الكُلف الخفية للذكاء الاصطناعي

كيف تستنزف مراكز البيانات الاقتصاد والمجتمع والبيئة والسياسة؟

شبكة النبأ

2026-08-26 03:22

لم يعد الذكاء الاصطناعي عالمًا افتراضيًا تتحرك فيه الخوارزميات بعيدًا عن الأرض والطاقة والمياه، بل أصبح واحدًا من أكثر الأنشطة الاقتصادية اعتمادًا على بنية مادية كثيفة الموارد. فكل نموذج متقدم يحتاج إلى آلاف المعالجات والخوادم وأنظمة التخزين والتبريد، وإلى منشآت هائلة تعمل على مدار الساعة، ترتبط بمحطات الكهرباء وخطوط النقل وشبكات المياه والطرق وسلاسل توريد المعدات. وكلما تسارعت المنافسة على تطوير نماذج أكثر قدرة، اتسع البناء المادي الذي يقف خلفها، وتحولت مراكز البيانات من مرافق تقنية محدودة إلى مجمعات صناعية عملاقة تترك آثارًا مباشرة في المدن والبلدات والمجتمعات المحيطة بها.

هذه البنية هي التي تتيح تشغيل محركات البحث والخدمات السحابية ومنصات التواصل والبث الرقمي، لكنها اكتسبت مع صعود الذكاء الاصطناعي طبيعة مختلفة؛ لأن تدريب النماذج وتشغيلها يحتاجان إلى معالجات رسومية عالية الكثافة، تستهلك كهرباء أكبر وتنتج حرارة أعلى وتتطلب تبريدًا مستمرًا. وفي الولايات المتحدة وحدها يوجد ما لا يقل عن أربعة آلاف مركز بيانات، فضلاً عن نحو ثلاثة آلاف مركز قيد الإنشاء أو التخطيط، في وقت تتوقع فيه الشركات توسعًا إضافيًا نتيجة زيادة الطلب على القدرة الحاسوبية. وهكذا لم يعد السؤال متعلقًا بالحاجة إلى هذه المراكز، بل بمن يتحمل كلفتها، وكيف توزع منافعها وأعباؤها، وما إذا كان النمو الرقمي يتحقق من خلال نقل جانب متزايد من تكلفته إلى المجتمع والاقتصاد والبيئة والدولة.

يستخدم مفهوم «الاستنزاف» هنا لوصف عملية متعددة الأبعاد، لا تعني أن مراكز البيانات لا تنتج قيمة اقتصادية أو تقنية، وإنما تشير إلى احتمال استهلاكها موارد عامة ومجتمعية بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات على تعويضها، أو حصول الشركات على المنافع بينما تتحمل أطراف أخرى الكلفة. فالاستنزاف الاقتصادي يظهر في الضغط على الكهرباء والبنية الأساسية والإعفاءات والتمويل، والاجتماعي في تراجع الثقة والمنافسة على الموارد واختلال العلاقة بين الوظائف الموعودة والأعباء الواقعة، والبيئي في استهلاك الطاقة والمياه والأرض والانبعاثات، والسياسي في تحويل القرارات المحلية والانتخابات إلى ساحة صراع حول مستقبل الذكاء الاصطناعي.

من البنية الرقمية إلى المجمع الصناعي

كانت مراكز البيانات التقليدية تخدم تخزين المعلومات والمواقع والخدمات السحابية، أما جيل الذكاء الاصطناعي فيحتاج إلى تجمعات كبيرة من الرقائق المتخصصة تعمل بالتوازي، ولذلك أصبح الحجم عنصرًا حاسمًا في المنافسة. ويقدم مركز «هايبرون» الذي تبنيه شركة ميتا في ولاية لويزيانا مثالًا على هذا التحول؛ إذ يمتد موقع المشروع لنحو خمسة أميال طولًا وميل واحد عرضًا، بما يجعله أقرب إلى منطقة صناعية واسعة منه إلى منشأة تقنية تقليدية. وهذه الضخامة ليست هندسية فقط، لأنها تتطلب أرضًا وطرقًا ومحطات فرعية وخطوط كهرباء ومولدات احتياطية ومرافق تبريد واتصالات، وتعيد ترتيب استخدامات الموارد في المنطقة المحيطة.

