سلطة الاغتراب وتحول الكائن في المسخ

اماني بركان

2026-02-28 04:29

هل يمكن للإنسان أن يستيقظ ذات صباح ليكتشف أن قيمته لم تكن يومًا في جوهره، بل في الصورة التي يؤديها أمام الآخرين؟ في رواية «المسخ» للكاتب التشيكي فرانتس كافكا، لا يقدَّم التحول إلى حشرة بوصفه حدثًا غرائبيًا فحسب، بل كصدمة تكشف هشاشة الاعتراف الإنساني حين يكون مشروطًا بالمنفعة. المسخ الجسدي ليس مركز الرواية بقدر ما هو أداة لفضح مسخ أعمق سبقَه: مسخ الهوية حين تُختزل إلى وظيفة. 

يستيقظ غريغور سامسا ليجد نفسه كائنًا حشريًا، لكن فزعه الأول لا يتجه إلى ماهية هذا التحول بقدر ما ينشغل بقلقه من التأخر عن العمل. هذا التفصيل الصادم يكشف أن حياته كانت محكومة بإيقاع خارجي أكثر مما كانت نابعة من وعيه بذاته. هنا يتبدّى الاغتراب لا كحدث طارئ، بل كحالة وجود سبقت المسخ. لقد كان غريغور يؤدي دور المعيل المطيع، ويؤجل رغباته، ويعيش في غرفة تضيق بأحلامه، دون أن يسأل: من أكون خارج هذا الدور؟ 

المسخ، إذًا، لم يخلق اغترابه بل منحه شكلًا مرئيًا. الجسد الحشري صار استعارة مكثفة عن وضع إنساني أعمق: كائن فقد القدرة على أن يكون غاية في ذاته، فتحول إلى وسيلة في حياة الآخرين. وفي هذا المعنى، تلامس الرواية أسئلة الوجود كما بلورها فلاسفة القرن العشرين، حيث تصبح هوية الإنسان معلّقة بنظرة الآخر واعترافه. فالذات التي لا يُعترف بها تُدفع تدريجيًا إلى هامش الوجود. 

يحتفظ غريغور بوعيه الإنساني كاملًا؛ يفكر، يتذكر، يقلق، ويشعر بالخجل. غير أن صوته يتحول إلى صرير غير مفهوم. هنا تبلغ المأساة ذروتها: وعيٌ حاضر، ولغةٌ غائبة. يفصل بين الداخل والخارج جدار غير مرئي، كأن الذات صارت سجينة جسد لا يترجمها. العجز عن التواصل لا يبدو مجرد عارض جسدي، بل صورة عن عزلة أعمق يعيشها الإنسان حين يعجز عن التعبير عما يختلج فيه. إن امتلاك المعنى دون القدرة على مشاركته يتحول إلى شكل من أشكال الفناء البطيء. 

تتغير نظرة الأسرة تدريجيًا. في البداية يسود الذهول، ثم يحل النفور، وأخيرًا يتشكل قرار صامت بإقصائه. لم يعد الابن الذي يعمل لأجلهم، بل عبئًا يهدد انتظام البيت. هنا تنكشف هشاشة الروابط حين تقوم على التبادلية وحدها. الاعتراف الذي كان يُمنح له بوصفه معيلًا يُسحب منه حين يفقد وظيفته. كأن إنسانيته كانت مشروطة بقدرته على العطاء المادي، لا بوجوده المحض. 

مشهد رشق الأب لابنه بالتفاح يمثل لحظة عنف رمزي تتجاوز الإيذاء الجسدي. التفاحة التي تستقر في جسده وتتعفن داخله تبدو علامة على رفض لا يندمل. إنها لحظة إعلان أن المختلف لم يعد مقبولًا داخل النظام العائلي. يتحول غريغور إلى «آخر» داخل بيته، إلى وجود شاذ عن الصورة المألوفة. وفي هذا التحول يتجلى سؤال قاسٍ: هل يُسمح للإنسان بأن يتغير دون أن يُعاقَب على اختلافه؟ 

المكان بدوره يتحول من فضاء خاص إلى حدود عزل. غرفة غريغور التي كانت مأوى لراحته تصبح تدريجيًا مخزنًا للأثاث المهمل. تبدأ الأسرة بإفراغها من مقتنياته، وكأنها تنتزع منه آخر آثار إنسانيته. الأشياء التي كانت تشهد على حياته السابقة تُسحب واحدة تلو الأخرى، في عملية تجريد بطيئة من الهوية. لم يعد المكان امتدادًا لذاته، بل صار إطارًا لعزلته. 

يموت غريغور بصمت، كما عاش في صمته الطويل. موته لا يأتي كصرخة احتجاج، بل كاستسلام هادئ. ومع اختفائه، تستعيد الأسرة خفة غامضة، وتخطط لمستقبل جديد. هذا التوازي المؤلم بين فنائه وانتعاشهم يفتح الباب أمام تأمل أخلاقي: هل يحتاج النظام الاجتماعي أحيانًا إلى إزاحة المختلف كي يستعيد توازنه؟ أم أن الرواية تفضح قسوة هذا المنطق دون أن تبرره؟ 

لا تقدم «المسخ» إجابات جاهزة، بل تضع القارئ أمام مرآة وجودية. فهي لا تتحدث فقط عن كائن تحول إلى حشرة، بل عن إنسان قد يكتشف في لحظة ما أن قيمته كانت معلّقة بصورة يؤديها. حين تتعطل هذه الصورة، ينكشف فراغ الاعتراف. هنا يصبح السؤال ملحًا: ما الذي يبقى من الإنسان حين تُسحب منه أدواره؟ 

تكمن قوة الرواية في بساطتها الظاهرة وعمقها الكامن. اللغة السردية هادئة، لكن أثرها مقلق. المسخ ليس حدثًا خارقًا بقدر ما هو مبالغة فنية تكشف واقعًا مألوفًا: اغتراب العامل، هشاشة الروابط، وحدة الذات في مواجهة عالم لا يعترف إلا بما يفهمه. إن كافكا لا يصرخ، بل يهمس، لكن همسه يترك صداه طويلًا. 

قراءة «المسخ» اليوم تعيد طرح السؤال ذاته: هل إنسانيتنا حق مكتسب أم اعتراف قابل للسحب؟ وهل نستطيع أن نحيا بوعي أصيل خارج الأدوار التي نفرضها على أنفسنا أو تُفرض علينا؟ ربما تكمن مأساة غريغور في أنه لم يسأل هذه الأسئلة إلا بعد فوات الأوان، حين صار جسده نفسه شاهدًا على اغترابه.

تبقى الرواية مفتوحة على تأويلات لا تنتهي، لأنها تمس قلقًا لا يشيخ. كل قارئ قد يرى في غريغور صورة ما من نفسه: لحظة ضعف، أو خوف من الرفض، أو شعورًا بأن العالم لا يرى إلا ما يريد أن يراه. وبين الإنسان الذي نظن أننا كناه، والصورة التي يراها الآخرون فينا، تمتد مسافة هشّة… هي المسافة ذاتها التي مشى عليها غريغور حتى موته.

ذات صلة

ما هو دور الأئمة (ع) في الحياة: تأسيس حكومة أو بناء الإنسان؟خديجة الكبرى: الشهيدة البيضاء والدرع الذي حَمى فجر الإسلامالسلة الرمضانية: رسالة إنسانية تتجاوز الجوعالدولة العراقية.. مسار الاستمرارية وإدراك المعادلة الاقليمية‏خور عبد الله.. السيادة المعلقة