لماذا لا يقرأ المثقفُ العراقي المثقفَ العراقي؟

النرجسية الثقافية وهدر التراكم المعرفي

محمد عبد الجبار الشبوط

2026-08-20 03:47

في المقالات السابقة من هذه السلسلة تناولت مشكلة علاقتنا بالأفكار من زوايا مختلفة: تساءلت أولًا لماذا نبحث أحيانًا عن أفكارنا في الخارج بينما لا ندخل في حوار جاد مع ما ينتجه العقل العراقي المعاصر، ثم انتقلت إلى الحديث عن «المعمل الثقافي» الذي يفترض أن يستقبل الأفكار الوافدة والمحلية معًا، فيختبرها ويفككها ويعيد إنتاجها في ضوء أسئلة المجتمع العراقي، قبل أن أتناول مفهوم «الكتلة التاريخية» عند غرامشي لأطرح السؤال الذي ينبغي أن يرافق استدعاءه إلى الواقع العراقي: ما الفكرة أو المشروع الذي ستتحرك بموجبه هذه الكتلة؟ غير أن هذه المناقشات كلها تقود إلى مشكلة أخرى ربما تكون أكثر حساسية، لأنها لا تتعلق بالأفكار وحدها، وإنما بعلاقة منتجي الأفكار بعضهم ببعض: لماذا يبدو التواصل الفكري بين الكتاب والمثقفين العراقيين أضعف مما ينبغي؟ ولماذا يصعب علينا أحيانًا أن نبني أفكارنا فوق أفكار بعضنا بعضًا؟

لا أريد أن أقدم تشخيصًا نفسيًا للكتاب العراقيين، ولا أن أستخدم مفهوم النرجسية بوصفه تهمة نوزعها على الأشخاص. فمثل هذا الاستخدام سيكون تبسيطًا ظالمًا لمشكلة ثقافية واجتماعية معقدة. لكن يمكن الحديث، في تقديري، عن نرجسية ثقافية بوصفها نمطًا من السلوك داخل المجال الثقافي، يظهر عندما يصبح إثبات الحضور الفردي أهم من المشاركة في بناء معرفة مشتركة، وحين يتعامل الكاتب مع إنتاج الآخرين القريبين منه بوصفه منافسة على المكانة أكثر مما يتعامل معه بوصفه مادة للحوار والتراكم.

ولعل من المفارقات التي تستحق التأمل أن المثقف يستطيع أن يناقش غرامشي أو هابرماس أو فوكو أو روالز باستفاضة، وأن ينسب المفهوم إلى صاحبه بلا حرج، وأن يبني عليه ويختلف معه ويستعين به في تعزيز أطروحته، بينما قد يصبح الأمر أكثر تعقيدًا عندما يتعلق بفكرة طرحها كاتب عراقي معاصر يعرفه أو يتحرك معه داخل المجال الثقافي نفسه. والسبب ليس بالضرورة سوء نية أو رغبة واعية في إنكار الآخرين، وإنما قد يرتبط بالبنية النفسية والاجتماعية للمجال الثقافي نفسه؛ لأن غرامشي لا ينافس الكاتب العراقي على المكانة داخل الصحافة العراقية، وهابرماس لا يشاركه الجمهور نفسه، وروالز لا ينافسه على الاعتراف داخل الوسط الثقافي المحلي، بينما يفعل ذلك، أو يُتخيَّل أنه يفعله، الكاتب الذي يعيش في المدينة نفسها وينشر في الصحيفة نفسها ويتوجه إلى الجمهور نفسه.

وهنا يمكن أن تتحول المعرفة، من حيث لا نشعر، إلى نوع من اقتصاد المكانة. فلا يعود السؤال الوحيد: هل هذه الفكرة صحيحة أو مفيدة؟ وإنما يتسلل إليه سؤال آخر: لمن ستُنسب؟ ومن سيحصل على الاعتراف بسببها؟ وهل الإشارة إلى صاحبها ستزيد من مكانته؟ وهل البناء عليها سيجعلني تابعًا له بدل أن أكون صاحب مشروع مستقل؟

عندما تدخل هذه الحسابات إلى المجال الفكري يبدأ التراكم المعرفي بالتعطل، لأن المعرفة بطبيعتها لا تستطيع أن تتقدم إذا أراد كل كاتب أن يبدأ من الصفر. فالإنسان الفرد لا يمتلك من العمر والطاقة والمعرفة ما يسمح له بإعادة اكتشاف كل شيء بنفسه، ولذلك تقوم الحضارة أصلًا على مبدأ التراكم: يبدأ اللاحق من النقطة التي وصل إليها السابق، ويضيف إليها أو يصححها أو ينقضها، ثم يأتي آخر فيفعل الشيء نفسه. وبهذه العملية البطيئة تتحول الأفكار الفردية إلى رصيد معرفي جماعي.

