هاشم العربي.. حين تصبح القصيدة ذاكرةً للناس
شبكة النبأ
2026-08-30 03:36
ثمة شعراء يكتبون القصيدة، وثمة شعراء تكتبهم القصيدة حين تعثر في أصواتهم على زمنٍ كامل. هاشم العربي من أولئك الذين لم يتعاملوا مع الشعر الشعبي بوصفه لوناً أدبياً فحسب، وإنما بوصفه لساناً للناس، وذاكرةً للمدينة، ومخزوناً من التجارب التي يصعب على اللغة الرسمية أن تستوعب دفئها وتفاصيلها. لذلك فإن استعادة تجربته اليوم لا تعني استعادة شاعر رحل وحسب، وإنما استعادة صوتٍ من أصوات الذاكرة الشعبية العراقية.
ولعل أحد الأبيات التي تختصر جانباً من هذه التجربة، وتكشف قدرته على التقاط المعنى من قلب الحياة، قوله:
«كل الخدم تنهان شفناها بالعين
وتخدمهم الأشراف خدام الحسين»
في بيتين فقط، يضع العربي مفردتين تبدوان متناقضتين في مواجهة مباشرة: الهوان والشرف. يبدأ من صورة يعرفها الإنسان في حياته اليومية؛ فمفهوم الخدمة قد يرتبط اجتماعياً بمنزلة أدنى، ثم يعيد الشاعر تشكيل المعنى من داخل الوجدان الحسيني، لتتحول الخدمة من موقعٍ اجتماعي إلى مقامٍ روحي، ومن فعلٍ يمكن أن يُنظر إليه بوصفه انكساراً إلى مصدر اعتزاز. هنا لا يصف الشاعر خادماً بعينه، وإنما يصوغ فلسفة شعبية كاملة عن معنى الخدمة في الوعي الحسيني.
قوة البيت لا تكمن في مفرداته وحدها، وإنما في قدرته على تحويل تجربة جماعية إلى جملة شعرية قابلة للحفظ والترديد. وهذه إحدى خصائص الشعر الشعبي العراقي؛ فالشاعر لا يحتاج إلى لغة بعيدة عن الناس حتى يكون عميقاً، بل يستطيع أن يأخذ أكثر المفردات تداولاً ويضعها في سياق يكشف معنى جديداً. وعندما تصل القصيدة إلى أفواه الناس، تتجاوز لحظة كتابتها، وتتحول إلى جزء من الذاكرة الشفوية.
لم تبدأ حكاية هاشم العربي من القصيدة وحدها، فقد كان الكتاب حاضراً في تكوينه المبكر، وارتبطت نشأته بعلاقة واضحة مع القراءة. هذه الخلفية تمنح تجربته بعداً آخر؛ فالشاعر الذي يدخل إلى الثقافة من بوابة القراءة ثم يعود إلى الناس بلغتهم، يستطيع أن يبني جسراً بين مستويين من التعبير: ثقافة الكتاب من جهة، وثقافة الشارع من جهة أخرى. ولهذا بدت مفردته الشعبية قريبة من الناس من دون أن تكون فقيرة في الدلالة.
كان العربي يلتقط الشعر من تفاصيل الحياة؛ من الإنسان العادي، ومن المدينة، ومن المواقف التي تمر أمام العين ثم تستقر في الذاكرة. وهذه القدرة تجعل الشاعر الشعبي أقرب إلى مؤرخ شفوي؛ فهو يسجل المشاعر والمواقف والطقوس والعلاقات الاجتماعية بطريقة لا تستطيع الوثيقة الجامدة أن تفعلها. فالقصيدة تحفظ ما عاشه الناس، وتمنح التجربة اليومية شكلاً قابلاً للبقاء.
وفي البيئة الكربلائية، تكتسب هذه الوظيفة معنى أكثر اتساعاً؛ لأن الشعر الشعبي ارتبط بالمجالس والمنابر والمواكب والمناسبات، وصار جزءاً من التعبير عن علاقة المجتمع بذاكرته الدينية والاجتماعية. ومن هنا يمكن فهم حضور هاشم العربي في الذاكرة الحسينية؛ فهو لم يكتب عن الخدمة الحسينية من الخارج، وإنما استخدم اللغة التي يفهمها الخادم والزائر والرادود والمستمع، وجعل القصيدة قريبة من المشهد الذي تصفه.
وهنا تكمن إحدى أهم خصائص تجربته: أن القصيدة عنده لا تقف فوق الناس، وإنما تمشي بينهم. لا تطلب منهم أن يتخلوا عن لغتهم حتى يفهموا الشعر، وإنما تأخذ لغتهم نفسها وتصنع منها معنىً أعمق. وهذا سر بقاء كثير من الشعر الشعبي؛ فالبيت الذي يدخل اللسان بسهولة، يستطيع أن يدخل الذاكرة، والبيت الذي يدخل الذاكرة قد يتحول مع الزمن إلى جزء من الوجدان الجمعي.
لم يكن حضور العربي محصوراً في القصيدة، فقد ارتبط بالمشهد الثقافي والصحفي في كربلاء، وشارك في تجارب ثقافية وإعلامية أسهمت في صناعة الحياة الثقافية للمدينة. وبذلك تداخل عنده دور الشاعر مع دور المثقف، وأصبح حضوره جزءاً من حركة ثقافية أوسع حاولت أن تحفظ للمدينة صوتها وسط التحولات التي مر بها العراق.
رحل هاشم العربي، لكن بعض الشعراء لا تنتهي حياتهم عند لحظة الرحيل؛ لأنهم يتركون وراءهم عباراتٍ تعيش أكثر من أصحابها. وربما يكفي ذلك البيت عن خدام الحسين ليكشف طبيعة هذا الإرث: كلمات بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالتها، قادرة على الانتقال من القصيدة إلى المجلس، ومن المجلس إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى جيل لم يرَ الشاعر أصلاً.
وهكذا يصبح هاشم العربي أكثر من اسم في سجل الشعر الشعبي؛ يصبح شاهداً على مرحلة من مراحل تطور القصيدة العراقية، حين استطاعت اللهجة أن تحمل فكرة، والمفردة اليومية أن تنتج موقفاً، والبيت الشعري أن يتحول إلى ذاكرة جماعية تمشي على ألسنة الناس. ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في أثره أن قصيدته لم تكن تبحث عن الخلود؛ كانت تبحث عن الناس، وحين وجدتها، وجدت طريقها إلى الخلود.