ملكية المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي.. بين حقوق المؤلف واحتكار الشركات

شبكة النبأ

2026-09-15 02:29

لم يعد السؤال الذي يطرحه الذكاء الاصطناعي متعلقًا فقط بما يستطيع إنتاجه من نصوص وصور وأفلام وأدوية وبرمجيات، بل بمن يملك ما ينتجه، ومن يملك المواد التي تعلم منها أصلًا، ومن يستحق العائد الاقتصادي المتولد عنه. وتكشف هذه الأسئلة أن معركة الذكاء الاصطناعي المقبلة لن تدور حول التقنية وحدها، وإنما حول القانون والملكية والثروة والسلطة. وينطلق هذا المقال من دراسة موسعة للباحث ألكسندر هارتلي نشرتها مجلة Boston Review بعنوان To Whom Does the World Belong، ويعيد تنظيم مضمونها بصورة تناسب القارئ العام، مع الحفاظ على حجتها الأساسية: أن الطريقة التي ستُصاغ بها قوانين الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي يمكن أن تحدد من يملك جانبًا كبيرًا من الثروة المعرفية والاقتصادية في المستقبل. 

سؤال قديم يعود بصيغة جديدة

يبدأ هارتلي من قصة تبدو بعيدة تمامًا عن ChatGPT والذكاء الاصطناعي. ففي مطلع القرن العشرين، ارتبط الطبيب الأميركي وليام سادلر بجماعة زعمت أنها تلقت رسائل من كائنات سماوية، ثم جُمعت تلك «الكشوف» في كتاب ضخم عُرف باسم «كتاب يورانتيا». وبعد عقود، عندما قامت امرأة بتوزيع الكتاب إلكترونيًا من دون إذن، رفعت المؤسسة المالكة له دعوى حقوق نشر. وكان دفاع المرأة لافتًا: إذا كانت الكلمات، بحسب أصحاب الكتاب أنفسهم، صادرة عن كائنات غير بشرية، فمن هو المؤلف البشري الذي يمكنه المطالبة بحقوق النشر؟

رفضت المحكمة هذا الدفاع، لكنها لم تحتج إلى البت في حقيقة مصدر الرسائل، بل ركزت على مساهمة البشر الذين اختاروا الأسئلة وصاغوها ورتبوا المواد الناتجة عنها. ورأت أن هذا التدخل البشري وفر الحد الأدنى من الإبداع اللازم لقيام حقوق التأليف. وما كان يبدو آنذاك نزاعًا غريبًا أصبح اليوم قريبًا بصورة لافتة من النقاش حول الذكاء الاصطناعي: إذا أعطى الإنسان آلةً تعليمات، وصاغ السؤال، وحدد الاتجاه، ثم أنتجت الآلة النص أو الصورة، فهل تكفي مساهمته ليصبح صاحب العمل؟ 

من هنا تكتسب القضية أهميتها الحديثة. فمهندسو الأوامر الذين يحاولون دفع النماذج إلى إنتاج نتائج معينة يشبهون، من زاوية قانونية، أولئك الذين صاغوا الأسئلة في قصة يورانتيا. لكن حجم الرهان الآن مختلف جذريًا؛ فنحن لا نتحدث عن كتاب واحد، بل عن منظومات يمكنها إنتاج ملايين النصوص والصور والأفكار والابتكارات. ولذلك فإن النزاع حول التأليف ليس قضية فنية صغيرة، بل يمكن أن يعيد توزيع الملكية والثروة على نطاق واسع.