ولم تنشأ المدارس الفكرية الكبرى لأن مفكرًا عبقريًا ظهر منفردًا ثم قال كلمته وانتهى الأمر، وإنما لأنها تكونت داخل شبكات كثيفة من الحوار والاختلاف والتأثير المتبادل. فالفيلسوف يقرأ معاصريه وسابقيه، ويحدد موقعه منهم، ويعترف بما أخذه منهم، ثم يبين مواضع اختلافه معهم. وقد تكون أشد لحظات الفكر خصوبة هي تلك التي يختلف فيها مفكران اختلافًا جذريًا، لأن الاختلاف المعلن والموثق يفتح أمام المعرفة طرقًا جديدة لا يفتحها التجاهل.

أما عندما يكتب كل واحد منا وكأنه أول من وصل إلى السؤال، فإننا قد ننتج كتبًا ومقالات كثيرة، لكننا لا ننتج بالضرورة حركة فكرية. فالحركة الفكرية ليست مجموع عدد الكتّاب، وإنما شبكة العلاقات المعرفية التي تنشأ بينهم. وقد يكون في بلد ما مئات المثقفين الذين ينشرون باستمرار، ومع ذلك يظل إنتاجهم جزرًا منفصلة إذا لم يقرأ بعضهم بعضًا ولم يناقش بعضهم بعضًا ولم تتولد الأفكار الجديدة من الاحتكاك بين مشروعاتهم.

وهنا تكمن إحدى مشكلات الثقافة العراقية التي تستحق مواجهة صريحة. لدينا قدر غير قليل من الإنتاج الفكري، لكننا لا نجد بالقدر نفسه تقاليد راسخة في الحوار بين المشروعات الفكرية العراقية المعاصرة. نقرأ المقالات والكتب، وقد نعجب بها أو نختلف معها في مجالسنا الخاصة، لكن ذلك لا يتحول دائمًا إلى سجال معرفي مكتوب يسمح للقارئ بأن يرى كيف تتفاعل الأفكار وتتطور.

وقد يصدر كتاب مهم فلا نجد حوله إلا عرضًا صحفيًا أو احتفاءً شخصيًا أو صمتًا، بينما الذي يحتاج إليه الكتاب لكي يصبح جزءًا من المعرفة ليس الاحتفاء وحده، بل النقد الذي يضعه في سياق ويكشف إضافته وحدوده.

ولا أستثني نفسي من هذه المسؤولية، لأن النرجسية الثقافية، إذا كانت موجودة، ليست عيبًا عند «الآخرين» نقف نحن خارجه. كل كاتب معرض لأن يحب فكرته أكثر مما ينبغي، وأن يشعر بالرضا حين يُشار إليه، وأن ينزعج حين يرى فكرة اشتغل عليها تظهر في خطاب آخر من دون إشارة إلى جهده. وهذه مشاعر بشرية مفهومة، لكن الثقافة تبدأ حين نستطيع تنظيم هذه المشاعر بقواعد أخلاقية ومعرفية تجعل قيمة الفكرة أعلى من ملكية الفكرة، والتراكم المعرفي أعلى من المكانة الشخصية.

وهذا لا يعني إلغاء حقوق أصحاب الأفكار أو التساهل في نسبتها إليهم. على العكس، فإن الاعتراف بالمصدر جزء أساسي من أخلاق المعرفة. لكن الفرق كبير بين حماية الحق الفكري وبين تحويل المعرفة إلى ممتلكات مغلقة. عندما يقدم أحدنا مفهومًا، فإن أفضل ما يمكن أن يحدث له ليس أن يظل الآخرون يكررون اسمه، وإنما أن يتحول المفهوم إلى موضوع للنقاش، وأن يضيف إليه الآخرون، وربما يصلوا به إلى نتائج لم يتصورها صاحبه الأول. عندئذ تكون الفكرة قد بدأت حياتها الحقيقية.

