التعايش مع الأخطاء
حسب الله يحيى
2026-08-30 03:41
اعتاد أن يستيقظ فجرا. كان يعد الفجر بداية الحياة وبداية العمل.. كان يستبق الشمس.. الشمس كسولة، تستيقظ على وفق هواها، وما من هوى لديه.. سوى الدراسة، حتى إذا انتهى من سنواتها الطويلة، وحمل شهادة الهندسة تحول الفجر إلى سكون وفراغ وبطالة.
تساءل: ما الذي يمكن أن يفعله حتى يتخلص من هذا السكون البارد، والفراغ البليد والبطالة القاتلة؟ يضيف: ما الذي يمكن أن يفعله إزاء أب تشيخ أيامه بالأمراض وتنوء أمه بالعمل المنزلي وآلام المفاصل والضغط والسكري؟
كان انتظار مستقبله؛ مفتاح كل حياتهما ومكافأة كل سنوات جهوده المضنية في الدراسة العصية فقرا وثقلا ومرارة.. لم يكن الفجر يلائم شابا مثله.. فقد اعتاد أن يوظف كل لحظه من الفجر لأداء دراسي صارم، ينتظر نقلة نوعية في حياته وحياة أبويه. غير أنه فشل في الحصول على فرصة عمل، ولم يجد في آخر الأمر، سوى القيام بعمل عنوانه (عامل نظافة) بأجر يومي زهيد.
فليكن.. يقول لنفسه، هذا أفضل من فجر كسول، ومن زمن فارغ من العمل. مضت الأيام، ولم يفلح في الانتقال إلى موقع أفضل (مراقب نظافة) مثلا فشبابه مؤهل للمراقبة، إلا أنهم قالوا له.. أنت صالح للعمل لا للرقابة وأن إدارة البلديات تجدك شابا كفوءا في مهمته.
بقي يحتمل ثقل نتانة الفضلات وعناء التعامل معها، مقترنة بسلوك خشن وكلمات غير مألوفة لديه وجفاف في طباع من يعمل معه.. ولم يكن أمامه سوى الاحتمال.
كان يعرف جيدا أن عددا من زملائه الكسالى والذين نجحوا بالغش أو الرشا أو بدرجات دنيا في أفضل الأحوال؛ يجلسون أمام مكاتب أنيقة بوصفهم مهندسين، مثلما يعرف أن عددا منهم لا يحملون شهادات ولا خبرات يشغلون مواقع غير مؤهلين لها أصلا.
كان يعرف ويتأمل ما قرأه مرة عن جاسوس لم يسئ إلى بلاده، ويخدم العدو بالتقارير أو الأسلحة أو المخدرات أو تزويد العدو بمعلومات تلحق الضرر في بلاده.. ولم يفلح أحد في الإمساك به متلبسا بالخيانة العظمى حتى كشف الأعداء انفسهم عن هويته، التي أفادهم بها كثيرا وبانت الحقيقة أمام مواطنين من بلاده.
سألوه أثناء التحقيق ماذا فعلت، ليرتاح اليك الأعداء.. نحن لم نمسك دليلا واحدا على خيانتك.. قال وفي حنجرته تتيبس الكلمات: كنت اترأس لجنة التعيينات الوظيفية واعمل على اختيار الأشخاص، الذين يتولون الوظائف الحكومية بلا خبرات ولا كفاءات!
ماذا كنت تفعل؟ لا أفعل شيئا سوى وضع الرجل غير المناسب في مكان غير مؤهل له وأعمل على إبعاد كل كفاءة.. كنت أعكس الصورة، وأضع الفاشل البليد والموظف الكسول في موقع لا شأن له به أصلا، فيما أتخلى عن كل صاحب شهادة علمية أو كفاءة محمودة.. وكانت النتيجة أن تحول الجهاز الإداري إلى جهاز فاسد، ما جعل الأعداء يستفيدون، ما كنت أفعله ومن ثم كان الضرر يلحق في بلادي.
ولماذا فعلت ذلك؟ هذه هي المهمة التي وضعت نفسي بها لقاء أموال طائلة كنت أحلم بها. إذن لم يكن الامر استثنائيا ولا غريبا على عالم تحكمه المصالح الذاتية والحاق الأذى بالبلاد والعباد. فكر أن ينتقل إلى أداء عمل آخر أقل جهدا وأفضل مكانة، واختار أن يتولى بيع الملابس المستعملة بعد أن استدان مبلغا من المال من أحد أقاربه، وأعد لنفسه مكانا بسيطا في سوق شعبي.