ويشير المقال إلى حجم هذه المسألة من خلال تقديرات تنسب نحو 90 في المئة من النمو الاقتصادي الأميركي الحديث، ونحو 65 في المئة من قيمة أكبر 500 شركة أميركية، إلى الملكية الفكرية. كما يلفت إلى أن سوق خدمات الذكاء الاصطناعي نفسها قد تصل إلى مستويات هائلة، فيما يمكن أن تصبح قيمة براءات الاختراع والأعمال الإبداعية والمحتويات التي تساعد هذه الأنظمة على إنتاجها أكبر من قيمة الخدمات التقنية ذاتها. عند هذه النقطة يصبح السؤال عن الملكية نسخة جديدة من سؤال برتولت بريخت الشهير: لمن ينتمي العالم؟ 

مشكلتان أساسيتان: ماذا يدخل إلى الآلة، وماذا يخرج منها؟

يمكن اختصار التعقيد القانوني المحيط بالذكاء الاصطناعي في مشكلتين رئيسيتين. الأولى هي مشكلة المدخلات: من يملك الكتب والمقالات والصور والأعمال البشرية التي تُستخدم لتدريب النماذج؟ والثانية هي مشكلة المخرجات: من يملك النص أو الصورة أو الفكرة أو الاختراع الذي ينتجه النموذج بعد انتهاء عملية التدريب؟ والتمييز بين المشكلتين ضروري، لأن الإجابة القانونية عن الأولى لا تحسم الثانية بالضرورة. 

حتى الآن، تركزت المواجهة بصورة أكبر حول المدخلات. فالنماذج اللغوية الكبيرة تحتاج إلى كميات هائلة من النصوص حتى تتعلم أنماط اللغة والعلاقات بين الكلمات والمفاهيم. وقد جُمعت أجزاء كبيرة من هذه المواد من الإنترنت بواسطة عمليات آلية للكشط والزحف، شملت صحفًا ومواقع ومنتديات وكتبًا ومصادر أخرى. وبحسب المقال، وردت تقارير عن تدريب GPT-4 على ما يقرب من 13 تريليون «رمز» لغوي، بما يعادل تقريبًا عشرة تريليونات كلمة. وهذه الكمية لا يمكن توفيرها بالاعتماد على المواد الموجودة في الملكية العامة وحدها. 

هنا يبدأ النزاع: إذا كانت شركة ما تبني منتجًا تجاريًا بالغ القيمة اعتمادًا على ملايين الأعمال البشرية المحمية، فهل ينبغي لها الحصول على إذن أصحابها ودفع مقابل لهم؟ أم أن تدريب الآلة يشبه قراءة الإنسان للكتب وتعلمه منها، وهي ممارسة لا يدفع فيها الكاتب تعويضًا لكل من قرأ أعمالهم وأثّروا فيه؟

وقد أصبح هذا الخلاف أساسًا لدعاوى رفعها مؤلفون وناشرون ومؤسسات إعلامية. ويشير المقال إلى وجود أعمال أدبية محمية داخل مجموعات بيانات استُخدمت لتدريب نماذج مختلفة، ويذكر دعاوى لمؤلفين ضد OpenAI، إضافة إلى النزاع القضائي بين نيويورك تايمز وOpenAI وMicrosoft بشأن استخدام محتوى الصحيفة في تدريب أنظمة يمكن أن تنافسها لاحقًا. وفي المقابل، اتجهت مؤسسات أخرى إلى عقد صفقات ترخيص وشراكات بدلًا من المواجهة القضائية، وهو ما يشير إلى احتمال نشوء سوق واسعة لبيع حقوق استخدام المحتوى في تدريب الذكاء الاصطناعي. 

هل يتعلم الذكاء الاصطناعي كما يتعلم الإنسان؟

تدافع شركات الذكاء الاصطناعي غالبًا عن عملية التدريب بتشبيهها بالتعلم البشري. فكل كاتب يقرأ مئات أو آلاف الكتب ثم ينتج عملًا جديدًا متأثرًا بما قرأه. ولا يستطيع كل مؤلف قرأه أن يطالب بجزء من حقوق العمل الجديد لمجرد أنه أسهم في تكوين ثقافة الكاتب.

ولشرح هذه الفكرة، يقدم هارتلي تجربة ذهنية طريفة. فإذا كان الناقد الأدبي هارولد بلوم قادرًا، كما قيل، على قراءة ألف صفحة في الساعة، لاحتاج إلى قرون لقراءة مقدار النص الذي دخل في تدريب نموذج ضخم. ولنتخيل قارئًا خارقًا يسمى «غيغا بلوم» يستطيع قراءة كل تلك المواد خلال سنوات، ثم يكتب كتابًا أصيلًا استنادًا إلى ما تعلمه. هل يصبح كل مؤلف قرأه شريكًا في ملكية الكتاب الجديد؟ منطق التأليف التقليدي يقول لا، لأن الثقافة البشرية نفسها تقوم على القراءة والاستيعاب ثم إعادة التركيب والإبداع. 