وقد قدم الصديق محمد سلطان، في النقاش الذي أعقب أحد مقالات هذه السلسلة، مثالًا إيجابيًا لما أقصده. فهو لم يكتف بالإشادة بالمقال، ولم يرفضه، ولم يأخذ السؤال ليبدأ منه نصًا منفصلًا يتجاهل ما سبقه، وإنما دخل في حوار مباشر مع أطروحته، وحدد ما رآه نقصًا فيها، واقترح الانتقال من مجرد لفت الانتباه إلى الإنتاج الفكري المحلي إلى تحليل «الخطاب الثقافي» نفسه بوصفه المعمل الذي يستقبل المفاهيم الوافدة ويختبرها ويعيد إنتاجها. ولم أشعر أن ملاحظته تنتقص من المقال، بل رأيت فيها إضافة إليه، ومنها ولد المقال التالي عن «المعمل الثقافي». وهكذا ينبغي، في تصوري، أن تعمل المعرفة: فكرة تستدعي نقدًا، والنقد يولد فكرة أخرى، والفكرة الجديدة تفتح سؤالًا ثالثًا، من دون أن يشعر أحد بأن نمو فكرة الآخر يعني انكماش حضوره هو.

لكن النرجسية الثقافية لا تعمل بهذه الطريقة. فهي تجعل العلاقة بين المثقفين أقرب إلى لعبة محصلتها صفر: إذا ارتفعت مكانتك انخفضت مكانتي، وإذا اعترفت بإضافتك فقد انتقصت من أصالتي، وإذا بنيت على فكرتك فقد اعترفت بأنك سبقتني إليها. وفي مثل هذه البيئة يصبح التجاهل أحيانًا أسهل من النقد، لأن النقد الجاد يقتضي أولًا الاعتراف بأن أمامنا فكرة تستحق أن تُقرأ.

وهذه النقطة بالذات شديدة الأهمية. فنحن نتصور عادة أن الاعتراف بالآخر يعني الاتفاق معه، مع أن الأمرين مختلفان تمامًا. تستطيع أن تعترف بأن فلانًا طرح مفهومًا مهمًا ثم تكتب دراسة كاملة لإثبات خطئه. بل إن هذا أكثر احترامًا للفكر من المجاملة، لأنك تكون قد تعاملت معه بوصفه شريكًا يستحق المناقشة. أما أن تستخدم السؤال نفسه والمفردات نفسها وربما بعض النتائج نفسها من دون أن تدخل في حوار مع من سبقك إليها، فذلك يحرم الثقافة من إمكانية رؤية سلسلة تطور الفكرة.

ومن هنا يصبح التجاهل نوعًا آخر من هدر القيمة المعرفية. وقد تحدثت في المقالات السابقة عن هدر الفكرة المحلية حين لا نختبرها، وعن هدر الفكرة الوافدة حين نستوردها ونكررها من دون إعادة إنتاجها، لكن هناك هدرًا ثالثًا يحدث عندما توجد الأفكار والعقول معًا، ثم تعجز عن الاتصال فيما بينها. ففي هذه الحالة لا نهدر الفكرة فقط، وإنما نهدر القيمة التي كان يمكن أن تنتج من تفاعل فكرتين.

وهذه قيمة لا يملكها أي من الطرفين منفردًا. فقد تكون لدي فكرة، ولدى كاتب آخر فكرة مختلفة، لكن الحوار بينهما قد ينتج فكرة ثالثة لم تكن موجودة عند أي منا قبل الحوار. وهذه هي القيمة المضافة للمعرفة. وإذا كانت الفلسفة الحضارية تنظر إلى التطور من خلال قانون «تعظيم القيمة وتقليل الهدر»، فإن الحوار الفكري يمثل عملية واضحة لتعظيم القيمة؛ لأنه يجعل الناتج المعرفي من تفاعل العقول أكبر من مجموع ما كانت تملكه وهي منفصلة.

أما النرجسية الثقافية فتفعل العكس؛ فهي تحول المجتمع الثقافي إلى مجموعة من الوحدات المغلقة التي تحاول كل منها تعظيم حضورها الفردي، فتقل القيمة الكلية التي يستطيع المجتمع إنتاجها. وقد يبدو كل كاتب نشيطًا ومنتجًا، لكن المحصلة الحضارية تبقى محدودة، تمامًا كما يمكن لعدد كبير من الأفراد أن يعملوا بكفاءة منفردة بينما يفشل النظام كله لأن العلاقات بينهم غير منظمة.

وهذا يعيدنا إلى «المعمل الثقافي» الذي تحدثنا عنه. فذلك المعمل ليس مبنى ولا مؤسسة واحدة، وإنما شبكة من الجامعات والصحف والمجلات ومراكز الدراسات والمنتديات والكتّاب والباحثين والقراء. وأهم مادة يعمل عليها ليست الكتب وحدها، وإنما العلاقة بين العقول.

فإذا كانت هذه العلاقة قائمة على الحوار والنقد والاعتراف المتبادل أمكن للأفكار أن تتراكم، أما إذا حكمتها المنافسة الشخصية والحساسيات والإقصاء والتجاهل، فإن أفضل المؤسسات قد تنتج كمية كبيرة من الأوراق من دون أن تنتج مدرسة فكرية حقيقية.

