التجريد والتحرير من سلطة الأوهام.. قراءة في وعي النهضة الحسينية
مرتضى معاش
2026-08-05 07:30
ينطلق المقال من سؤال يرتبط بمسؤولية الإنسان عن اختياره السياسي، وهو: إذا انتخب المواطن شخصًا معينًا وهو يعلم أنه فاسد، ويعلم أنه سيضر بالبلاد، فهل يكون مأثومًا أم لا؟
فالإنسان قد يعرف حقيقة من يختاره، ويدرك فساده والضرر الذي يمكن أن يصدر عنه، ومع ذلك يمنحه صوته ويشارك في وصوله إلى السلطة. ومن هنا ترتبط القضية بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. فالفسق الذي وقع فيه القوم هو الذي أتاح للطغيان أن يتشكل ويتسلط، لأن الطغيان لا ينشأ بعيدًا عن الحالة الأخلاقية والفكرية للناس.
وهذا يعني أن فساد السلطة يرتبط بالإثم والمعصية والفسق والظلم. فالإنسان قد يدري بالحقيقة ويعرفها، ولكنه يتصرف كما لو أنه لا يدري ولا يعرف، وهذا الاغماض والتغافل يتحول إلى موقف أو اختيار منسجم مع الفساد.
ضرورة البحث التجريدي
أرى أن الحوار المنتج ينبغي أن يكون بحثًا تجريديًا، والمقصود بالتجريد أن نترك الأفكار المسبقة والأنماط الذهنية المستوطنة في منظوماتنا الفكرية، ثم نعود إلى مناقشة الموضوع من جديد، وكأنه لم يُطرح من قبل.
فالإنسان حين يدخل في بحث وهو خاضع للأفكار المسبقة، فإنه لا يستطيع أن يرى الموضوع كما هو، بل يراه من خلال التراكمات الموجودة في ذهنه. أما البحث التجريدي فيعني أن يضع الإنسان هذه التراكمات جانبًا، وينظر إلى أصل القضية، ويحاول أن يفهمها بصورة فطرية ومجردة.
ومن هذه الناحية يمكن تناول قضية السلطة، لا من خلال النظريات والأسماء والأشكال السياسية المتداولة فقط، وإنما من خلال أصل العلاقة بين الإنسان والعقل والوهم، وبين السلطة والطاعة، وبين الفطرة والظلم.
القوى الأربع والصراع داخل الإنسان
في علم الأخلاق توجد أربع قوى في الإنسان، هي: القوة العاقلة، والقوة الغضبية، والقوة الشهوية، والقوة الواهمة.
والصراع الأساسي يقع بين القوة العاقلة والقوة الواهمة، في حين تمارس القوتان الغضبية والشهوية تأثيرهما في هذه العملية، وتحددان ما إذا كان الإنسان يتجه نحو العقل أو يذهب نحو الوهم.
فالإنسان الذي تملي عليه شهوته وغضبه مواقفه وقراراته يتجه نحو صناعة الأوهام، وتتحول أفكاره إلى أوهام. وهو لا ينظر إلى الواقع من خلال قوة العقل المجرد، وإنما ينظر إليه من خلال ما تفرضه عليه شهوته أو غضبه أو مزاجه.
وكلما استطاع الإنسان أن يتحكم في غضبه وشهواته أصبح أقرب إلى العقل، وأصبحت لديه قدرة أكبر على إنتاج الأفكار السليمة والصحيحة. أما كلما اتجه نحو غرائزه وغضبه وشهواته ومزاجه، ازدادت الأوهام في داخله، وأصبحت هي التي تتحكم في رؤيته وقراراته.
فالأفكار السليمة تحتاج إلى عقل متحرر من هيمنة الغضب والشهوة، لأن الشهوة والغضب حين يسيطران على الإنسان يحجبان عنه الرؤية الصحيحة، ويجعلان ما ينتجه من أفكار خاضعًا لأهوائه ومصالحه وانفعالاته.