يتحول الذكاء الاصطناعي، بذلك، إلى صناعة ثقيلة جديدة وإن اختلفت منتجاتها عن صناعات الحديد والسيارات والنفط. فالمنتج النهائي قد يكون إجابة نصية أو صورة أو تحليلًا رقميًا، لكن إنتاجه يعتمد على سلسلة مادية تشمل تعدين المعادن وتصنيع الرقائق والمعدات الكهربائية وبناء المنشآت وتوفير الطاقة والمياه. ومن هنا تنشأ مفارقة أساسية: يقدم الذكاء الاصطناعي نفسه أداة لرفع الكفاءة وتقليل الكلفة، لكنه في مرحلة بنائه الحالية يحتاج إلى توسع استثماري ومادي بالغ الكثافة، وقد تتحول زيادة كفاءة الرقائق إلى حافز لاستخدام عدد أكبر منها، بدل أن تقود بالضرورة إلى انخفاض الاستهلاك الكلي.

الاستنزاف الاقتصادي.. حين تصبح القدرة الحاسوبية سباقًا بلا سقف

تدخل شركات التقنية الكبرى سباقًا استثماريًا غير مسبوق لبناء مراكز البيانات وشراء الرقائق وتأمين الطاقة. وقد رفعت مؤسسة «كريديت سايتس» تقديرات الإنفاق الرأسمالي لأكبر خمس شركات للحوسبة فائقة النطاق في 2026 إلى نحو 750 مليار دولار، بزيادة تقارب 67% على أساس سنوي، مقارنة بتقدير سابق بلغ نحو 620 مليار دولار في مطلع العام. كما تشير التقديرات إلى إنفاق يتراوح بين 175 و185 مليار دولار لشركة ألفابت، ونحو 200 مليار دولار لأمازون، وبين 115 و135 مليار دولار لميتا.

لا يدل هذا الإنفاق على الثقة بالنمو فقط، بل يكشف أيضًا طبيعة المنافسة التي لا تستطيع فيها شركة كبيرة الانسحاب بسهولة. فكل شركة تخشى أن يؤدي تقليل الاستثمار إلى خسارة القدرة الحاسوبية والعملاء والمطورين أمام منافسيها، حتى إذا ظلت العوائد النهائية غير محسومة. وترتفع نسبة الإنفاق الرأسمالي إلى الإيرادات إلى مستويات استثنائية، تقدر بنحو 86% لدى أوراكل، و54% لدى ميتا، و47% لدى مايكروسوفت، و46% لدى ألفابت، و25% لدى أمازون. وعندما تصبح الاستثمارات بهذه الضخامة، لا تعود المسألة تقنية فحسب، بل تتحول إلى رهان مالي واسع يمتد إلى أسواق السندات والائتمان والأسهم.

ويتولد الاستنزاف المالي من احتمال وجود فجوة بين سرعة الإنفاق وسرعة تحقق الإيرادات. فمراكز البيانات تحتاج إلى نفقات أولية ضخمة، ثم تحتاج إلى طاقة وتشغيل وصيانة وتجديد متواصل للرقائق التي قد يقصر عمرها الاقتصادي بسبب التطور السريع. وإذا تباطأ اعتماد خدمات الذكاء الاصطناعي، أو تعطلت المشروعات بفعل نقص الكهرباء أو المعارضة المحلية، فقد تجد الشركات نفسها أمام أصول والتزامات طويلة الأجل لا تحقق العائد المتوقع. ويتجاوز الأثر مساهمي الشركات، لأن عمالقة التقنية باتوا يشكلون حصة مؤثرة من أسواق الأسهم والاستثمار والأعمال، ويمكن لأي إعادة تقييم واسعة لنفقاتهم أن تنعكس على الثروة والاستهلاك والائتمان والنمو.

لكن الوجه الأهم للاستنزاف الاقتصادي يظهر في علاقة الشركات بالبنية العامة. فالمركز العملاق لا يكتفي بشراء الكهرباء مثل مستهلك عادي، بل قد يستلزم بناء محطة توليد أو خطوط نقل ومحولات ومحطة فرعية وقدرات احتياطية. وإذا دفعت شركة الكهرباء هذه النفقات ثم وزعتها على المشتركين، يصبح المستهلك المنزلي والمصنع الصغير ممولين غير مباشرين للبنية التحتية لشركات تعد من الأغنى في العالم. وقد يتحمل المجتمع كلفة التوسع قبل أن تتضح منافع المشروع أو حتى قبل أن يبدأ عمله الفعلي.

يتعقد الأمر بسبب عدم اليقين في الطلب. ففي ولاية تكساس، كانت قائمة المشروعات الساعية إلى الاتصال بالشبكة تضم أكثر من 1800 مشروع تمثل أكثر من 474 غيغاواط، أي أكثر من خمسة أضعاف الرقم القياسي لذروة الطلب في شبكة الولاية، ونحو 90% من طلبات الأحمال الجديدة مرتبطة بمراكز البيانات وفق سلطات الولاية. وليس معنى ذلك أن جميع المشروعات ستنجز، لكنه يكشف كيف يمكن للطلبات المتكررة أو غير المؤكدة أن تربك التخطيط، وتجعل شركات الكهرباء تستعد لأحمال قد لا تتحقق، أو تخفق في الاستعداد إذا قللت من حجمها الحقيقي.