ويستحضر المقال تشبيهًا قديمًا لسينيكا بالنحل: فهو يجمع الرحيق من أزهار مختلفة، لكنه يحوله في النهاية إلى مادة جديدة هي العسل. وبهذا المعنى، لا تكون المشكلة في الاستفادة من المصادر، بل في مقدار التحول الذي يحدث بعد الاستفادة منها.

لكن هذا التشبيه يواجه اعتراضًا جوهريًا: هل النموذج اللغوي إنسان فعلًا؟ فالآلة لا تقرأ كما يقرأ الفرد، ولا تعيش تجربة شخصية، ولا توجد مستقلة عن شبكة من المطورين والعمال والشركات ومراكز البيانات والمقيمين البشريين الذين يشاركون في تدريبها وضبطها. ولذلك يقترح بعض الباحثين النظر إلى الذكاء الاصطناعي لا بوصفه «عقلًا فرديًا» بل بوصفه نظامًا اجتماعيًا وتقنيًا معقدًا، أقرب أحيانًا إلى شركة أو مؤسسة منه إلى شخص منفرد. كما يلفت المقال إلى دور أعداد كبيرة من العمال، ولا سيما في الجنوب العالمي، في تصنيف البيانات وتقييم النتائج وتنقية المحتوى، وهو ما يجعل «ذكاء» النظام نتاجًا جماعيًا بدرجة كبيرة. 

ويتصل بذلك توصيف النماذج اللغوية بأنها «ببغاوات احتمالية»؛ أي أن ما يبدو فهمًا وإبداعًا قد يكون في جوهره توقعًا إحصائيًا متطورًا للكلمة التالية استنادًا إلى أنماط تعلَّمها النظام من النصوص البشرية. وإذا كان هذا الوصف صحيحًا، تصبح حجة أصحاب الأعمال الأصلية أقوى: فالآلة لا «تتعلم» بالمعنى الإنساني، بل تعيد تركيب إنتاج جماعي هائل سبق أن صنعه البشر. ومع ذلك، يرد المدافعون عن التكنولوجيا بأن قدرًا كبيرًا من اللغة البشرية نفسه يقوم على إعادة تركيب أنماط سبق تعلمها، وهو ما يجعل الحدود الفلسفية أقل وضوحًا مما تبدو عليه.

هل يمكن حل مشكلة المدخلات؟

على الرغم من صعوبة النزاعات الحالية، يرى المقال أن مشكلة المدخلات ربما تكون أسهل من مشكلة المخرجات. فمن الممكن نظريًا إنشاء نظام تراخيص يسمح للمطورين باستخدام كميات ضخمة من النصوص مقابل دفع تعويضات لأصحاب الحقوق، كما حدث تاريخيًا في صناعات أخرى.

وقد يتجه المستقبل إلى نموذج يجمع بين الأعمال الواقعة في الملكية العامة، والمواد المرخصة تجاريًا، والاتفاقات الخاصة مع ناشرين أو منصات ضخمة. لكن هذا الحل يحمل مشكلة توزيع جديدة؛ فالأكثر قدرة على الاستفادة منه لن يكون بالضرورة الكاتب الفرد، بل المؤسسات التي تمتلك كميات ضخمة من المحتوى: دور النشر والصحف والمنصات الكبرى. وهذا قد يؤدي إلى تحويل النزاع من «المؤلف ضد الذكاء الاصطناعي» إلى تفاوض بين شركات ضخمة على تقاسم قيمة المحتوى.

