لو طويت لنا.. جريدة

عبد الامير المجر

2026-08-06 03:10

بعض الأمثال والحكم والمقولات التي تتداولها الناس جيلًا بعد جيل، تحتاج إلى قراءة عميقة للوقوف على مضامينها التي تعكس خبرة حياتية ونباهة في قراءة دواخل النفس البشرية، وهو ما جعلها ماثلة في الذاكرة الجمعية وعصية على النسيان. ومن بينها مقولة وجدنا أنها مناسبة كمدخل لموضوع سطورنا هذه، وهي: “لو طويت لنا وسادة!”.

المعنى الظاهر للعبارة يقول: لو أتيحت لنا فرصة أن نشارك في الكلام لأدلينا بدلونا ولأسمعنا الناس رأينا، والوسادة هنا كناية عن منبر المجلس الذي يؤمه الناس، حيث يجلس المتحدث متكئًا على وسادة مطوية ليبدو متصدرًا، والجميع يصغي إليه. وهنا تأخذ العبارة منحى آخر، فالكلام خارج المنبر ليس له الصدى نفسه حين يكون عليه أو من خلاله.

مؤخرًا صدر قرار من جهات حكومية يقضي بحجب الإعلانات عن الصحف، ما يعني أن أهم مصدر لتمويلها قد توقف، مع أن أغلبها تعاني أصلًا من قلة الموارد، وهذا جعلها تتخلى عن أغلب كوادرها، بل إن بعضها صار يعتمد على بضعة محررين مع رئيس التحرير، ينسخون أغلب موادهم من الإنترنت، بالإضافة إلى قلة مبيعات الصحافة الورقية قياسًا بالسابق. وبهذا القرار الأخير ستصبح أغلب الصحف غير قادرة على طبع الكمية القليلة التي تطرحها في السوق، وفي النتيجة ستصبح الأكشاك العراقية شبه خالية من الصحف، وحينها سننعى الصحافة في العراق.

 

لقد قدمت بعض الصحف اليومية التي صدرت بعد عام 2003 جهدًا طيبًا، وواكبت الحدث بشكل جيد، وكانت مقروءة إلى حد كبير، وقد عملت في بعضها وكنت شاهدًا على هذا النجاح. فالجريدة ليست فقط وسيطًا لنقل الخبر، الذي أصبح اليوم يحترق بسرعة بوجود الفضائيات ومواقع الإنترنت و(الفيسبوك)، وإنما تنطوي على أعمدة صحفية مختلفة، ومقالات رأي، وتقارير، وتحقيقات، ومواد منوعة كثيرة، وهذه يقف خلفها كتاب محترفون ولهم جمهورهم الذي يتابعهم. ولكن، للأسف، بسبب ضعف تمويل الصحف انسحب كثيرون من الكتاب المميزين، وراحوا يكتبون في منابر عربية أو أجنبية بعد أن ضاق بهم الفضاء الإعلامي العراقي، أو هجروا العمل الصحفي، فخسرناهم وخسرنا الخبرة التي يحققها وجودهم بين من يعملون بمعيتهم، مثلما كانوا هم مع من سبقوهم.

نعم، الإعلام الورقي انحسر إلى حد كبير قياسًا بالعقود السابقة، لكن من المستحيل أن ينتهي دوره في المستقبل المنظور، في الأقل، وإن كبرى الصحف العالمية ما زالت تطبع أعدادًا هائلة يوميًا، بالإضافة إلى أن الصحيفة منبر يعبر من خلاله الكتاب عن آرائهم في ما يدور ببلدانهم والعالم، وأن القارئ، مثله مثل أي زبون، يبحث عن المحل الجيد ليقتني منه بضاعته. فالجريدة أو المجلة الجيدة التي تكسب ثقة القارئ يبقى يتابعها ليتأكد من الخبر أو المعلومة، وإن تحصّل عليها من جهة أخرى، لأن فوضى النشر جعلت القارئ المهتم لا يثق بما ينشر في المنابر الهلامية أو المواقع الشخصية أو حسابات (الفيسبوك)، وإنما يبحث عن المصدر الرصين أو عن (الوسادة) التي يبحث عنها صاحب الرأي ليقول كلمته التي ينتظرها قراؤه.

شيء جدير بالذكر هنا، هو أن تحويل الإعلانات إلى المواقع الإلكترونية لا يتعارض، من حيث المبدأ، مع عمل الصحف، إذ لكل صحيفة موقع إلكتروني، وبالإمكان إلزامها بنشر الإعلان في الموقع بالإضافة إلى نشره ورقيًا، وبهذا يحل الإشكال.

قرار حجب الإعلانات عن الصحف بمثابة إعلان شهادة وفاة الصحافة العراقية، بعد أن كان البعض يمني النفس بتوسعة الفضاء الإعلامي العراقي بالمزيد من الصحف الرصينة، لتستوعب التوجهات الثقافية والفكرية المختلفة، في بلد عرف بتعدد توجهات نخبه الثقافية والسياسية على مر تاريخ الدولة العراقية.


ذات صلة

انتفاضة صفر.. تمرّد حسينيّلماذا تحتاج الأربعين إلى صحافة الإنسان؟هل تمنح الجامعة شهادة... أم تعيد تشكيل طريقة الإنسان في التفكير؟الوقاية من السرطان: توصيات طبية تبدأ من نمط الحياةالتجريد والتحرير من سلطة الأوهام.. قراءة في وعي النهضة الحسينية