلُبْ مَا لَمْ يُخْلَقْ، فَإِنَّ مَنْ طَلَبَ مَا لَمْ يُخْلَقْ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ حَسَرَاتٍ، وَلَمْ يَنَلْ مَا طَلَبَ.
ثُمَّ قَالَ: وَكَيْفَ يُنَالُ مَا لَمْ يُخْلَقْ؟
فَقَالَ الرَّجُلُ: وَكَيْفَ يُطْلَبُ مَا لَمْ يُخْلَقْ؟
فَقَالَ: مَنْ طَلَبَ الْغِنَى وَالْأَمْوَالَ وَالسَّعَةَ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّمَا يَطْلُبُ ذَلِكَ لِلرَّاحَةِ، وَالرَّاحَةُ لَمْ تُخْلَقْ فِي الدُّنْيَا وَلَا لِأَهْلِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا خُلِقَتِ الرَّاحَةُ فِي الْجَنَّةِ وَلِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَالتَّعَبُ وَالنَّصَبُ خُلِقَا فِي الدُّنْيَا وَلِأَهْلِ الدُّنْيَا.
وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْهَا جَفْنَةً إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الْحِرْصِ مِثْلَيْهَا، وَمَنْ أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا أَكْثَرَ كَانَ فِيهَا أَشَدَّ فَقْرًا، لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى النَّاسِ فِي حِفْظِ أَمْوَالِهِ، وَيَفْتَقِرُ إِلَى كُلِّ آلَةٍ مِنْ آلَاتِ الدُّنْيَا، فَلَيْسَ فِي غِنَى الدُّنْيَا رَاحَةٌ، وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ يُوَسْوِسُ إِلَى ابْنِ آدَمَ أَنَّ لَهُ فِي جَمْعِ ذَلِكَ الْمَالِ رَاحَةً، وَإِنَّمَا يَسُوقُهُ إِلَى التَّعَبِ فِي الدُّنْيَا وَالْحِسَابِ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ. ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): كَلَّا»[4].
وذلك صريح قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾[5]، و﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾[6].
فهذه الحقيقة هي التي يجب أن نذعن بها من أعماق قلوبنا، وأنّ الراحة في الدنيا مستحيلة، وحينئذٍ فإنّنا سنتعامل مع المشاكل والكَبَد بنفس مطمئنّة بقضاء الله وقدره، فنسعد من جهة. ومن جهة أخرى: أ- إذا علمنا بأنّ الله تعالى قرر السعادة الممكنة لنا في مجاميع الأشياء الصغيرة فقط، ب- وعرفنا بأنّ الأشياء الصغيرة تحيط بنا إحاطة السوار بالمعصم، وهي بالمئات، بل الألوف، وأكثر ممّا يحتوشنا من كل جانب وفي كل آن، ج- أحسسنا لذّة الحياة الطيّبة، وعشنا حياة سعيدة لا تقارن بمن لم يتعرّف على هذه القاعدة الذهبيّة.
نماذج من جرعات السعادة الصغيرة
ولنضرب عددًا من الأمثلة على ضوء الروايات الواردة في هذا الحقل.
أ- الفاكهة، فإنّنا نأكلها دومًا كشيء روتيني-ميكانيكي، لكنّنا نغفل عن ملاحظتها والتعامل معها كمصدر سعادة، وهي كذلك حقًّا. فلاحظ كيف كان يتعامل الرسول (صلّى الله عليه وآله) مع الفاكهة.
ففي حديث من أحاديث سلسلة الذهب، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام)، عن علي (عليه السلام) قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) إِذَا رَأَى الْفَاكِهَةَ الْجَدِيدَةَ قَبَّلَهَا، وَوَضَعَهَا عَلَى عَيْنَيْهِ وَفَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ كَمَا أَرَيْتَنَا أَوَّلَهَا فِي عَافِيَةٍ فَأَرِنَا آخِرَهَا فِي عَافِيَةٍ»[7]. وتصوّر كم يزداد إحساسك بالسعادة لو قبّلت الفاكهة ووضعتها على عينيك ثم على فمك! إنّه شيء صغير، لكنّه بمجموع تراكماته يتحوّل إلى مئات من جرعات السعادة على مرّ الأيام، إضافة إلى ما في تشبيك الأكل المادي بالدعاء المعنوي، فإنّه يزيدك سعادة على سعادة، إذ تحس بكل وجودك نعمة الله عليك، إذ رزقك الفاكهة والعافية معًا.