كما تقدم الولايات والسلطات المحلية إعفاءات ضريبية لجذب المشروعات، انطلاقًا من اعتبارها استثمارات وفرصًا للتنمية. غير أن المقارنة بين قيمة الإعفاء وعدد الوظائف الدائمة تثير أسئلة متزايدة؛ فمرحلة البناء تحتاج إلى أعداد كبيرة من العمال، لكن المركز بعد تشغيله قد يوظف عددًا محدودًا نسبيًا قياسًا بحجمه واستهلاكه. وعندما تُمنح الأرض والطاقة والإعفاءات لمشروع قليل العمالة، قد تكون كلفة الفرصة البديلة مرتفعة، لأن الموارد نفسها كان يمكن أن توجه إلى نشاط صناعي أو خدمي يوفر وظائف أكثر واستقرارًا.

شبكة الكهرباء أمام طلب لم تُبنَ لاستيعابه

عاشت صناعة الكهرباء الأميركية أكثر من عقدين من النمو المحدود، ولذلك لم تُصمم خطط التوليد والنقل والمعدات لمواجهة الارتفاع السريع الحالي. ويشير تقرير «استراتيجيات الشبكة» إلى أن توقعات نمو حمل الذروة خلال خمس سنوات ارتفعت من 24 غيغاواط في تقديرات عام 2022 إلى 166 غيغاواط في تقديرات 2025؛ أي أكثر من ستة أضعاف. كما يُتوقع أن يزداد استخدام الكهرباء بمتوسط 5.7% سنويًا خلال خمس سنوات، وأن ترتفع كمية الكهرباء المستهلكة بنحو 32% بحلول 2030 إذا تحققت التوقعات.

تمثل مراكز البيانات نحو 55% من نمو حمل الذروة المتوقع، بما يقارب 90 غيغاواط من أصل 166 غيغاواط، بينما يأتي الباقي من الصناعة والتصنيع والنفط والغاز والتعدين والكهربة والنمو السكني والتجاري. ومع ذلك، يحذر التقرير نفسه من احتمال المبالغة في تقدير أحمال المراكز بنحو 25 غيغاواط، ومن أن توقعات المرافق قد تزيد بنحو 40% على تقديرات محللي السوق. وهذه الملاحظة لا تلغي الأزمة، بل تكشف نوعًا آخر منها: ضعف المعلومات وغياب المنهج الموحد في التنبؤ قد يقودان إلى استثمارات زائدة أو ناقصة، وفي الحالتين يتحمل الاقتصاد كلفة سوء التخطيط.

ولا تستهلك مراكز البيانات الكهرباء في ساعات متفرقة، بل تعمل بأحمال مرتفعة على مدار اليوم. وهذا يعني أن الشبكة لا تحتاج إلى قدرة إضافية لمواجهة الذروة وحدها، وإنما إلى طاقة مستمرة ومحطات يمكن الاعتماد عليها ليلًا ونهارًا. وقد كان عامل الحمل في بعض المراكز الكبيرة بولاية فرجينيا نحو 82%، مقابل متوسط يقارب 60% للنظام الكهربائي الأميركي. ولذلك يمكن لمركز واحد أن يستهلك كميات ضخمة بصورة منتظمة، وأن يقلل هامش المرونة في الشبكة خلال الظروف المناخية الطارئة.

ويتطلب استيعاب النمو بناء خطوط نقل عالية القدرة بسرعة تفوق ما تحقق خلال السنوات الأخيرة. ففي عام واحد أنشأت الولايات المتحدة 888 ميلًا من خطوط النقل ذات جهد 345 كيلوفولت أو أكثر، بعد 322 ميلًا في العام السابق، بينما تشير دراسة تخطيط وطنية إلى حاجة تقدر بنحو خمسة آلاف ميل سنويًا. وتضاف إلى ذلك فترات انتظار طويلة للحصول على المحولات والمعدات، ونقص العمالة الفنية والهندسية، وتأخر التراخيص. ومن ثم فإن الأموال المخصصة للبناء لا تتحول تلقائيًا إلى قدرة كهربائية؛ لأن المشكلة تشمل التصنيع والعمالة والزمن والتنظيم وسلاسل الإمداد.

