أنثروبولوجيا الأخلاق في القرآن الكريم
د. مواهب الخطيب
2026-09-14 06:10
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ سورة القلم: 4
ملخص
هذه المقالة تتحدث عن بيان دراسة لتطور السلوك الحضاري للإنسان من منظور القرآن الكريم، وتكمن أهمية هذا البحث في دور علم الأنثروبولوجيا في التأصيل لفهم السلوك الإنساني، وتعلم كيفية صياغة برنامج متكامل لتعديل سلوكه وتطوره عبر الزمن. وبما أن القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد، فإنه استقرأ حياة شعوب وأقوام وأفراد، وبيّن نقاطًا من السلوك البدائي، وعرض قدوات لنقل هذه المجتمعات من البداوة إلى التحضر، مثل الأنبياء والأولياء الصالحين.
فجاءت المقالة بمحورين أساسيين: أولهما: التعريف بعلم الأنثروبولوجيا، وهو علم الإنسان وسلوكه المجتمعي. والمحور الثاني: عرض ملامح أنثروبولوجيا الأخلاق في القرآن الكريم. وخلصت المقالة إلى نتيجة مهمة، وهي أن القرآن الكريم بيّن السلوك الخاطئ وطرق تصحيحه، حيث قام بتوصيف وتصنيف ونقد وتحليل السلوك البشري، وقارن بين الأقوام عبر الزمن، وكذلك بين الأفراد في سلوكياتهم الأخلاقية، وأشار إلى نماذج القدوات الإلهية ودورهم في تغيير مجتمعاتهم.
المبحث الأول: التعريف بعلم الإنسان وأقسامه
تعريف الأنثروبولوجيا، علم الإنسان وسلوك الإنسان، مركب من لفظين، الأول: لفظ «أنثرو»، وهو فرنسي مشتق من أصل يوناني معناه الإنسان، و«لوغوس» تعني العلم، ويصبح المصطلح مركبًا بمعنى: علم الإنسان. وهذا العلم عبارة عن دراسة شمولية مقارنة للإنسان، تحاول الكشف عن المظاهر البيولوجية للإنسان مع ما يتلقاه من تنشئة اجتماعية، بمعنى دمج الجانب الطبيعي والثقافي للإنسان.
وعرّفها العالم الفرنسي كلود بأنها معرفة كلية وشمولية لمعرفة الإنسان في علاقته مع امتداداته التاريخية والجغرافية.
وإجمالًا يمكننا القول: هو علم يدرس الإنسان ليتعرّف على أوجه الشبه والاختلاف بينه وبين الكائنات الحية من جهة، وأوجه الشبه بينه وبين أخيه الإنسان من جهة أخرى، ويدرس سلوكه الإنساني اجتماعيًا وثقافيًا بوجهه العام في محيطه البيئي والاجتماعي.
1. الدراسات القديمة للأنثروبولوجيا
أقدم دراسة كانت للعالم اليوناني والمؤرخ هيرودوت، فقد درس السلوك الإنساني ودوّن الحضارة المصرية. ولقد كانت هناك دراسات وصفية بسيطة للشعوب على يد الرحالة والغزاة والفاتحين والتجار، إلا أنها كانت تفتقد الموضوعية، ويمكن تقسيمها إلى دراسات عند الغرب، حيث هيمنة الكنيسة على العلوم، وعند العرب أشهرها مذكرات ابن بطوطة. وقد دُوّنت بعض المعلومات في مقدمة ابن خلدون، وفي القرن السادس عشر درسوا الإنسان وموقعه بين أبناء جنسه والنشاطات البشرية.
بدأ هذا العلم بشكل رسمي في القرن التاسع عشر، مصاحبًا للاستعمار، حيث البعثات التي تسبق الحركة الاستعمارية على شكل زيارات للمتاحف، من أجل استقراء تراث المجتمعات المراد استعمارها.
وأما بدء البحث العلمي فكان مع بدء استقلال العلوم عن الفلسفة وتوسع العلوم الإنسانية والاجتماعية، والفارق الأساسي بين سوسيولوجيا، علم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، علم الإنسان، هو أن الأول يُعنى بالحاضر، والثاني يدرس تاريخ المجتمعات البدائية السائرة نحو التحضر.