ويقترح المقال، على المدى الطويل، إمكانية سن نظام ترخيص إلزامي، بحيث تكون الشركات مطالبة بتتبع المواد المستخدمة في التدريب، ثم دفع تعويضات وفق صيغة قانونية. وبهذه الطريقة يمكن تحويل استخدام المحتوى من عملية غير واضحة أو متنازع عليها إلى علاقة قانونية منتظمة. لكن حتى لو حُلت مشكلة المدخلات بهذه الطريقة، سيبقى السؤال الأصعب: من يملك ما تخرجه الآلة؟ 

من يملك إنتاج الذكاء الاصطناعي؟

عندما يولد الذكاء الاصطناعي نصًا أو صورة أو ابتكارًا، تظهر مجموعة من المرشحين للملكية. ويعرض المقال عدة احتمالات تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والاقتصادية والفلسفية.

الاحتمال الأول هو المطور؛ فالشركة التي بنت النموذج وامتلكت التكنولوجيا قد تقول إن المنتج الناتج عنه امتداد لملكيتها. لكن هذه الحجة تواجه صعوبة واضحة: مبرمجو النظام لم يكتبوا النص المحدد، ولم يعرفوا مسبقًا أنه سيظهر، وربما لم يتخيلوه أصلًا. ولذلك تبدو نسبة التأليف إليهم بعيدة عن مفهوم المؤلف التقليدي.

الاحتمال الثاني هو الشركة التي ترخص النموذج وتعدله. فقد تستخدم شركة نموذجًا عامًا، لكنها تدربه إضافيًا على بياناتها الخاصة، وتضبط سلوكه، ويقيم موظفوها مخرجاته باستمرار. هنا تصبح مساهمتها أكثر مباشرة. وإذا تحملت المسؤولية القانونية عن أخطائه، فهل ينبغي أن يكون لها في المقابل حق في ملكية إنتاجه؟

يقدم المقال مثالًا شهيرًا من كندا. فقد تلقى مسافر من روبوت محادثة تابع لشركة Air Canada معلومات خاطئة بشأن خصم خاص بالسفر بسبب وفاة أحد الأقارب. وعندما رفضت الشركة تنفيذ ما قاله الروبوت، حكمت جهة قضائية ضدها، مؤكدة أن الشركة مسؤولة عن المعلومات الموجودة على موقعها سواء صدرت من صفحة ثابتة أو روبوت محادثة. ويستخرج هارتلي من القضية مفارقة مهمة: إذا كانت الشركة مسؤولة عن كلام نظامها عندما يخطئ، فهل من المنطقي منعها تمامًا من امتلاك مخرجاته عندما ينتج شيئًا ذا قيمة؟ فالملكية والمسؤولية كثيرًا ما ارتبطتا تاريخيًا ببعضهما. 

والاحتمال الثالث هو أن تكون الملكية لأصحاب بيانات التدريب أنفسهم. فإذا كان النظام لم يفعل سوى إعادة معالجة كتابات البشر، فقد يُقال إن المخرج الجديد حصيلة جماعية لأعمالهم. غير أن تطبيق هذا المبدأ على النماذج الحديثة شبه مستحيل؛ لأن أي نتيجة واحدة قد تكون نتاج مليارات المعلمات التي تشكلت من مجموعات هائلة من البيانات، ولا يمكن عادة تحديد الكتب أو المقالات التي «أنتجت» جملة محددة.

إضافة إلى ذلك، يقوم قانون حقوق النشر على فكرة الاستخدام التحويلي؛ أي أن العمل الجديد يمكن أن يستفيد من عمل قديم ما دام قد غيّره بما يكفي ليضيف تعبيرًا أو معنى أو رسالة جديدة. وفي معظم مخرجات الذكاء الاصطناعي اليومية، يصعب التعرف إلى أصل محدد جرى تعديله مباشرة. ولذلك يُرجح المقال أن محاولة جعل جميع أصحاب بيانات التدريب مؤلفين مشتركين لكل مخرج ستواجه صعوبة كبيرة أمام المحاكم. 

هل يصبح المستخدم مؤلفًا؟

الاحتمال الرابع هو الأقرب إلى قضية يورانتيا القديمة: المستخدم الذي يكتب الأمر. فإذا أمضى الإنسان وقتًا طويلًا في صياغة وصف دقيق للغاية، وحدد التكوين والأسلوب والعناصر والعلاقات، ثم استخدم سلسلة معقدة من التعليمات والمراجعات لإنتاج نتيجة بعينها، يمكن القول إن مساهمته تحمل قدرًا من الإبداع يجعلها أقرب إلى التأليف.