إذا خُصصت المعدات والعمالة وخطوط النقل لمراكز البيانات، قد تتأخر مشروعات أخرى يحتاج إليها المجتمع، ومنها إسكان جديد أو مصنع أو شبكة نقل أو كهربة خدمات عامة. وهنا يأخذ الاستنزاف الاقتصادي شكل مزاحمة على موارد إنتاجية نادرة. ويصبح السؤال ليس فقط: هل توجد كهرباء للمركز؟ بل: ما النشاط الذي سيُحرم من الكهرباء أو ينتظر مدة أطول بسبب أولوية مشروع يملك قدرة مالية وسياسية أكبر؟

الاستنزاف الاجتماعي.. مجتمع يتحمل العبء ولا يلمس المنفعة

تبدأ الأزمة الاجتماعية عندما يشعر السكان بأن المشروع فُرض عليهم من دون معرفة كافية. فكثير من المراكز تطور عبر شراء أراضٍ واتفاقات أولية لا تكشف بوضوح اسم المستفيد أو حجم المياه والكهرباء المطلوبة، ثم تجد البلدة نفسها أمام مشروع صناعي واسع بعد تقدم الإجراءات. وتصبح السرية، حتى عندما تكون قانونية أو مبررة بالمنافسة التجارية، عاملًا في تآكل الثقة وإثارة الشكوك بشأن العلاقة بين الشركات والسلطات المحلية.

تتسع الفجوة عندما تكون الوعود عامة والأعباء محددة. فالشركة تتحدث عن الابتكار والتنافس العالمي ومليارات الدولارات، بينما يسأل السكان عن فاتورة الكهرباء ومستوى الضوضاء والمولدات والطرق والمياه وقيمة المنازل وعدد الوظائف. وإذا لم تقدم الإجابات في وقت مبكر وببيانات قابلة للتحقق، يبدو خطاب التنمية منفصلًا عن التجربة اليومية للمجتمع.

وتوجد مفارقة وظيفية تعمق الرفض؛ إذ تُبنى مراكز البيانات لخدمة تقنية يخشى كثيرون أن تلغي وظائفهم أو تقلل الحاجة إلى العمال، بينما توفر هي نفسها عددًا محدودًا من الوظائف الدائمة بعد اكتمال البناء. وقد أظهرت استطلاعات أوردتها «أكسيوس» أن القلق من الذكاء الاصطناعي يتزايد بين الأميركيين، وأن الخوف من فقدان الوظائف أحد محركاته الأساسية. وهكذا يتداخل الاعتراض على المنشأة مع مخاوف أوسع من التقنية، فتتحول المراكز إلى التجسيد المادي المرئي لتحول اقتصادي يشعر بعض المواطنين بأنهم لا يملكون السيطرة عليه.

لا يعني ذلك أن المراكز تخلو من المنافع؛ فهي توفر وظائف بناء وعقودًا محلية وعائدات ضريبية، وقد تمول التدريب والمدارس وخدمات الطوارئ. لكن الاستنزاف الاجتماعي يظهر حين تكون هذه المنافع مؤقتة أو غير متكافئة، بينما تستمر آثار الأرض والطاقة والمياه والضوضاء. كما يمكن أن تقع المنافع على فئات تملك الأراضي أو تعمل في البناء، في حين تتوزع الكلفة على عموم المشتركين والسكان، ما يخلق تفاوتًا داخل المجتمع نفسه.

ومن هنا برز مفهوم «الترخيص الاجتماعي»، أي أن حصول المطور على الموافقات القانونية لا يكفي إذا لم يشعر المجتمع بأنه شريك في القرار ومستفيد من المشروع. وقد أصبحت مقاومة مراكز البيانات شبيهة بالصراعات السابقة حول أنابيب النفط والتكسير الهيدروليكي، لأنها تتعلق بالأرض والموارد وبشعور السكان بأن قرارات استراتيجية كبرى تتخذ على حسابهم. وتقر الصناعة نفسها بأنها تأخرت في بناء الثقة، وأن الحوار المفتوح ودفع الحصة العادلة من كلفة الكهرباء واستخدام المياه بكفاءة أصبحت شروطًا لاستمرار التوسع.

الاستنزاف البيئي.. الماء والطاقة والأرض والانبعاثات

يقدر مختبر لورنس بيركلي الوطني أن مراكز البيانات قد تستهلك في السيناريو المرجعي نحو 649 تيراواط/ساعة من الكهرباء الأميركية عام 2030، بما يعادل 11.8% من الاستهلاك الكلي المتوقع. وتتراوح السيناريوهات بين 521 و843 تيراواط/ساعة، أو بين 9.5% و15.3% من كهرباء الولايات المتحدة. واتساع هذا النطاق يعكس عدم اليقين بشأن أعداد الرقائق المتخصصة ومعدلات تشغيلها وعمرها التشغيلي وكفاءة التبريد وسرعة تنفيذ المشروعات.