2. مقارنة بين الفلسفات والأخلاقيات القرآنية
تعددت نظريات الأخلاق وفلسفاتها، منها الصارمة ومنها النسبوية. فنظرية الأخلاق ودوافعها عند كانط، مثلًا، منظومة أخلاقية صارمة عليك الالتزام بها بغض النظر عن عواقبها وتبعاتها، حتى لو دمّرتك أو أدت بك إلى الوفاة. تقوم بها شكليًا بغض النظر عما تفكر به، وتقوم بها لأنها واجبات، لا بدافع أن المجتمع يحبذها ويصادق عليها. كما أنه يرفض أن يكون الدافع هو الامتثال لأمر الله، بل يوافق فقط على أن يؤديها لأنها واجبة لا برجاء الثواب، فلا يعنيه إن كنت تقوم بها لأن هذا يسعدك، ولا تعني مشاعرك شيئًا. فإذا قمت بها لأنه يسرّك، فهنا يصنفك بأنك لست أخلاقيًا، فلا ينبغي ذلك، فقط العقل يقول إنه واجب. لذلك وقف الفيلسوف شيلر مستنكرًا حيال هذه النظرية، فيقول: «أحب من كل قلبي أن أسدي معروفًا لجاري، ولكني أشعر بالسوء البالغ في نفسي بسبب سعادتي من هذا الفعل، فإني أخشى على أخلاقيتي».
يقول ذلك ساخرًا من صرامة كانط؛ لأنه من الطبيعي أن نُسرّ بفعل الخير. ولقد انتهت هذه الفلسفة، وجاء بعدها نظريات وليدة الظروف، وساهمت الماركسية بنشر نظرية خالية من المعيارية، وصنّفت أخلاقًا برجوازية وطبقية، وأخلاق الطبقة الكادحة.
ثم جاء المنهج النسبي القائل بأننا لا نملك استنكار الأخلاقيات المغلوطة في الأقوام السابقة والحضارات المغبورة؛ وذلك لأنه كان هناك اتفاق مجتمعي على قبولها وتأييدها والاعتراف بها قانونيًا، فلا يتسنى لنا الانتقاد وفق ما تتعايشه هذه المجتمعات، مثل وضع المرأة بين القديم والمعاصر. وفي الرد عليهم يمكننا القول: على هذا تسقط كل ادعاءات حقوق الإنسان ولوائحه. فعند النسبيين، حتى هذه اللوائح عبث، فنحن لا يحق لنا التدخل حسب فهمهم، وهم يحاولون تلبيس نظريتهم لباس العلمية، فيقولون: يحق لك التوصيف فقط، بدون حكم وانتقاد.
وعلى العكس من هذه الفلسفات، فإن للقرآن قولًا آخر، فهو يبيّن الدوافع للوصول إلى رقي أخلاقي ينهض بالفرد والمجتمع، وسنبيّن في المبحث الثاني من هذه الورقة البحثية كيف يستثمر القرآن السرد التاريخي والقصصي، ويقوم بتوصيف ونقد وتحليل السلوك الإنساني المتطور عبر الزمن، ليطرح نظرية متكاملة لبناء إنسان متحضر.
المبحث الثاني: علم السلوك في القرآن الكريم
دراسة السلوك الإنساني في القرآن الكريم تعني دراسة نشوء الإنسان وتطور سلوكه اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا، وعلاقته بالآخرين. فالقرآن يقدم دراسة شمولية مقارنة للسلوك الإنساني، فهو يقارن سلوك الأفراد مع بعضهم البعض، وسلوك الشعوب والأقوام والحضارات، ويسعى إلى مجموعة من الأهداف التربوية من خلال بيان وصف دقيق لمجموعات البشر، وتحديد أصول التغيير التي تحدث للإنسان وأسبابه. فالقرآن يقر بأن الأخلاق متغيرة وليست ثابتة، ومتطورة.
أولًا: دور الإنسان في إيجاد مجتمع متحضر
في قبال ما تقدم من ذكر الفلسفات الأخرى، فإن القرآن الكريم يدعونا إلى التحلي بالأخلاق والسلوك الحسن، وينتقد مسيرة الأقوام الذين ضلوا السبيل، ويرشد إلى السلوكيات الحسنة والمتحضرة، كالإيمان، والأخلاق، والعلم، والعدل، والخصائص البيئية كالزراعة، والمطر، والصناعة، والأرض، كمؤشر حضاري، ويعدّ مجموعها صانعًا للحضارة.
ويبيّن القرآن الكريم قدوات مثل الأنبياء الربانيين، وأنهم اتصفوا بصفات كالعلم، والحكمة، وغيرها. وهذا ينمّ عن دورهم في تغيير السلوك البشري، ويحاول القرآن نقل هذه المصاديق عبر الزمن من خلال قصص ذات عبرة، ويدعو الإنسان المعاصر إلى التدبر فيها، ويسعى من وراء هذا التدبر إلى بناء السلوك الحضاري بالاقتباس من تلك الحضارات، ويوعز صنع الحضارة إلى الإنسان المتحضر سلوكيًا.