ب- وكذلك الحال في الورود والرياحين، فعن مالك بن الجهني قال: «نَاوَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقَ شَيْئًا مِنَ الرَّيَاحِينِ، فَأَخَذَهُ فَشَمَّهُ، وَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَنَاوَلَ رَيْحَانَةً فَشَمَّهَا وَوَضَعَهَا عَلَى عَيْنَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، لَمْ تَقَعْ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ»[8].
ج- ونظير ذلك ما ورد في سلسلة الذهب، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي (عليه السلام) قال: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) إِذَا لَبِسْتُ ثَوْبًا جَدِيدًا أَنْ أَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي مِنَ الرِّيَاشِ مَا أَتَجَمَّلُ بِهِ فِي النَّاسِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا ثِيَابَ بَرَكَةٍ أَسْعَى فِيهَا بِمَرْضَاتِكَ، وَأَعْمُرُ فِيهَا مَسَاجِدَكَ، فَإِنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَتَقَمَّصْهُ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ»[9]. فحتى عندما تلبس ملابسك، يمكنك أن تستشعر السعادة من جهة، وتتلذذ بهذه النعمة، وأن تتذكر ربك وتدعوه، وتؤكد ضمن الدعاء على حسن سيرتك ومرضي أفعالك: «أَسْعَى فِيهَا بِمَرْضَاتِكَ، وَأَعْمُرُ فِيهَا مَسَاجِدَكَ» من جهة أخرى.
د- وفي مستوى أعمق: ورد عن جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام)، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: «مَنْ رَأَى يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا أَوْ أَحَدًا عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنِي عَلَيْكَ بِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِالْقُرْآنِ كِتَابًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِعَلِيٍّ إِمَامًا، وَبِالْمُؤْمِنِينَ إِخْوَانًا، وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً؛ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِي النَّارِ أَبَدًا»[10].
وهو يتضمن:
1- تذكيرًا مستمرًا للنفس بنعمة الإسلام العظيمة، وبنعمة الثقلين العظمى، وبنعمة الكعبة والأخوة الإيمانية.
2- وإيحاءً خفيًا بألا يفرط بها، ويبقى ثابت القدم، حتى إذا ما اعترته شبهة، أو عصفت به فتنة، أو تعرّض لضغط كبير، أو إغراء شديد، أو نحو ذلك.
3- ويبعث في النفس الرضا والسرور والبهجة والحبور، ومن ثم يعطيك جرعة سعادة جديدة.
هـ- وفي مستوى آخر، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «مَنْ نَظَرَ إِلَى ذِي عَاهَةٍ أَوْ مَنْ قَدْ مُثِّلَ بِهِ أَوْ صَاحِبِ بَلَاءٍ، فَلْيَقُلْ سِرًّا فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْمِعَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَلَوْ شَاءَ لَفَعَلَ بِي ذَلِكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُهُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ أَبَدًا»[11].
ولم تكن هذه إلا عينة من مجموعة كبيرة جدًّا من النعم الصغيرة والكبيرة التي تحيط بنا دومًا، والتي لو فكرت فيها كلما نظرت إليها أو كانت حواليك، نظرة تدبر وشكر وتقدير واعتزاز، لذقت طعم السعادة في اليوم الواحد مرات كثيرة.
والحاصل: أنّ الممكن هو الحصول على جرعات السعادة الصغيرة، لكن الكثيرة، المتنوّعة، السهلة التناول جدًّا، لكل شخص في كل زمان ومكان. أمّا جرعات السعادة الكبيرة، فإمّا أنها غير ممكنة أصلًا، أو إذا كانت ممكنة فإنّها لا تتجاوز الأقل من الأقل من القليل من الناس، على أنّها محفوفة بالمخاطر والأهوال، معرّضة للأفول والزوال.