هذه الفكرة جذابة لأنها توزع الملكية على ملايين المستخدمين بدل حصرها في الشركات. كما أنها تعترف بأن استخدام الذكاء الاصطناعي ليس دائمًا مجرد الضغط على زر؛ فقد تتحول هندسة الأوامر، في بعض الحالات، إلى ممارسة إبداعية حقيقية.

لكن أين نرسم الحد؟ هناك فرق كبير بين أمر مفصل يمتد مئات الكلمات وبين عبارة: «ارسم لي صورة». وإذا منحت حقوق النشر لكل من يوجه النموذج، ستضطر المحاكم إلى تحديد مقدار الإبداع البشري المطلوب في كل حالة. والأكثر تعقيدًا أن الأنظمة قد تصبح أكثر استقلالًا، فلا يحتاج المستخدم مستقبلًا إلا إلى تحديد هدف عام، ثم تتولى الآلة معظم القرارات الإبداعية.

ولهذا تكتسب قضية ستيفن ثالر أهمية كبيرة. فقد حاول تسجيل حقوق صورة أنشأها برنامج وصفه بأنه يعمل بصورة مستقلة، وسمى الآلة نفسها مؤلفًا. ورفضت المحكمة الطلب، مشددة على ضرورة وجود عنصر من الإبداع البشري. وبما أن ثالر أكد أن العمل تم بلا تدخل بشري، أصبح الناتج غير مؤهل للحماية بالطريقة التي طلبها. وهذا يفتح الباب أمام احتمال خامس بالغ الأهمية: أن تكون بعض مخرجات الذكاء الاصطناعي ملكًا عامًا لا يملكها أحد بصورة حصرية. 

المجال العام في مواجهة الاحتكار

قد تبدو فكرة أن يكون الإنتاج الآلي ملكًا للجميع بسيطة، لكنها تحمل آثارًا اقتصادية ضخمة. فالمجال العام ليس فراغًا قانونيًا، بل مساحة تسمح للجميع باستخدام الموارد الثقافية والعلمية من دون طلب إذن أو دفع رسوم. ومن هذه المساحة تنشأ أعمال جديدة وابتكارات جديدة.

لكن هناك مصالح ضخمة ستقاوم توسيع المجال العام. ستجادل شركات الذكاء الاصطناعي بأنها تحتاج إلى حقوق على المخرجات لكي تسترد استثماراتها، وستقول شركات الأدوية إنها لن تستثمر في تطوير أدوية بواسطة الذكاء الاصطناعي إذا لم تستطع حماية المنتجات ببراءات، وستطالب استوديوهات السينما بالسيطرة على الشخصيات والصور والقصص التي تصنعها أنظمتها.

والاختلال في القوة واضح: الشركات تمتلك المال والمحامين وجماعات الضغط، أما المجال العام فلا يمتلك من يمثله اقتصاديًا بالقوة نفسها. ومن هنا يحذر المقال من أن قوانين الملكية الفكرية يمكن أن تتحول، إذا صيغت لمصلحة الجهات الأقوى وحدها، إلى آلية لنقل ثروة معرفية هائلة إلى عدد محدود من الشركات. 

وهل يمكن أن يملك الذكاء الاصطناعي نفسه؟

يطرح المقال احتمالًا أكثر غرابة: ماذا لو أصبح الذكاء الاصطناعي نفسه مالكًا للعمل الذي ينتجه؟ القوانين الحالية في معظم الدول لا تتعامل مع الآلة بوصفها شخصًا قانونيًا قادرًا على امتلاك المال أو الممتلكات أو الحقوق والواجبات المدنية. فالذكاء الاصطناعي لا يملك جنسية أو موطنًا قانونيًا، ولا يستطيع تحمل العقوبة بالطريقة التي يتحملها الإنسان أو الشركة.