السلطة وحجب العقل
نلاحظ أن السلطات الظالمة والطاغية، وكذلك الطغاة والمستبدون، يمارسون دائمًا عملية صناعة الأوهام. فهم يعملون على حجب العقل، ويستخدمون في ذلك استفزاز الشهوات وإثارة الغضب بمختلف أشكاله.
فالعنف والاستبداد والغرام بالسلطة ترتبط بغريزتي الغضب والشهوة. والسلطة التي تريد السيطرة على الإنسان لا تكتفي بإخضاعه من الخارج، وإنما تسعى إلى التأثير في القوى الموجودة في داخله، فتثير غضبه أو شهوته أو خوفه، حتى تمنعه من التفكير بصورة عقلية سليمة.
وعندما تتحكم الشهوة والغضب في الإنسان، يصبح أكثر استعدادًا لتقبل الأوهام التي تصنعها السلطة، لأنه لا يعود يبحث عن الحقيقة المجردة، وإنما يبحث عما ينسجم مع رغباته أو مخاوفه أو انفعالاته.
ومن هنا تصبح السيطرة على الإنسان عملية داخلية، فلا تبقى السلطة قوة خارجية تفرض عليه الأوامر فقط، بل تتحول إلى أفكار وأوهام تتحكم في طريقة رؤيته للأشياء.
تعميق الخوف وصناعة الوهم
إن تكريس سلوك الخوف هو في حقيقته صناعة للوهم. فالإنسان في الأنظمة الفوضوية وغير المستقرة يعيش خائفًا دائمًا، وقد لا يعرف على وجه الدقة ممَّ يخاف، ولكنه يشعر بأن الخوف يحيط به ويمنعه من التفكير الهادئ.
وهناك صناعة منظمة تمارس استثارة الغضب والغريزة والشهوة والهوى. فهذه القوى كلها تكون حاضرة في عملية السيطرة على الإنسان، ويجري تحريكها لكي يبقى العقل محجوبًا، ولكي يعيش الإنسان داخل دائرة من الخوف والانفعال والوهم.
والإنسان الخائف لا يستطيع دائمًا أن ينظر إلى الواقع كما هو، لأنه يراه من خلال خوفه. وقد يطيع السلطة أو يقبل بالظلم أو يبرر الفساد، لا لأنه لا يعرف الحقيقة، بل لأن الخوف الذي صُنع في داخله أصبح أقوى من معرفته.
ومن هنا لا تكون صناعة الخوف منفصلة عن صناعة الأوهام، لأن الخوف يجعل الإنسان يرى الأشياء على غير حقيقتها، ويجعله يقبل بما لم يكن ليقبله لو كان عقله متحررا من القمع والخوف والانفعال.
الصراع بين الأفكار والأوهام
إن الصراع الممتد على طول الحياة البشرية، والذي ظهر بوضوح في مسيرة الأنبياء والمعصومين عليهم السلام، كان صراعًا بين الأفكار والأوهام.
والمقصود بالأفكار هنا الأفكار المجردة والأصيلة التي لم تتلوث بالشهوة والغضب، أي الأفكار التي تصدر عن العقل حين يكون متحررًا من الأهواء والانفعالات والتراكمات التي تحجبه عن الحقيقة.
أما الأوهام فهي الأفكار المتحورة التي تتشكل تحت تأثير الشهوة والغضب والخوف والمصلحة، ثم تتحول إلى قوة مسيطرة على الإنسان، فيتعامل معها كما لو كانت حقائق ثابتة.
وعندما جاء القرآن الكريم وقدم رؤيته لبعثة النبي صلى الله عليه وآله، قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾.
وهذا يعني تحرير الإنسان وفكره من اغلال الأوهام. فالأغلال لا تقتصر على الأغلال المادية، وإنما تشمل أيضًا القيود الفكرية والنفسية التي تمنع الإنسان من التفكير، وتحول بينه وبين رؤية الحقيقة.
فالرسالات جاءت لتحرير الإنسان من هذه الأغلال، وإعادته إلى عقله وفطرته، لكي يكون قادرًا على الاختيار، ولا يبقى أسيرًا للأوهام التي تصنعها السلطة أو يصنعها هو لنفسه.