بل نقول: إنّ الإنسان إذا اعتاد النعم الجسيمة، تحوّلت النعم إلى أمور ثانوية عادية عنده، بسيطة لديه، لا قيمة لها أصلًا، والقصة التالية تجسّد ذلك كلّه أعظم تجسيد.
قصة المبتلى بسرطان الحلق، في سجن المشفى الرهيب
فقد ابتلي أحد أفاضل الخطباء الصالحين، رحمه الله، قبل عقود من الزمن بسرطان الحلق والمريء والحنجرة إثر إدمانه على التدخين. وحيث استفحل السرطان به، فَقَدَ تدريجيًا القدرة على الكلام، وتصوّر الآن عظيم هذه النعمة عليك، وعجيب غفلتنا عنها وعن نظائرها... ولو تجسّدنا هذه النعمة وأشباهها كل يوم، فحمدنا الله تعالى عليها، لاستشعرنا السعادة على امتداد الخط، حتى إنك إذا وجدت منغّصات، فإنك عندما تقارنها بما تملك، تعرف جلالة ما عندك!
واستمرّ الحال بذلك الخطيب المبتلى بالسرطان على تلك الحال حوالي سنتين، ولما اشتدّ به المرض نُقل إلى المستشفى. وحيث ساءت حالته وتدهورت صحّته أكثر، وضعوا في أنفه وفمه الأنابيب، وفي شرايين يديه أيضًا، ثم حيث خافوا أن يسحب الأنابيب من أنفه وفمه، ربطوا يديه! فكان في أضيق حال... وقد زرته قبل أقلّ من أربعة عقود في المشفى، فهزّني منظره إلى أبعد الحدود، وعرفت عظيم نعمة الله علينا؛ إذ لسنا على تلك الحال وأمثالها... لكننا عن هذه النعم غافلون.
والمؤلم أيضًا أنّ ابنه الكريم نقل لي أنّ والده، حيث كان مدمنًا على التدخين، والمدمن يشقّ عليه جدًّا الحرمان، وحيث كان لا يمكنه التدخين وهو بتلك الحال موصولًا بالأجهزة ومربوط اليدين، لذا كان يشير إلى ابنه لكي يدخّن، أي الابن، ثم ينفخ الدخان في وجه أبيه كي يشمّ ولو بعض الشيء رائحة الدخان!... هذا ونحن غافلون عن العشرات من أمثال هذه النعم التي تحيط بنا، ونجهل أكثرها.
ولعلّه لذا وغيره يستحبّ أن يقرأ الإنسان أدعية العافية، ومنها دعاء الإمام السجّاد (عليه السلام): «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَأَلْبِسْنِي عَافِيَتَكَ، وَجَلِّلْنِي عَافِيَتَكَ، وَحَصِّنِّي بِعَافِيَتِكَ، وَأَكْرِمْنِي بِعَافِيَتِكَ، وَأَغْنِنِي بِعَافِيَتِكَ، وَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِعَافِيَتِكَ، وَهَبْ لِي عَافِيَتَكَ، وَأَفْرِشْنِي عَافِيَتَكَ، وَأَصْلِحْ لِي عَافِيَتَكَ، وَلَا تُفَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنَ عَافِيَتِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»[12].
المفتاح الثالث: الحذر من فخاخ إبليس!
المفتاح الثالث: احذر فخاخ إبليس، ذلك أنّه كما أنّ الصيادين قد يملأون أنحاء من الغابة بالفخاخ، كذلك إبليس قد ملأ حياتنا بمختلف أنواع الفخاخ الخطرة. ومن أهم أنواعها فخ الطمع والجشع والحرص، وهو أكبر المصائد والشباك التي تقضي على السعادة وتورث الشقاء، وفي المقابل فإنّ القناعة هي من أهم مفاتيح السعادة.