لا تقتصر الآثار البيئية على مقدار الكهرباء، بل تتوقف على مصدرها. فإذا دفع الطلب الجديد إلى تشغيل محطات غاز أو فحم مدة أطول، ارتفعت الانبعاثات وتباطأ إغلاق المنشآت الملوثة، حتى لو اشترت الشركات شهادات طاقة متجددة في مناطق أخرى. وإذا اعتمد المركز على مولدات احتياطية تعمل بالوقود، تظهر آثار محلية في جودة الهواء والضوضاء. أما إذا موّل طاقة شمسية أو رياحًا أو طاقة نووية أو تخزينًا جديدًا يضيف قدرة فعلية إلى الشبكة، فقد ينخفض الأثر، لكن بناء هذه المصادر وخطوطها يحتاج هو الآخر إلى أرض ومعدات وزمن.

وتحتاج الخوادم إلى التبريد المستمر، وقد يصل استخدام بعض المراكز الكبيرة إلى ملايين الغالونات من المياه يوميًا بحسب التصميم والمناخ. وتشير تقديرات مختبر بيركلي التي أوردتها «أكسيوس» إلى استهلاك مباشر بلغ نحو 17 مليار غالون في الولايات المتحدة عام 2023، معظمها للتبريد، إضافة إلى بصمة مائية غير مباشرة بنحو 211 مليار غالون مرتبطة بإنتاج الكهرباء المستخدمة. ومع أن قطاعات الزراعة ومحطات الكهرباء والاستهلاك المنزلي تستخدم مياهًا أكثر على المستوى الوطني، فإن هذه المقارنة قد تكون مضللة إذا أُهمل الموقع؛ لأن مركزًا في منطقة تعاني جفافًا أو ضغطًا على المياه يمكن أن يترك أثرًا محليًا كبيرًا حتى لو كانت حصته الوطنية صغيرة.

كما توجد مفاضلة بين الماء والطاقة. فبعض أنظمة التبريد التي تخفض استهلاك الكهرباء قد تحتاج إلى مياه أكثر، بينما تقلل أنظمة الحلقة المغلقة سحب المياه لكنها قد تزيد استهلاك الطاقة أو الكلفة. ولذلك لا يكفي إعلان رقم منفرد عن كفاءة المركز، بل يجب قياس بصمته المتكاملة وفق المناخ ومصدر المياه والكهرباء ونسبة إعادة الاستخدام وتأثيره في المورد المحلي.

ويظهر أثر الأرض في تحويل مساحات زراعية أو ريفية إلى مجمعات صناعية، وبناء خطوط ومحطات وطرق حولها. وقد لا تكون الأرض المستهلكة وطنيًا كبيرة مقارنة بقطاعات أخرى، لكن تمركز المجمع في بلدة صغيرة يغير طبيعتها العمرانية وقيمة الأراضي والمنظر العام والضوضاء والإضاءة. وبذلك لا يقاس الأثر البيئي بالانبعاثات والمياه فقط، بل بالتغير الدائم في المكان ونمط الحياة المحيط به.

الاستنزاف السياسي.. من إجماع التنمية إلى غضب انتخابي

حظيت مراكز البيانات لسنوات بتأييد الحزبين الأميركيين؛ فقد رأى فيها الديمقراطيون والجمهوريون استثمارًا في المستقبل وأداة لمنافسة الصين وتطوير الاقتصاد. غير أن هذا التوافق بدأ يتصدع عندما وصلت الآثار إلى فواتير الكهرباء والمياه والأرض. وأظهرت استطلاعات مختلفة أن معارضة إنشاء مركز قريب تتجاوز نصف الناخبين، مع وجودها بين الديمقراطيين والجمهوريين والمستقلين، ما جعل الملف صالحًا لتكوين حركة شعبوية عابرة للانقسام الحزبي.

دخلت القضية حملات انتخابية في أوهايو وبنسلفانيا وتكساس وويسكونسن وميشيغان ووايومنغ، وأصبح تأييد المشروعات في الماضي مادة للهجوم على المرشحين. وما بدأ بوصفه اعتراضًا محليًا على مشروع بعينه تحول إلى قضية وطنية تهدد التوافق الذي سمح بالتوسع السريع. وأصبحت الأحزاب أمام تناقض صعب: فهي تريد الاستثمار والسبق التقني، لكنها تخشى معاقبة الناخبين لها إذا ارتفعت الأسعار أو شعر السكان بأن الشركات تحظى بمعاملة تفضيلية. 

