تحولات الكتابة والتلقي
أحمد الشطري
2026-07-16 04:28
لم يعد الشعر في العصر الراهن حبيس الورق ولا محصورًا بين دفّتي الديوان التقليدي، بل اتخذ مساره إلى عوالم الفضاء الرقمي بكل تنويعاته: من منصات التواصل الاجتماعي إلى المدونات والمجلات الإلكترونية. ولم يكن هذا التحول مجرّد انتقال في وسائط النشر، بل أحدث هزّة عميقة في طبيعة النص الشعري ذاته، وفي آليات تلقيه وتداوله. حيث أوجدت هذه الوسائل الرقمية فضاء جديداً للشعر يختلف عن الفضاء المطبعي (القديم)، بما تحمله من سرعة وانتشار وتفاعلية، لكن هذا التحول أوجد لنا إشكاليات مختلفة، ليس على المستويين الإيجابي والسلبي فحسب، وإنما في الجوانب التي تتعلق بالبنية الشكلية، أو بالعمق الجمالي والأصالة.
ولعل من أبرز مظاهر الرقمية أنها دفعت بالشعر نحو الاختزال والتكثيف. فقد ازدهرت في منصات مثل (تويتر) أو (فيسبوك) قصيدة الومضة أو النص الشعري القصير الذي يناسب طبيعة التصفح السريع. ومع أن عملية التكثيف بحد ذاتها ترفع من قيمة النص الفنية، وتمنحه عمقاً في المعنى وسعة في الدلالة، إلا أن ذلك مرهون بتوفر الإمكانيات الإبداعية للشاعر ونضوج تجربته الشعرية وهو أمر يفتقر إليه كثير من نصوص هذه المنصات. كما يُلاحظ بروز نتاجات تمزج بين الكلمة والصورة والفيديو والموسيقى؛ فيما يُعرف بـ (الشعر الرقمي التفاعلي). هذا الشكل الجديد جعل القصيدة تتجاوز الكلمة المكتوبة لتصبح تجربة بصرية سمعية متعددة الأبعاد؛ وهو ما يتيح قراءة الشعر بوصفه (وسيطاً مركباً) لا يقتصر على اللغة وحدها، بل ينفتح على مؤثرات خارجية ليست من نسيج النص، ولا تمت لإبداع الشاعر بأية صلة. وقد لا نبالغ إذا ما قلنا أن هذا (النتاج المركب) قد يسهم في إعادة الشعر إلى طور (الشفاهية الجديدة) التي تستند إلى التلقي السمعي والتفاعل العاطفي بدلاً من التأمل الذهني.
وقد يتذكر كثيرٌ منا أشرطة التسجيل، أو ما يُعرف بـ(الكاسيت)، التي انتشرت في الثمانينيات وهي تحتوي على مقاطع من شعر نزار قباني بصوته مرفقة بمقاطع من أغاني أم كلثوم؛ إذ حققت رواجاً ضاهى بسعته رواج أشرطة كبار المطربين، حتى غدت ظاهرةً تهيمن على ما تصدح به مكبرات الصوت في محلات التسجيل، ورفيقةً ملازمةً لسائقي سيارات الأجرة، لتشكل هذه الظاهرة الصوتية سابقةً تمهيديةً لما سيحدث لاحقاً عبر الوسائط الجديدة.
إن الوسائل التقنية الجديدة ساهمت بنقل القارئ الورقي التقليدي والذي كان قارئاً صامتاً، يمارس فعل القراءة بمعزل عن الشاعر، إلى ما يسمى بالقارئ الرقمي وهو قارئ/مشارك، بغض النظر عن نوع المشاركة وقيمتها. سواء كانت عبر تعليق إشعاري بتلقي النص وهو تعليق قد لا يبتعد عن دائرة التلقي الصامت، أو عبر تعليق تحفيزي وانطباعي بغض النظر عن درجة صدقه أو كذبه، أو تلق مختلف يحمل رؤية نقدية وإن كان هذا نادراً ولكنه قد يحصل عبر رسائل خاصة وهذا ما يمكن أن يمثل إعادة إنتاج للنص في فضاءات جديدة. ولا شك أن هذا التفاعل الفوري يخلق نوعاً من (الحوارية الرقمية) التي تذيب الحدود بين الكاتب والمتلقي. كما أنّه يسهم في سرعة الانتشار على المنصات (التلقي) مما يتيح للنص قدرة الوصول إلى جمهور واسع يتجاوز حدود الجغرافيا واللغة، قد يسهم في إعادة تشكيل مفهوم (الجمهور الشعري)، ومع ذلك فإننا نرى أن هذا النوع من التلقي غالبا ما يكون (تلقياً سطحيّاً).
ورغم ما تتمتع به الرقمية من مزايا، إلا إنها أفرزت تحديات لا يمكن إغفالها. فالانتشار السريع قد ينتج أحيانًا ضحالة في المحتوى، حيث تُستبدل الكثافة الجمالية بالسطحية التي تناسب سرعة التصفح والفقر الثقافي لأغلب المتصفحين. كما أن وفرة النصوص وتكرارها قد يضعف من قيمة (الأصالة) ويفتح الباب أمام إعادة التدوير أكثر من فتحه أمام الابتكار. وهنا قد يبرز سؤال: هل الرقمية منحت الشعر حياة جديدة أم جرّدته من جوهره التأملي العميق؟
لا شك إن العلاقة بين الشعر والرقمية علاقة معقّدة، تحمل في طياتها إمكانات هائلة للتجديد من جهة، ومخاطر التبسيط والسطحية من جهة أخرى. لكن المؤكد أن الشعر في زمن الرقمية لم يعد هو ذاته الذي كان قبلها؛ فقد دخل مرحلة جديدة من تاريخه، حيث أصبحت وسائل تقديم النص تنطوي على أشكال متعددة من المؤثرات الموازية، وهو ما ينتج لنا تساؤلا ينطوي على الحيرة والغموض. هل يجب على الناقد التعامل مع هذا (النص المهجن)-إن صح التوصيف- من خلال إيجاد رؤى مغايرة تتعامل مع صورة النص الكلية (شعراً وموسيقى وصورة) باعتبار أن هذه المرفقات هي نصوص موازية تشبه إلى حد ما (العتبات). أم يقصر القراءة النقدية على النص الشعري المجرد بوصفه انعكاساً للقدرة الإبداعية للشاعر!؟ ومع ذلك فإن هذا التحدي الذي تفرضه الرقمية لا يقتصر على النقد فحسب. بل قد يكون التحدي الأكبر هو أمام الشعراء اليوم ليس في كيفية الحفاظ على جوهر الشعر، أي طاقته على الإيحاء والدهشة، وسط عالم رقمي يلهث وراء السرعة والتكرار، بل في كيفية التعامل مع هذه الوسائل الحديثة واستغلال ما توفره من آليات في تقديم النص الشعري؛ ليكون أكثر رواجاً وسعة انتشار. ونحن ندرك أن كثيراً من الشعراء الجيدين قد لا يجيدون التعامل مع هذه الآليات أو يأنفون من تجريب التعامل بها لاعتبارات مختلفة.