لكن هذا السؤال قد يصبح أكثر تعقيدًا إذا تطورت الأنظمة إلى درجة يُثار معها نقاش جدي حول الوعي أو الوكالة الأخلاقية. وينقل المقال عن الفيلسوف ديفيد تشالمرز تقديرًا يمنح احتمالًا غير ضئيل لإمكان وصف أنظمة توليدية مستقبلية بأنها واعية خلال السنوات المقبلة. ومع ذلك، فحتى الاعتراف بحقوق أخلاقية لكائن ما لا يعني تلقائيًا منحه حق التملك؛ فهناك كائنات حية تحميها القوانين من الأذى لكنها لا تستطيع امتلاك العقارات أو حقوق النشر. ولهذا يمكن أن يأتي الاعتراف بالآلة بوصفها فاعلًا أخلاقيًا أو قانونيًا، إن حدث أصلًا، قبل وقت طويل من الاعتراف بها بوصفها مؤلفًا مالكًا. 

القضية ليست حقوق المؤلف فقط.. بل توزيع الثروة

تتجاوز أهمية هذا النقاش الخلاف على اسم المؤلف المكتوب على الغلاف. فإذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج كميات ضخمة من النصوص والصور والبرمجيات والتصاميم والأدوية، فإن تحديد من يمتلك هذه المنتجات سيحدد إلى أين تتدفق الأرباح.

وهنا يصبح قانون الملكية الفكرية أداة لتوزيع الثروة. فإذا أعطيت الحقوق للمطورين، ستتركز القيمة لدى شركات التكنولوجيا. وإذا أعطيت للمستخدمين، ستتوزع على نطاق أوسع. وإذا أُبقي جزء كبير من الإنتاج في المجال العام، قد يستفيد المجتمع كله من انخفاض كلفة المعرفة والإبداع. وإذا تمكن أصحاب المحتوى الأصلي من الحصول على تراخيص إلزامية، يمكن أن يتدفق جزء من أرباح الذكاء الاصطناعي إلى المؤلفين والصحفيين والفنانين.

ولهذا يرى هارتلي أن النقاش لا ينبغي أن يبدأ من الاعتقاد بأن حقوق الملكية الفكرية حقوق طبيعية مطلقة يمتلكها المبدع في عمله إلى الأبد. فتاريخ هذه القوانين، بحسب المقال، يبين أنها صُممت أساسًا بوصفها أداة لتحفيز الإبداع والاختراع عبر منح احتكار مؤقت، لا بوصفها اعترافًا بملكية أبدية للمعرفة. ويستشهد بالدستور الأميركي الذي يربط حماية المؤلفين والمخترعين بهدف «تعزيز تقدم العلوم والفنون النافعة»، مع منح الحقوق لفترات محدودة. 

هذه النقطة تغير طبيعة السؤال. فبدل أن نسأل فقط: «من يستحق ملكية العمل؟»، يمكن أن نسأل: أي ترتيب للملكية يحقق أكبر فائدة اجتماعية ويشجع الإبداع من دون أن يؤدي إلى احتكار المعرفة؟

الذكاء الاصطناعي ونهاية أسطورة «المؤلف المالك»

ينتقد المقال الفكرة الرومانسية التي نشأت حول المؤلف بوصفه مصدرًا منفردًا وأصيلًا للعمل، وأن هناك رابطة خاصة بين «الفنان» وإبداعه تمنحه سلطة شبه مطلقة عليه. ويشير إلى أن هذه الصورة التاريخية ارتبطت بتحولات اقتصادية جعلت الكتاب يعتمدون على بيع إنتاجهم في السوق، فترسخت صورة «المؤلف-المالك».

لكن الذكاء الاصطناعي يهز هذه الصورة من جذورها. فإذا أصبح النص نتيجة تفاعل بين بيانات كتبها ملايين البشر، ومطورين بنوا النموذج، وعمال قيّموا مخرجاته، ومستخدم كتب الأمر، وشركة وفرت البنية الحاسوبية، فأين يوجد «المؤلف» الذي يمكنه الادعاء بأنه المصدر الوحيد للعمل؟

ولا يعني ذلك اختفاء الإبداع البشري، بل أن مفهوم التأليف قد يحتاج إلى إعادة صياغة. وربما يصبح من الضروري التمييز بين الأعمال التي يعتمد جوهرها على إبداع بشري واضح، وبين المنتجات التي تولدها الأنظمة بدرجة عالية من الاستقلال. وكلما زادت قدرة الذكاء الاصطناعي على الإنتاج، أصبحت مساواة «من أنتج» بـ«من يملك» أكثر صعوبة. 