ظهر التحول بوضوح في تكساس؛ فقد كانت الولاية تقدم نفسها مركزًا رئيسًا لتطوير الذكاء الاصطناعي، ثم أمر الحاكم غريغ أبوت بتعليق الموافقة على طلبات الربط الجديدة إلى حين تدقيق المشروعات، والتحقق من استهلاك الطاقة والمياه والإعفاءات والملكية والتأثير المحلي. كما دعا إلى جعل المراكز تتحمل كلفة البنية الكهربائية التي تحتاج إليها، وانتقد عدم استجابة عدد كبير من الشركات لطلبات المعلومات. وفي نيويورك فُرض تجميد لمدة عام على أكبر المراكز، بينما انتقلت بنسلفانيا إلى نموذج التنمية المشروطة.

وجهت بنسلفانيا إلى منع نقل كلفة نمو المراكز إلى الأسر والشركات، وإلى تحميلها كلفة القدرات الاحتياطية التي تُنشأ لتلبية طلبها، وتحسين شفافية توقعات الأحمال. كما طرحت أولوية فصل الكهرباء عن المراكز قبل المستهلكين الآخرين عند تعرض الشبكة لضغط، وربطت الاستفادة من الإعفاءات الضريبية بمعايير الطاقة والبيئة والوظائف وموافقة المجتمع. ويلخص مبدأ «النمو يدفع كلفة النمو» الاتجاه السياسي الجديد: لا يُرفض الاستثمار، لكنه لا يُسمح له باستخدام المال العام والبنية المشتركة من دون دفع تكلفته الحقيقية.

وقد يتحول الاستنزاف السياسي إلى حلقة تغذي نفسها؛ إذ يقود ضعف الشفافية إلى غضب السكان، فيزايد المرشحون في فرض القيود، فتتباطأ المشروعات، ثم تخشى الشركات والمستثمرون خسارة رهاناتهم، ويمارسون ضغوطًا لحماية التوسع، ما يزيد الشكوك في نفوذها السياسي. وإذا لم تُبنَ قواعد مستقرة، تصبح القرارات متأرجحة بين حوافز واسعة وتجميد مفاجئ، ويخسر المجتمع والشركات معًا القدرة على التخطيط.

بين الضرورة التقنية والعدالة في توزيع الكلفة

لا يمكن اختزال القضية في اعتبار مراكز البيانات شرًا بيئيًا أو اقتصاديًا؛ فهي بنية ضرورية للاقتصاد الحديث، ويمكنها أن تدعم البحث والطب والتعليم والصناعة والإدارة. كما قد يسهم طلبها في تحفيز بناء توليد جديد وتحديث الشبكة وتنشيط تصنيع المحولات والمعدات. لكن هذه المنافع لا تتحقق تلقائيًا، ولا تبرر منح الشركات موارد عامة من دون شروط، ولا تعني أن كل مشروع مقترح ضروري أو مجدٍ.

يتطلب الحد من الاستنزاف تطبيق قاعدة واضحة تجعل المستفيد يتحمل الكلفة. وينبغي للمطور أن يمول البنية الإضافية التي يتطلبها، وأن يقدم ضمانات مالية قبل حجز قدرة كبيرة في الشبكة، مع منع الطلبات المضاربية أو المتكررة. ويجب نشر بيانات دورية عن الكهرباء والمياه والانبعاثات والوظائف ومصادر الطاقة، وإخضاعها لمراجعة مستقلة بدل الاكتفاء بتعهدات طوعية.

كما ينبغي ربط الحوافز بعدد الوظائف الدائمة، والقيمة المحلية المضافة، وكفاءة الموارد، وتمويل التدريب والخدمات، لا بحجم الاستثمار المعلن وحده. ويجب اختيار المواقع وفق القدرة الاستيعابية للمياه والطاقة والطرق، وتجنب نقل المراكز إلى مناطق ضعيفة سياسيًا لمجرد أن مقاومتها أقل. ولا بد من إشراك المجتمع قبل اكتمال العقود وشراء الأراضي، لأن المشاركة المتأخرة تتحول غالبًا إلى إدارة للغضب لا إلى مشاركة في القرار.

وتبقى الكفاءة الحاسوبية جزءًا من الحل. فسباق الشركات لا ينبغي أن يقوم على إضافة الخوادم باستمرار، بل على تطوير رقائق ونماذج وخوارزميات تؤدي المهام بطاقة أقل. غير أن الكفاءة تحتاج إلى معايير تمنع تحول الوفر إلى توسع أكبر في الاستهلاك، وإلى سياسات تقيس القيمة التي ينتجها الاستخدام مقابل موارده، ولا تتعامل مع كل طلب حاسوبي بوصفه متساويًا في الأهمية.