أخطر فخ يوجب الشقاء: فخ الطمع
إنّ الطمع، أخطر ما فيه أنّه لا يضع للإنسان خط نهاية، والطماع غير راضٍ أبدًا بما لديه، بل نراه يزداد طمعًا وجشعًا كلّما امتلك أكثر فأكثر. قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، فهو غير سعيد أبدًا؛ لأنّه يركّز فكره وذكره على ما يفتقده، ولا ينظر أبدًا إلى ما يملكه إلا بعين الاحتقار والاستصغار؛ لأنّه يراه بالقياس إلى غيره الأكثر منه مالًا أو جمالًا أو مكانة أو منصبًا، قليلًا ضئيلًا حقيرًا. ولذا ورد في الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ابْنَ آدَمَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مِنَ الدُّنْيَا مَا يَكْفِيكَ فَإِنَّ أَيْسَرَ مَا فِيهَا يَكْفِيكَ، وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ مَا لَا يَكْفِيكَ فَإِنَّ كُلَّ مَا فِيهَا لَا يَكْفِيكَ»[13].
ومن أروع القصص التربوية في هذا الحقل القصّتان التاليتان:
قصة ضيافة سلمان لأبي ذر: خبز يابس!
القصة الأولى: «دَعَا سَلْمَانُ أَبَا ذَرٍّ، رحمه الله، ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى ضِيَافَةٍ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ مِنْ جِرَابِهِ كِسْرَةً يَابِسَةً، وَبَلَّهَا مِنْ رَكْوَتِهِ! فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: مَا أَطْيَبَ هَذَا الْخُبْزَ لَوْ كَانَ مَعَهُ مِلْحٌ! فَقَامَ سَلْمَانُ وَخَرَجَ، وَرَهَنَ رَكْوَتَهُ بِمِلْحٍ، وَحَمَلَهُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ أَبُو ذَرٍّ يَأْكُلُ ذَلِكَ الْخُبْزَ وَيَذُرُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمِلْحَ، وَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنَا هَذِهِ الْقَنَاعَةَ. فَقَالَ سَلْمَانُ: لَوْ كَانَتْ قَنَاعَةٌ، لَمْ تَكُنْ رَكْوَتِي مَرْهُونَةً»[14].
والجراب كيس أو وعاء توضع فيه الأشياء، والركوة إناء صغير يوضع فيه الماء أو القهوة.
والذي قد يُستظهر أن سلمان كان في مقام تربية أبي ذر وإعداده للمهمات الكبرى، ولكي يتحمل مرارة الحرمان عندما يثور ضد عثمان، فينفيه إلى صحراء الربذة، فيموت فيها جوعًا وعطشًا غريبًا طريدًا.
والغريب أن أبا ذر يعد الخبز مع الملح، بدون أي شيء آخر، طعامًا كاملًا ينسجم مع قناعته، بينما يزيد عليه سلمان بدرجة؛ إذ كان يكتفي بالخبز وحده. ومن المعلوم أن طعم الحنطة بدون الملح ليس سائغًا، وأن دقيقها إذا خُبز بدون ملح لم يتذوقه المرء. والغريب أن سلمان يضيّف شخصية كأبي ذر، ثم إن مائدته كلها لا يوجد فيها إلا الخبز! ومع ذلك كانا يعيشان أسعد حياة وأهنأ عيش.
وفي المقابل، فإن الجَشِع الطمّاع ورد فيه قوله (صلى الله عليه وآله):
«لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ مِلْءَ وَادٍ مَالًا، لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُهُ، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ بَنِي آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ»[15].
قصة ديوجانس للإسكندر: ابتعد عن الشمس!