خطر الندرة المصطنعة

يقدم المقال في نهايته تحذيرًا اقتصاديًا يتجاوز حقوق النشر. فالتكنولوجيا قد تجعل إنتاج المعرفة والمحتوى أرخص وأسرع بكثير، لكن قوانين الملكية يمكن أن تحول هذا الاحتمال إلى ندرة مصطنعة. فإذا أصبحت أنظمة قليلة قادرة على إنتاج كميات غير مسبوقة من المعرفة والمنتجات الفكرية، ثم امتلكت شركات محدودة الحقوق الحصرية في معظم هذا الإنتاج، فقد نصل إلى عالم تتوافر فيه القدرة التقنية على الوفرة، لكن الوصول إليها يبقى محكومًا بالاحتكار والإيجارات والرسوم.

ويستعين المقال بكتاب «أربعة مستقبَلات» لبيتر فريز، الذي يتخيل أن التقدم التكنولوجي قد يقود إلى الوفرة والمساواة إذا اقترن بنظام اقتصادي عادل، لكنه قد يقود أيضًا إلى عالم يملك فيه عدد محدود من الجهات التكنولوجيا، بينما يدفع الآخرون باستمرار مقابل الوصول إلى منتجات يمكن تصنيعها بكلفة منخفضة للغاية.

وإذا أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي في المستقبل مصدرًا رئيسيًا للسلع الفكرية، وأضعفت قيمة بعض أنواع العمل البشري، فقد تصبح مسألة توزيع ملكية هذه التكنولوجيا أكثر أهمية من توزيع أرباحها بعد تراكمها. ولذلك ينتقد المقال فكرة انتظار نشوء ثروات هائلة في وادي السيليكون ثم التفكير لاحقًا في الضرائب وإعادة التوزيع؛ لأن تركيز الثروة يعني أيضًا تركيز القوة السياسية القادرة على التأثير في القواعد المستقبلية نفسها. 

كيف يمكن بناء نظام أكثر عدالة؟

يطرح المقال مجموعة من الاتجاهات التي يمكن أن تشكل أساسًا لنظام أكثر عدالة للملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي. من بينها تقليل مدة حقوق النشر للأعمال التي يعتمد إنتاجها بصورة كبيرة على الذكاء الاصطناعي، بدل منحها الحماية الطويلة نفسها التي تُمنح للإنتاج البشري التقليدي. كما يقترح التفكير في إدخال العناصر التي يولدها الذكاء الاصطناعي بصورة مستقلة إلى المجال العام، مع مطالبة من يريد حقوقًا حصرية بإثبات أن مساهمته البشرية في المنتج النهائي كانت جوهرية.

ويدعو كذلك إلى وجود جهات عامة قوية وممولة قانونيًا للدفاع عن المجال العام في النزاعات المقبلة، لأن الشركات الكبرى ستكون ممثلة بصورة ممتازة بواسطة محاميها ومصالحها، بينما لا يوجد «مالك» للمجال العام يستطيع تمويل الدفاع عنه بالطريقة نفسها. 

لكن المقال يذهب أبعد من ذلك، فيسأل: إذا كانت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بالقوة والخطورة والأهمية الاقتصادية التي يصفها مطوروها أنفسهم، فهل ينبغي أن تكون السيطرة عليها محصورة أصلًا في شركات خاصة؟ ويعقد مقارنة بالطاقة النووية، التي لم تترك الدول بنيتها الأساسية بالكامل لقواعد الملكية الخاصة. فالدولة قد تتعاقد مع الشركات لبناء المعدات وتشغيل المنشآت، لكن السيطرة على التكنولوجيا الاستراتيجية ظلت مسألة تتعلق بالصالح العام والأمن الجماعي.