مراكز البيانات في ميزان الأرقام

تكشف الأرقام أن توسع مراكز البيانات لم يعد اتجاهًا تقنيًا محدودًا، بل أصبح تحولًا اقتصاديًا وبنيويًا واسعًا. ففي الولايات المتحدة يوجد ما لا يقل عن أربعة آلاف مركز بيانات قائم، إلى جانب نحو ثلاثة آلاف مركز قيد الإنشاء أو التخطيط، ما يعني أن البنية الحالية مرشحة لنمو كبير خلال سنوات قليلة. ويظهر حجم الرهان المالي في توقع وصول الإنفاق الرأسمالي لأكبر خمس شركات للحوسبة فائقة النطاق خلال عام 2026 إلى نحو 750 مليار دولار، بزيادة تقارب 67% على أساس سنوي، لتكون هذه السنة الثالثة على التوالي التي يتجاوز فيها نمو الإنفاق 60%. وتتضمن هذه التقديرات نحو 200 مليار دولار لأمازون، وما بين 175 و185 مليار دولار لألفابت، وما بين 115 و135 مليار دولار لميتا.

ويوازي هذا الإنفاق نمو سريع في الطلب على الكهرباء؛ إذ يتوقع تقرير «استراتيجيات الشبكة» ارتفاع الاستهلاك الأميركي بمعدل سنوي يبلغ 5.7% خلال المدة بين 2025 و2030، بما يقود إلى زيادة إجمالية تقترب من 32% بحلول نهاية العقد. كما ارتفعت توقعات نمو حمل الذروة خلال خمس سنوات من 24 غيغاواط في تقديرات عام 2022 إلى 166 غيغاواط في تقديرات عام 2025، وهو حمل إضافي يعادل نحو خمسة عشر ضعف ذروة استهلاك مدينة نيويورك. وتستحوذ مراكز البيانات وحدها على قرابة 90 غيغاواط، أو نحو 55% من هذا النمو، لتصبح المحرك الأكبر للطلب الكهربائي الجديد.

لكن هذه التوقعات لا تخلو من عدم اليقين؛ إذ يرى محللو السوق أن نمو مراكز البيانات القابل للتحقق حتى عام 2030 قد لا يزيد كثيرًا على 65 غيغاواط، أي أقل بنحو 25 غيغاواط من توقعات مرافق الكهرباء. ويشير ذلك إلى احتمال المبالغة في حجم الطلب المتوقع بنحو 40% نتيجة تكرار طلبات الربط، أو إدراج مشروعات لا تزال بعيدة عن التنفيذ، أو عدم دقة الجداول الزمنية. ولا يعني هذا أن الضغط على الشبكة غير حقيقي، بل إن غياب المعلومات الدقيقة قد يقود إلى نوعين من الاستنزاف: بناء قدرات مكلفة لمشروعات لا تنفذ، أو التأخر في بناء قدرات ضرورية لمواجهة أحمال تتحقق أسرع من المتوقع.

وتقدم ولاية تكساس نموذجًا واضحًا لهذا الارتباك؛ إذ تضم قائمة المشروعات الساعية إلى الاتصال بشبكتها أكثر من 1800 مشروع، تطلب مجتمعة ما يزيد على 474 غيغاواط من الكهرباء، وهي قدرة تتجاوز بخمسة أضعاف تقريبًا الرقم القياسي لذروة الطلب في الولاية. ووفق تقديرات سلطات الولاية، تمثل مراكز البيانات نحو 90% من طلبات الأحمال الجديدة، مع وجود ما لا يقل عن 335 مركزًا عاملًا و248 مركزًا مخططًا، فضلًا عن مشروعات أخرى في مراحل أولية. ويكشف الفارق بين الطلبات المسجلة والقدرة الفعلية للشبكة أن قوائم الربط لم تعد مجرد إجراء فني، بل أصبحت مشكلة تخطيطية واقتصادية تحتاج إلى التحقق من جدية كل مشروع قبل تخصيص الموارد له.

وتزداد المشكلة وضوحًا عند مقارنة الطلب المتوقع بسرعة تطوير شبكة النقل. فقد أنشأت الولايات المتحدة في عام واحد نحو 888 ميلًا من خطوط الكهرباء عالية القدرة، بعدما لم يتجاوز الإنجاز 322 ميلًا في العام السابق، في حين تشير التقديرات التخطيطية إلى الحاجة إلى بناء نحو خمسة آلاف ميل سنويًا. وهذا يعني أن معدل التوسع الفعلي، على الرغم من تحسنه، لا يزال بعيدًا عن المستوى اللازم لاستيعاب مراكز البيانات والصناعة والكهربة والنمو السكاني في وقت واحد. وتتضاعف الفجوة مع نقص المحولات الكهربائية وطول فترات توريدها والحاجة إلى عمالة هندسية وفنية متخصصة.

