زمن القبائل العقائديَّة
عبد الامير المجر
2026-09-19 03:39
تزدحم شاشات الفضائيات وفي أغلب نشراتها الإخبارية، بعرض صور لمقاتلين غارقين بأحزمة الرصاص من مختلف البلدان العربية، سواء مشاة أو فوق آليات عسكرية وهم يرفعون شارات النصر أو يهتفون لنصر قادم وهم في ميادين القتال! حتى يخال للمشاهد أننا في زمن انتصارات مفتوح لأجل غير معلوم، والمهم أن نعيش هذه النشوة التي حرمنا منها طويلا قبل أن نتذوق حلاوتها منذ عقد ونصف واتسعت بشكل مذهل في السنين الأخيرة.
لا نظلم أحدا حين نقول إن أغلب شعوب دول منطقتنا لم تبلغ مرحلة النضج السياسي الكافي، لتحصّن نفسها من المشاريع المشبوهة التي تسللت إليها تدريجيا تحت مسميات وعناوين برّاقة مختلفة، فالآلاف بل الملايين ممن استُدرجوا لهذه اللعبة وجدوا أنفسهم يقاتلون بعضهم البعض وهم في غاية الرضا وراحة البال، فكل جهة باتت تقاتل الجهة الأخرى بوصفها عدوا له مسمى مختلفا وهدفا مختلفا وثقافة بات ينظر إليها معادية ومنبوذة.
أبناء دولة واحدة وشعب واحد، بل أبناء ديانة واحدة، لكنهم يتقاتلون تحت عناوين متنابذة اخترعوها لأنفسهم أو اخترعتها لهم جهات تريد أن تلعب بمصائر بلدانهم، فجعلت لهم مسميات وصنعت لهم قادة وأوهمتهم بأنهم أصحاب مشاريع أخلاقية كبرى ستغير التاريخ وتنتصر للقيم العليا، وعادة ما تكون مثل هذه الصراعات عنيفة وقاسية جدا، لأنها تستبطن أكثر من مسكوت عنه، ففيها الغلبة التي تمكّن من السلطة وفيها عدم الاستعداد الفطري لتسيّد جهة تراها الأخرى ضدا نوعيا لها، فهكذا حروب أو نزاعات لن تنتهي بسهولة وآثارها تبقى مستمرة تتوارثها الأجيال، وهناك شواهد كثيرة عشناها أو قرأنا عنها.
لقد باتت لكل جهة من هؤلاء المتحاربين وسائل إعلامها الخاصة وفريقها السياسي، ولها بالضرورة مؤيدوها وداعموها في الداخل والخارج، ولكل هؤلاء الداعمين أهداف لا مصلحة للشعب بها، وهذه هي الحقيقة التي لم يفق عليها البعض أو أدركوها لاحقا لكنهم يجدون صعوبة في التراجع عنها، وبأي آلية يرجعون، وقد باتوا في منتصف بحر الدم الذي صنعته أيديهم، ومجاذيفهم ووقود سفنهم تأتيهم ممن يريد لهم أن يواصلوا، ودون ذلك يخسرون حياتهم وكل شيء، فاللعبة أصبحت رهانا مكشوفا، كان وسيبقى الخاسر الأكبر فيه هو الشعب الذي وجد نفسه فيها مذ بدأت صغيرة وانتهت به إلى خراب كبير.
حين يظهر أحد (رموز) هذه اللعبة الدموية وهو يتحدث عن مقتل أعداد كبيرة من الجهة الأخرى وتدمير آلياتهم، ويرد (الرمز) الآخر بالكلام نفسه، فاعلم أن دورة الدم هذه خرجت عن السيطرة، وأن استمرارها من عدمه لم يعد قرارا ينبع من رؤية المقاتلين ومن يمثلهم في الميدان، بل سيستمر لحين تحقيق الأهداف المرسومة لها.
نعم، هذا هو واقعنا اليوم، وإن من يفرح لانتصار هذه الجهة على تلك، إنما يفرح لاستمرار نهر الدم بالتدفق. وللأسف صار مرأى الدم والخراب جزءا من حياتنا ولعل البعض يرى ما يجري هو الأمر الطبيعي، فالحياة الطبيعية التي كنّا عليها قبل عقود، اختفت وانزوت في تلافيف ذاكرة الأجيال غير الفاعلة الآن، وأيضا غير القادرة على حمل السلاح ولم تحلم بتحقيق انتصارات على طريقة القبائل العقائدية المتقاتلة اليوم!