ولم تسلط التفاسير الضوء على حركة الإنسان، وخصوصًا القدوات الناجحة المذكورة في القرآن، في دورهم ببناء التمدن والتحضر، وخصوصًا الأنبياء والأوصياء.
فالحضارية: «برامج استراتيجية لتنظيم الأنظمة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية لبناء حضارة جديدة»؛ منتظر القائم، 1391، ص172.
إن القرآن يذكر الحضارات وخصائص روادها الشخصية، كالائتمان والمداراة مع الناس وغيرها، ويتمتع بإمكانية منشودة في تقديم أنموذج متطور في مسار بناء الحضارات.
إن دراسة هذه المؤشرات تقدم أنموذجًا مرجوًا من الاستراتيجيات، والإنجازات الواقعية، والقدوات الذين يبنون الحضارات، ما يمكننا، حسب إحيائه وتبيينه، أن نجعله أساسًا ومعيارًا في دراسة السلوك المتحضر.
على الرغم من أن حركة الأنبياء كادت أن تنحصر في الدعوة إلى الله غالبًا، إلا أن بداية دعوتهم ترافق دعوة للسلوك المتحضر ونبذ الرؤى المادية في ما يتعلق بالمجتمع الإنساني، وبالتالي لم يغيّروا الثقافات والسلوك فحسب، بل عرضوا رؤية حديثة إلى الإنسان، وفهّموه المعاني الصحيحة للحرية، والعدل، والأمان.
إن الرؤية القرآنية لتفسير التاريخ من خلال بيان قصص الأنبياء ومكافحاتهم وجهادهم مع الأقوام والحكام الذين عاصروهم من أجل بناء حضارة إنسانية قائمة على بناء السلوك الإنساني كقاعدة لقيام أي نمو متمدن، فقد تحدث القرآن الكريم عن الأنبياء الكبار كيوسف، وموسى، وداوود، وسليمان (عليهم السلام)، ونبينا محمد (صلى الله عليه وآله) في مواضع متعددة.
إن هذه المواضع، كما عبّر العلامة الطباطبائي، «هي غاية الهداية والإرشاد»؛ الطباطبائي، 1423، ص238.
فإن خمسة أنبياء: يوسف، وموسى، وداوود، وسليمان (عليهم السلام)، ونبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، قاموا بتأسيس حكومة، أبرز مهامها بناء الحضارة الإنسانية. وقد طرح القرآن الكريم سلوكهم كأنماط منهجية في السلوك المتحضر: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (الممتحنة: 4)؛ ذلك أن القرآن يشير إلى حضارية إبراهيم (عليه السلام)، وبنائه الكعبة، وبنائه حضارة إلهية كبيرة، وإقامته معقلًا عظيمًا لهداية البشر. كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ﴾ (البقرة: 127). بعد إعادة بناء الكعبة، رفع إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) أيديهما للدعاء، وطلبا من الله سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 129).
ثانيًا: خريطة القرآن في دراسة الإنسان ومنهجيته
1. تصنيف الآيات
يمكن تصنيف الآيات التي يشرح فيها القرآن السير التطوري للسلوك الإنساني إلى المجموعات الآتية:
1. الآيات التي تتحدث عن التطور الثقافي: الأنثروبولوجيا الثقافية.
2. الآيات الطبيعية الفيزيقية، وهي التي تحكي قصة خلق الإنسان الجسدي وبعده المادي.
3. الآيات التي تحكي بعده الماورائي والروحي.
4. الآيات التي تحكي عن تطوره الاجتماعي.
5. الآيات التي تحكي عن التطور الحضاري والعمراني والثقافي نتيجة للرقي السلوكي.
2. منهجية القرآن في بيان أنثروبولوجيا الإنسان
اتخذ القرآن الكريم خصائص منهجية لدراسة السلوك الإنساني، أهمها:
أ. المقارنة بين الأفراد مع بعضهم وسلوكياتهم.
ب. التصنيف والتوصيف والتبويب، بحيث إنه يقدم وصفًا دقيقًا للأقوام، واستشراف مستقبلهم من خلال سلوك معيشتهم.
ج. تحديد أصول التغير في السلوك وأسبابه ونتائجه.