الاستخفاف والفسق وصناعة الطغيان
يقول تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
ومعنى ذلك أن مجموعة الأوهام المسيطرة على عقول الناس هي التي جعلت الطاغوت، في النتيجة، يستعبدهم من خلال عملية مستمرة لصناعة هذه الأوهام وترسيخها في عقولهم.
فالاستخفاف لا يتحقق بالقوة الخارجية وحدها، وإنما يتحقق عندما ينجح الطاغية في حجب عقول الناس، وإثارة شهواتهم وغضبهم ومخاوفهم، حتى يصبحوا مستعدين للطاعة.
ومن هنا كان الفسق عاملًا في نشوء الطغيان، لأن الإنسان حين يخرج عن مقتضى الحق والعقل والفطرة، ويخضع لشهوته وغضبه ومصلحته، يصبح أكثر قابلية للاستخفاف والطاعة.
فالطغيان لا يقوم على شخص الطاغية وحده، وإنما يقوم أيضًا على الأوهام التي يزرعها في الناس، وعلى الحالة التي تجعلهم يستجيبون له ويطيعونه.
أفكار السلطة وتبرير الشرعية
تحتاج السلطة الفاسدة دائمًا إلى أن تبرر شرعيتها وترسخ مشروعيتها. ولذلك لا تعتمد على القوة وحدها، بل تصنع أفكارًا ونظريات تمنح وجودها مبررًا، وتعمل على إقناع الناس بأن سلطتها أمر طبيعي أو ضروري أو مقدر لا يمكن تغييره.
وهذا ما فعله معاوية، إذ احتاج إلى صناعة أفكار تبرر حكمه. فالحاكم يأتي بالعلماء والفلاسفة والمفكرين والوعاظ الذين يصنعون له الأفكار التي تبرر وجوده وسلطته.
وقد نقل عن انه معاوية قال: "لو لم يرني ربي أهلا لهذا الأمر ما تركني واياه ولوكره الله ما نحن فيه لغيره".
وهذه هي فكرة الجبرية في أساسها، ثم جاءت من بعدها أفكار المرجئة. وهي أفكار تؤدي إلى الاستسلام للواقع الموجود، لأنها تجعل السلطة القائمة أمرًا مفروضًا لا ينبغي الاعتراض عليه، وتدفع الإنسان إلى قبول الواقع مهما كان ظالمًا.
وقد استمرت عملية الاستسلام للواقع القائم على امتداد التاريخ، من خلال الأفكار التي تصنعها السلطة، أو الأفكار التي يجري توظيفها لتبرير وجودها.
فالسلطة لا تصنع الأوهام من خلال الخوف فقط، بل تصنعها أيضًا من خلال النظريات التي تمنحها الشرعية، وتجعل الناس يظنون أن وجودها دليل على صحتها، أو أن قدرتها على الحكم دليل على رضا الله سبحانه وتعالى عنها.
الفطرة والقانون الطبيعي
ان أي شرعية لأي سلطة تخرج عن الإطار الفطري هي شرعية غير حقيقية. وحتى في القانون توجد فكرة يعرفها المختصون، تسمى القانون الطبيعي، لأن مصدر القانون هو القانون الطبيعي، أي قانون الفطرة، فالقانون الطبيعي هو قانون الفطرة.
وقانون الفطرة يقول إن كل سلطة تمارس الإكراه أو الظلم أو التمييز هي سلطة غير شرعية، مهما كان اسمها، سواء كانت ديمقراطية أم استبدادية أم ملكية أم غير ذلك.
فالأسماء والأشكال لا تمنح السلطة شرعيتها الواقعية. وقد تكون السلطة شرعية في معناها الاعتباري الموجود في الخارج، ولكنها غير شرعية في معناها الواقعي إذا كانت تمارس الإكراه والظلم والتمييز.