كان الربح شحيحا والبيع بطيئا، لكنه ارتضى لنفسه هذه المهنة وراح يبذل جهده لتطويرها، فعمل على تنسيق بضاعته وتقديم الملابس بشكل نظيف وجميل على بساطته.. وعندما تقدم خطوة نحو النجاح فوجئ بسلسلة من العقبات، فهناك أكثر من محل تم افتتاحه لبيع الملابس المستعملة ولم يكن ليقف ضد احد فلا شأن له بالاخرين فالارزاق مفتوحة والبضاعة مكشوفة. وذات صباح فيما كان ينظم فيه الملابس فوجئ بثلاثة أشخاص لفت منظرهم وملابسهم الحكومية نظره وانتباهه، وزاد من هذا الانتباه وجود ثلاثة من الشرطة بملابسهم الرسمية وأسلحتهم الحقيقية إلى جانبهم. سألوه: هل أنت مجاز للعمل، هل تدفع ضريبة ممارسة المهنة، من سمح لك البيع في هذا المكان.. أنت مخالف!
فوجى بأسئلتهم الخشنة وملامح وجهوهم القاسية: أساتذتي أنا ابيع (اللنكات) على (بسطية) متحركة وليست لهذه البضاعة الا أرباح قليلة جدا.
القانون لا يحمي المغفلين.. مطلوب منك ضريبة ممارسة مهنة وإشغال مكان عام.. أنت متجاوز.. حدق في وجوههم.. نقل وجهه إلى كل واحد منهم، بان له أن هذه الملامح لا تحمل الرحمة ولم يدعوه يكمل كلامه صاح به أحدهم ـ ليس أمامك إلا أن تدفع مبلغا جزائيا مقداره مليون دينار ومليون آخر ضريبة ممارسة مهنة. أستاذ أنا لم أعرف هذا المبلغ طوال حياتي!
يهمس أحدهم في أذن الآخر: سنخفض المبلغ إلى النصف ونعطيك وصلا بنصف المبلغ الذي تدفعه. فوجئ بالعرض الذي باتوا يساومونه عليه..ـ أستاذ أنا لا أملك لا نصف ولا ربع المبلغ.ـ إذن اغلق هذه (البسطية) وادفع المخالفة واكتب تعهدا بدفع المبلغ الجزائي وإلا سجنت.
التأم المكان بالناس وبالعاملين في المحال المجاورة.. فوجئ بأن عددا من أصحاب المحال يسألونه: هل أنت أفضل منا.. نحن جميعا سندفع.. ألا يكفي أنهم يساعدوننا بخفض المبلغ إلى النصف..؟ـ ولكنهم سيأخذون منكم النصف والنصف الآخر يذهب إلى بطونهم.. هذا منتهى الذل.. كيف ترضون بذلك؟ نعلم بذلك، ولكن هذا أفضل من دفع المبلغ مضاعفا.. نحن نريد أن نعيش. حدق في وجوههم فراها وجوها مسكونة بالخضوع والذل والمهانة والركون إلى واقع يسلبهم قوت يومهم علنا.
لم يرتض لنفسه ان يكون من شأنهم.. عز عليه هو الشاب الذي يحمل شهادة جامعية أن يتخلى عن مبادئه وقيمه حتى لو كان ثمن هذا فقدانه العمل.. حتى لو عاد إلى البطالة.. حتى لو عاد إلى عمله.. عامل نظافة.. حتى لو اقتضاه التخلي عن كل هذه الملابس المستعملة.. سيسعى إلى تصريفها بأزهد الاثمان وربما يوزعها على أقاربه من الفقراء.. حتى لو كان الأمر صعبا..
نصحه أكثر من صاحب محل: لا تجادل الحكومة و لا الطبيب ولا السجان ولا أولي الأمر.. لكنهم مخطئون.. فلا فرض الضرائب ولا إعطاء وصل بنصف المبلغ المستلم.. هذا ليس عدلا ولا انصافا وإنما هو سرقة في العلن وقبولنا ذل ومهانة ومساومة غير عادلة.. تقدم اليه إحدهم: لا تمارس دور البطولة علينا.. برقابنا عوائل وأطفال... بل لا أمارس الذل والرضا وابتزازكم علنا.
توجه إليه آخر: تعرف إن ما نقوله صحيح ولكننا نريد أن نعيش وألا نصطدم مع الحكومة. انتم تتعايشون مع الأخطاء، وأنا لن أفعل.. ومضى متجها إلى المجهول فهذا أفضل من أن يقبل بالأخطاء، يقبل أن يكون عامل نظافة بأجر زهيد وبكرامة أفضل بكثير من القبول بالأخطاء.