ثالثًا: السلوك الحضاري في القرآن
1. التوحيد ودوره في الارتقاء الإنساني
إن ما قام به يوسف (عليه السلام) في السجن من تبليغ الدين، ودعوة أصحابه المساجين إلى التوحيد، هو دعوة من التفكير البدائي إلى سلوك حضاري، وشرح للناس كيف أن هذا التوحيد والإيمان يقودان إلى صناعة علم وحضارة. والقرآن يحكي لنا ما قاله يوسف (عليه السلام): ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذٰلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 37-40).
إذن، فنبي الله يوسف (عليه السلام) يُعدّ أنموذجًا راقيًا من القدوات الذين غيّروا مجتمعهم على أساس التوحيد، ثم أدار دفة الدولة اقتصاديًا على أساس من العلم والدراية، بل علّمهم كيفية الادخار والتدبير.
كذلك قام داوود (عليه السلام) بتنظيم القواعد التوحيدية، وبنى حكمًا عادلًا ممزوجًا بالحكمة، كما قال الله تعالى عن حكمه: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ (البقرة: 251).
2. مقارعة الاستبداد ودورها في إرساء قواعد التحضر
عند مواجهة الأنبياء الكبار، كموسى (عليه السلام)، مع القوى المستكبرة في عصره، نشاهد تأسيس رؤيتين في صعيد الحكم:
الأولى: حكم المستكبرين المبني على عقيدة الكفر والنفاق.
الثانية: حكم المستضعفين المبني على عقيدة التوحيد والتقوى؛ ولذلك نرى الأنبياء كانوا يتعرضون للأذى ويُهدَّدون بالقتل؛ لأن دعوتهم تضعف أركان قدرة الجبابرة والمستكبرين في عصرهم. ويصف لنا القرآن بداية ثورة موسى (عليه السلام) قائلًا: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هٰذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (القصص: 15)، وذلك نموذج من حركة موسى (عليه السلام) ضد المستكبرين وقيامه بالدفاع عن المظلومين.
ويُعد داوود (عليه السلام) مصداقًا أصليًا للنضال ضد جالوت، أو ضد فساد عصره، وبما أن القانون هو طريق النضال الأصلي ضد الفساد منطقيًا، والعدل محور القانون، يمكننا أن نستنبط أن داوود (عليه السلام) كان يمثل القانون وتحققه في المجتمع؛ لأنه كافح الفساد. كما قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ (ص: 26).
3. اللين والمداراة مع الناس ودورهما في الارتقاء الاجتماعي
إن اللين والرفق مع الناس سلوك اجتماعي آخر، يصف القرآن نبينا (صلى الله عليه وآله) بأنه ﴿سِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (الأحزاب: 46)، وتجليًا للرحمة الإلهية للعالمين.
كذلك نرى القول اللين والبليغ في مواضع عدة من حركة موسى (عليه السلام) الإصلاحية، منها عندما أُمر موسى (عليه السلام) وأخوه هارون أن يذهبا إلى فرعون، ويقولا له ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ (طه: 44)، أي قولًا فيه العطف والأدب، أو عندما أذن موسى (عليه السلام) للسحرة أن يبدؤوا بسحرهم ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ (طه: 66). لقد كان موسى بحاجة إلى مساعد ووزير في القول الفصيح والدعوة إلى الديانة الجديدة، إن فصاحة هارون واطلاعه على مستجدات مصر وبني إسرائيل كانت مساعدة مهمة لموسى (عليه السلام)، ولذلك طلب من الله مساعدة هارون: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ (القصص: 35).
4. الإنعام والكرم ودورهما في التطور الاقتصادي
وذكر القرآن لنا نماذج من أسلوب الباري عز وجل لجذب قلوب بني إسرائيل بالإنعام عليهم، وكأنه يعلّمنا طريقة من السلوك المتحضر للتعامل مع المعاندين لعلهم يرجعون. منها قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا البَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (البقرة: 57-60)، و﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَالحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 73-76).
5. العفو والتسامح ودورهما في التعايش السلمي
عفو يوسف (عليه السلام) بالكرامة عن الذين آذوه أشد الإيذاء، وهو في ذروة القدرة والعظمة، يمكن عدّه نمطًا للتعامل مع الناس؛ لأن إخوته كانوا تحت حكمه بالاضطرار، كرعيته الآخرين. فهذا النمط كان له تأثير عجيب في الناس، وجذبهم إلى هذا القائد الإلهي. وفي قصة امرأة العزيز، لم يطلب يوسف (عليه السلام) إلا إثبات براءته مما اتُّهم به: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (يوسف: 51-53).