ومن هنا فإن بناء حياة ثقافية عراقية أكثر نضجًا يحتاج إلى تغيير بعض تقاليدنا، بحيث يصبح طبيعيًا أن يخصص كاتب مقالًا كاملًا لمناقشة فكرة لكاتب عراقي آخر، وأن يقول بوضوح: أخذت هذه الفكرة من فلان وطورتها في هذا الاتجاه، أو أختلف مع فلان في هذه النقطة للأسباب التالية. وينبغي ألا يُفهم ذلك بوصفه تقليلًا من أصالة الكاتب، بل علامة على نضجه؛ لأن الأصالة الفكرية لا تعني أن تدعي أنك ولدت من دون آباء معرفيين، وإنما أن تعرف ماذا أخذت، وماذا أضفت، وأين اختلفت.

كما أننا بحاجة إلى استعادة قيمة السجال الفكري المحترم. فالسجال عندنا يتحول أحيانًا بسرعة من نقد الفكرة إلى نقد الشخص، ومن مناقشة الحجة إلى تصنيف صاحبها سياسيًا أو طائفيًا أو أيديولوجيًا. وحين يعرف المثقف أن اعتراضه على فكرة قد يتحول إلى خصومة شخصية، يصبح الصمت أكثر أمانًا، فتخسر الثقافة مرة أخرى. لذلك فإن بناء التراكم المعرفي يحتاج إلى أخلاق للحوار تجعل الاختلاف طبيعيًا، بل مطلوبًا، من دون أن يفسد العلاقات الإنسانية بين المختلفين.

وإذا أردنا فعلًا بناء «كتلة تاريخية» عراقية تحمل مشروعًا للتغيير، كما ناقشنا في المقال السابق، فإن هذا الشرط يصبح أكثر إلحاحًا. فكيف يستطيع المثقفون أن يسهموا في بناء كتلة تاريخية للمجتمع إذا كانوا عاجزين عن بناء كتلة معرفية فيما بينهم؟ وكيف ندعو المجتمع إلى تجاوز الطائفة والعشيرة والحزب والجماعة بينما يبني بعضنا حول ذاته جزيرة فكرية صغيرة لا يعترف فيها إلا بما ينتجه بنفسه؟

الكتلة التاريخية تحتاج إلى فكرة، كما قلت سابقًا، لكن الفكرة نفسها تحتاج إلى عقول متعددة تحملها وتنقدها وتطورها. ولا يستطيع شخص واحد، مهما امتلك من قدرة، أن ينتج وحده مشروعًا تاريخيًا كاملًا لمجتمع معقد مثل العراق. المشروع الكبير لا يكتمل إلا عندما يتحول من فكرة صاحب إلى فضاء للحوار الجماعي.

ولهذا فإن تجاوز النرجسية الثقافية ليس مسألة أخلاق شخصية فحسب، وإنما شرط من شروط النهضة الفكرية. فالمجتمع الذي لا تستطيع نخبه أن تتعلم من بعضها، وأن تعترف بإضافات بعضها، وأن تختلف من دون أن تتخاصم، سيظل يعيد إنتاج الأفكار في جزر منفصلة، وسيفقد في كل مرة القيمة التي كان يمكن أن يولدها التفاعل بينها.

إننا لا نحتاج إلى عدد أكبر من المثقفين الذين يتكلم كل واحد منهم وحده بقدر حاجتنا إلى ثقافة تجعل المثقفين يتكلمون بعضهم مع بعض. وعندها لن تكون الإشارة إلى فكرة زميل اعترافًا بتفوقه، ولن يكون نقده إعلان خصومة، ولن يكون تطوير مفهومه تنازلًا عن الأصالة، بل ستكون هذه كلها حلقات طبيعية في إنتاج المعرفة.

وحين نصل إلى هذه المرحلة، قد نكتشف أن لدى العراق من الأفكار أكثر مما كنا نتصور، وأن المشكلة لم تكن دائمًا في ندرة الأفكار، وإنما في أن كل فكرة كانت تتحدث وحدها. فالحضارة لا يبنيها صوت واحد مهما كان عاليًا. الحضارة تبدأ حين تتحول الأصوات المتعددة إلى حوار ينتج قيمة جديدة.

ذات صلة

كلمتان مضيئتان أضاءتا تاريخ العالمالإمام الحسن العسكري (ع).. معالم القيادة الربانية في عصر الأزماتالعراق بعد 30 أيلول.. وسيناريو عودة تشرينجبل الفأس وأهميته الاستراتيجية في الحرب على إيرانحكومة الزيدي وصناعة القرار التاريخي