فالإنسان بفطرته يدرك أن الظلم لا يمكن أن يكون أساسًا للشرعية، وأن السلطة التي تقوم على سلب الإنسان حريته وكرامته لا تصبح شرعية لمجرد أنها تحمل اسمًا سياسيًا معينًا أو تستند إلى شكل قانوني قائم.
ومن هنا لا بد من العودة إلى القانون الطبيعي، أي إلى قانون الفطرة، لكي نعرف حقيقة السلطة، ونميز بين شرعيتها الاعتبارية وشرعيتها الواقعية.
نهضة الإمام الحسين وتحرير الإنسان
عندما نأتي إلى قضية الإمام الحسين عليه السلام نجد أنه كان استمرارًا وامتدادًا لقضية الأنبياء، وهي تحرير الناس من الأفكار الوهمية.
فنهضة الإمام الحسين عليه السلام لم تكن منفصلة عن مشروع الأنبياء في تحرير الإنسان، ورفع الأغلال عنه، وإعادته إلى عقله وفطرته.
ولذلك قال عليه السلام: «إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارًا في دنياكم».
ومعنى ذلك أن يتجرد الإنسان من كل التراكمات الموجودة لديه، وأن يكون حرًا في حياته، ويفكر بنفسه بوصفه إنسانًا له وجود.
فالإنسان يحتاج إلى أن يسأل نفسه: كيف ينبغي أن يكون بوصفه إنسانًا موجودًا على أرض الواقع؟ وكيف يستطيع أن يفكر بعيدًا عن التراكمات والأوهام التي صنعتها السلطة أو صنعها المجتمع أو صنعتها تجاربه السابقة؟
إن الدعوة إلى الحرية هنا هي دعوة إلى أن يعود الإنسان إلى نفسه، ويتجرد من القيود الفكرية والنفسية التي تمنعه من رؤية الحقيقة، وهذه قضية كبيرة تحتاج إلى نضج عقلي عميق.
النضج العقلي وفلسفة الامتحان
أقول دائمًا إن البشرية لم تصل حتى الآن إلى واحد بالمئة من المعرفة الحقيقية، لأنها ما زالت تحتاج إلى عملية طويلة من النضج العقلي، فما زالت الشهوات والغرائز مسيطرة على الإنسان على امتداد التاريخ، وما زال الإنسان يتعلم من خلال التجارب والأزمات والمشكلات والعقد والقضايا التي يمر بها.
والإنسان يتطور ويتقدم من خلال هذه التجارب، حتى ينضج، ويتطور تفكيره العقلي، ويعرف كيف يتحكم في غرائزه وشهواته. وهذا يحتاج إلى امتداد طويل جدًا من العمل والسعي، لأن النضج العقلي لا يتحقق دفعة واحدة، ولا يمكن أن يُفرض على الإنسان من الخارج.
وهذه هي فلسفة الامتحان بالنسبة إلى كل إنسان. فلا يمكن أن يتحقق هذا الأمر من دون أن يختار الإنسان بنفسه ما يحتاج إليه في اكتشاف وجوده والعثور على ذاته، فاكتشاف الذات والعثور عليها لا يتحققان من دون الاختيار والتجربة.
وكان الإمام الحسين عليه السلام مصباح هداية وسفينة نجاة، لأنه أراد أن يمنح الإنسان النور والطريق على امتداد التاريخ، لا في زمانه فقط. فهو للماضي والحاضر والمستقبل، لكن القضية تبقى في كيفية استفادة الإنسان من هذا النور وهذا الطريق.
فلسفة الأفكار والأوهام في كلمات الإمام الحسين
أرى أن في القضايا التي طرحها الإمام الحسين عليه السلام فلسفة عميقة جدًا ترتبط بالأفكار والأوهام. فعندما قال عليه السلام: «الناس عبيد الدنيا»، كان معنى ذلك أن الناس يعيشون أوهام الدنيا من خلال عبوديتهم للشهوات.
فالإنسان حين يصبح عبدًا للدنيا لا يعود ينظر إلى الأمور بعقله وفطرته، وإنما ينظر إليها من خلال مصالحه وشهواته، فتتحول الدنيا إلى وهم يسيطر عليه، ويحدد اختياراته ومواقفه.