ولا يقدم هذا التشبيه حلًا بسيطًا؛ فالسيطرة الحكومية نفسها تحمل مخاطر كبيرة، خصوصًا عندما تكون السلطة في أيدي حكومات استبدادية أو قيادات غير مستقرة. لكن السؤال يظل مشروعًا: هل من الحكمة أن تصبح بنية تحتية قد تعيد تشكيل الاقتصاد والمعرفة والعمل والسياسة ملكية خاصة خالصة لا تخضع إلا لمنطق السوق؟

القانون الذي صنع الملكية يستطيع إعادة تشكيلها

تكمن الفكرة الأكثر أهمية في خاتمة المقال في أن الملكية الفكرية ليست حقيقة طبيعية. فالعقار المادي تحكمه حدود المكان والموارد، أما الملكية الفكرية فهي في جوهرها نظام من القواعد الاجتماعية والقانونية التي تحدد من يستطيع فعل ماذا بنص أو اختراع أو صورة.

ولذلك فإن القواعد الحالية ليست قدرًا لا يمكن تغييره. فإذا كانت القوانين قد منحت شركات وأفرادًا حقوقًا معينة في الماضي لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية، تستطيع المجتمعات الديمقراطية إعادة تصميم هذه القوانين عندما تتغير التكنولوجيا والظروف.

وهنا يصل النقاش إلى جوهره: هل ستُستخدم قوانين القرن الماضي لتكريس احتكار تقنيات المستقبل، أم ستُعاد صياغتها لضمان توزيع فوائد الذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع؟ فالمشكلة ليست في الاعتراف بضرورة وجود حوافز للاستثمار والابتكار، بل في منع تحول هذه الحوافز إلى ملكيات طويلة الأمد تسمح لعدد محدود من الشركات بالسيطرة على المعرفة والثروة التي ينتجها نظام بُني، في الأساس، من عمل وبيانات وإبداعات مجتمع بأكمله.

ومن ثم، فإن السؤال «لمن ينتمي إنتاج الذكاء الاصطناعي؟» ليس قانونيًا فقط. إنه سؤال عن شكل الاقتصاد المقبل: من يملك وسائل إنتاج المعرفة، ومن يستطيع الوصول إليها، ومن يحصل على القيمة المتولدة منها. وإذا تُركت الإجابة فقط للشركات والمحاكم والمصالح الأقوى، فقد تحدد قواعد الملكية اليوم توزيع الثروة والقوة لعقود مقبلة. أما إذا عوملت المسألة باعتبارها قضية عامة، فيمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتوسيع المعرفة والابتكار بدل أن يتحول إلى وسيلة جديدة لتركيز الملكية.

وفي النهاية، يضعنا الذكاء الاصطناعي أمام خيار يتجاوز التقنية ذاتها: هل نكيف المجتمع مع قواعد الملكية التي ورثناها، أم نكيف قواعد الملكية مع نوع المجتمع الذي نريد بناءه؟ فالقانون، كما يؤكد مضمون المقال، وُجد لخدمة رفاه الإنسان، وليس الإنسان لخدمة ترتيبات قانونية صيغت في ظروف تاريخية مختلفة تمامًا. 

* المصدر: المقال محرر بالاستناد إلى دراسة ألكسندر هارتلي (Alexander Hartley)، الباحث في كلية كينغز بجامعة كامبريدج والحاصل على الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة هارفارد، بعنوان To Whom Does the World Belong? – The battle over copyright in the age of ChatGPT، المنشورة في Boston Review، عدد خريف 2024، بتاريخ 10 ديسمبر/كانون الأول 2024.

ذات صلة

بودكاست «حيرة» مع السيد مرتضى الشيرازي.. مقاربات تجديدية في الفكر والفقه والشورى والاقتصادآليات التوظيف السياسي للتشيع في الاستراتيجية الإيرانية تجاه العراقسيكولوجية الرشوة: لماذا يأخذ من لا يحتاج؟في يومها الدولي.. الديمقراطية في العراق بين صوت الناخب وأثر القرارالنقد التربوي في الفلسفة الكانطية