القصة الثانية: إنّ الإسكندر المقدوني، الحاكم القوي العملاق، والقائد العسكري الناجح دومًا الذي لم يُهزم في أية معركة خاضها على الإطلاق، والمؤسس لإحدى أكبر وأعظم إمبراطوريات العالم القديم، سمع أن هناك حكيمًا طبقت شهرته الآفاق، فأحب أن يراه، ولعله طلبه فرفض، فاضطر الإسكندر إلى أن يذهب إليه بنفسه. ولما وصل إليه وجده متمددًا على التراب في أرض جرداء تحت أشعة الشمس، ولعله كان فصل الشتاء... فلما وصل إليه قال له: اطلب مني أي شيء أردت! وفكّر، لو كنت مكانه، فما كنت تطلب؟ بساتين أو قصورًا أو ملايين الدنانير، أو قطعانًا من الأحصنة أو الشياه أو غيرها، أو قد تطلب منه أن يجعلك وزيرًا له أو غير ذلك.
لكن ديوجانس الحكيم قال له: طلبي الوحيد هو أن تتنحّى عني.
قال: لماذا؟
قال: لأنّك حجبت أشعة الشمس عني!
فعجب الإسكندر لزهده وغنى طبعه وترفّعه عن طلب شيء من ملذات الحياة الدنيا. وكان ديوجانس يريد إبلاغ عدة رسائل للإسكندر، ولعله لنا أيضًا: أن السعادة ليست في الرياسة والأموال، بل في أن تعيش قانعًا راضيًا بما لديك، ولو كان ظل الشمس فقط! ولذا ورد: «الْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لَا يَفْنَى»[16]، و«الْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا يَنْفَدُ»[17].
إضافة إلى رسالة أخرى نضيفها: لا تطلب من السلطان ومن ذوي النفوذ أي شيء أبدًا؛ إذ: «احْتَجْ إِلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسِيرَهُ، وَاسْتَغْنِ عَمَّنْ شِئْتَ تَكُنْ نَظِيرَهُ»[18]. ولذا ورد عن الأمير (عليه السلام): «كَفَى بِالْقَنَاعَةِ مُلْكًا وَبِحُسْنِ الْخُلُقِ نَعِيمًا»[19]. فإن أردت أن تكون ملكًا حقًّا، وأن تعيش في نعيم دومًا وسعادة، فعليك بالقناعة، ومعها حسن الخلق، تسعد حقًّا.
وصفوة القول: إنّ الذين يعيشون بقناعة ويعيشون القناعة... سعداء... سعداء، أمّا الذين ابتلوا بالطمع والجشع، فإنّهم في جوع لا يشبعون معه أبدًا، وفي شقاء ما بعده شقاء.
الخاتمة
ابتدأ البحث ببصيرة قرآنيّة: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، موضّحًا بأنّ مفتاح السعادة الأوّل هو العمل بهذه القاعدة الذهبيّة: أن تجزي الناس، الزوجة والتلميذ والموظّف...، بأحسن أعمالهم، لا بالأسوأ. وحينئذٍ ستجد ميزان محبوبيّتك وسعادتك قد ارتفع إلى درجة كبيرة، وأنّ الحبّ والسعادة يحيطان بك من كلّ مكان.
ليصل البحث إلى مفتاح السعادة الثاني، وهو البحث عن السعادة في الأشياء الصغيرة، أي التي تبدو صغيرة، والمتكرّرة والتقليديّة والروتينيّة، ولا تبحث عنها في الأشياء الكبرى أصلًا، إذ إنّك لن تجدها حينئذٍ أصلًا، مشيرًا إلى الروايات التي تصرّح بأنّ «الراحة» في الدنيا مستحيلة، متضمنًا أمثلة طريفة تصلح أن تكون مصدرًا للسعادة، كالفاكهة والرياحين ولبس الجديد، لكن كيف؟ والدعاء عند رؤية الكافر أو ذي العاهة، مشيرًا إلى قصّة معبّرة مؤلمة عن مريض فَقَد قدرته على الكلام، ثم رُبطت يداه في المستشفى... ليختم بدعاء العافية.
ليعرّج بعدها إلى المفتاح الثالث للسعادة، وهو القناعة، مشيرًا إلى قصّة ديوجانس الحكيم مع الإمبراطور الإسكندر، وإلى قصّة ضيافة سلمان لأبي ذر التي اقتصرت على الخبز فقط، لكن لماذا؟ ليختم بمفارقة السعادة والشقاء حسب ثنائية الجشع-القناعة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.