وعندما قال عليه السلام: «ألا ترون أن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا يتناهى عنه»، كان يخاطب الناس ويحرضهم على رفع الحجب عن أنفسهم.
فكأنه يقول للإنسان: ارفع الحجاب عن عينك قليلًا، وانظر إلى الواقع الموجود. اذهب إلى الحقيقة المجردة، لا إلى الأوهام التي صنعتها نفسك او صنعها الطغاة والسلطات.
إن قوله: «ألا ترون» هو دعوة إلى الرؤية، وإلى أن يخرج الإنسان من حالة الحجب التي تمنعه من النظر إلى الحقيقة.
فالإنسان قد تكون الحقيقة أمامه، ولكنه لا يراها بسبب التراكمات والأوهام التي تحيط بعقله. ومن هنا يحتاج إلى أن يتحرر من هذه الحجب، وأن ينظر إلى الواقع كما هو.
تحرير الأفكار وبناء الوعي السياسي
ان بناء الوعي السياسي يبدأ من تحرير أفكار الإنسان، لكي يتغير ويخرج من التراكمات التي خلقتها السلطة. ونحن نعيش اليوم تحت تأثير قرون طويلة من التراكمات المعرفية الخاطئة، وهي في حقيقتها أوهام. وهذه التراكمات لا تقتصر على أفكار منفردة، بل تتحول مع الزمن إلى أنماط ذهنية تسيطر على الإنسان، وتمنعه من التفكير خارجها.
والسؤال هو: كيف نتحرر من هذه التراكمات؟
لا بد أن نفكر بأفكار مجردة وفطرية، وأن نخرج من هيمنة النظريات الموجودة، ومن كل ما يدور حولنا من معارف. وهذا لا يعني أن نرفض هذه المعارف أو لا نستفيد منها، بل نستفيد منها ثم نتركها في موضعها، ولا نسمح لها بأن تتحول إلى سلطة مسيطرة علينا.
فهذه الأفكار والنظريات أصبحت سلطة تتحكم فينا، ولا تدعنا نفكر. لقد تحولت إلى قيود وأغلال وآصار تكبل الإنسان، وتحجب عنه قدرته على النظر والتفكير بصورة حرة.
إن المشكلة ليست في وجود المعرفة، وإنما في أن تتحول المعرفة إلى سلطة تمنع الإنسان من التفكير المتجرد، وتجعله خاضعًا للنظريات والتصورات المتراكمة من دون أن يعيد النظر فيها.
وعملية تحرير الإنسان لأفكاره وتجريدها من هذه التراكمات النمطية هي التي تخلق في النتيجة، الوعي السياسي المطلوب لفهم نهضة الإمام الحسين عليه السلام.
خاتمة
إن فهم السلطة لا يكتمل بالنظر إلى الحاكم وحده، بل يحتاج إلى النظر في الإنسان، وفي القوى التي تتحكم فيه، وفي العلاقة بين العقل والوهم، وبين الشهوة والغضب والاختيار.
فالسلطات الظالمة تصنع الأوهام، وتحجب العقل، وتثير الخوف والغضب والشهوة، ثم تصنع الأفكار التي تبرر وجودها وشرعيتها.
وفي مقابل ذلك جاءت رسالات الأنبياء والمعصومين عليهم السلام لتحرير الإنسان من الأغلال، وإعادته إلى فطرته وعقله.
وكانت نهضة الإمام الحسين عليه السلام امتدادًا لهذا الطريق، لأنها أرادت أن تحرر الإنسان من عبودية الدنيا، ومن الخوف، ومن الأفكار الوهمية التي تصنعها السلطة.
ومن هنا فإن بناء الوعي السياسي يبدأ من تحرير الفكر، ومن قدرة الإنسان على أن يتجرد من التراكمات، ويرفع الحجب عن نفسه، وينظر إلى الحقيقة بعقل حر وفطرة سليمة.