وعلى مستوى الاستهلاك الكلي، يقدر مختبر لورنس بيركلي الوطني أن مراكز البيانات قد تحتاج، وفق السيناريو المرجعي، إلى نحو 649 تيراواط/ساعة من الكهرباء عام 2030، بما يعادل 11.8% من الاستهلاك الأميركي المتوقع. ويتراوح الاستهلاك في السيناريوهات المختلفة بين 521 و843 تيراواط/ساعة، أي ما بين 9.5% و15.3% من كهرباء الولايات المتحدة. ويعتمد اتساع النطاق على عدد المعالجات المتخصصة التي ستُركب، ومستوى تشغيل الخوادم، وعمر الرقائق، وكفاءة التبريد، وسرعة إنجاز المشروعات، ولذلك ينبغي التعامل معه بوصفه نطاقًا استشرافيًا لا رقمًا نهائيًا محسومًا.

أما المياه، فتشير التقديرات إلى أن مراكز البيانات الأميركية استهلكت مباشرة نحو 17 مليار غالون عام 2023، استخدم معظمها في تبريد الخوادم، إضافة إلى بصمة مائية غير مباشرة بلغت قرابة 211 مليار غالون مرتبطة بإنتاج الكهرباء التي تشغل المراكز. ورغم أن هذا الاستهلاك يظل أقل من استهلاك الزراعة ومحطات الكهرباء والمنازل وبعض الصناعات، فإن أثره لا يقاس بالحصة الوطنية وحدها، بل بالموقع الذي يحدث فيه. فقد يكون مركز واحد ذا أثر محدود في منطقة غنية بالمياه، لكنه يتحول إلى مصدر ضغط كبير إذا أقيم في مجتمع يعاني الجفاف أو محدودية موارد المياه والبنية التحتية.

ويمثل حجم مركز «هايبرون» الذي تبنيه ميتا في لويزيانا مؤشرًا بصريًا على التحول العمراني الذي تقوده هذه الصناعة؛ إذ يمتد موقعه لنحو خمسة أميال طولًا وميل واحد عرضًا. ولا يعبر هذا الحجم عن مساحة الأبنية وحدها، بل عن شبكة متكاملة من الطرق ومحطات الكهرباء والمولدات وخطوط النقل ومرافق التبريد والاتصالات. ومن ثم فإن أرقام الإنفاق والطاقة والمياه والمساحة لا تمثل مؤشرات منفصلة، بل حلقات مترابطة في عملية واحدة: كل زيادة في القدرة الحاسوبية تستدعي توسعًا في المنشآت، وكل توسع يحتاج إلى طاقة ومياه ومعدات وأرض، ثم يفرض تكاليف اقتصادية وبيئية واجتماعية وسياسية جديدة.

وتؤكد هذه الأرقام أن الاستنزاف لا ينتج من وجود مراكز البيانات وحده، وإنما من سرعة نموها مقارنة بسرعة تطوير الموارد والمؤسسات المنظمة لها. فالولايات المتحدة تواجه خلال سنوات قليلة استثمارات بمئات المليارات، وزيادة كبيرة في استهلاك الكهرباء، وآلاف المشروعات التي تطلب الاتصال بالشبكات، مقابل بطء بناء خطوط النقل، ونقص المعدات، وعدم اكتمال بيانات المياه والطاقة والوظائف. ولذلك يصبح ضبط التوسع شرطًا لحماية الاقتصاد والمجتمع، لا عائقًا أمام الابتكار؛ لأن طفرة لا تستطيع الشبكات والموارد والمجتمعات استيعابها قد تتحول من محرك للنمو إلى مصدر واسع للاستنزاف وعدم الاستقرار.

خلاصة

تكشف أزمة مراكز البيانات أن الذكاء الاصطناعي ليس منفصلًا عن الاقتصاد السياسي للموارد. فالقدرة الحاسوبية تتأسس على الكهرباء والماء والأرض والعمل والمال والقرار العام، ومن يسيطر على هذه العناصر يحدد اتجاه الثورة التقنية. وإذا استمر التوسع من دون شفافية وعدالة، فقد يتحول الذكاء الاصطناعي من وعد برفع الكفاءة إلى مصدر جديد لاستنزاف الموارد وتعميق عدم الثقة بين المجتمع والشركات والدولة.

أما إذا تحملت الشركات كلفة نموها، وحصلت المجتمعات على دور حقيقي في القرار، وربطت الحوافز بمنافع قابلة للقياس، فقد يصبح التنظيم وسيلة لحماية طفرة الذكاء الاصطناعي بدل إعاقتها. فالتحدي ليس الاختيار بين التقنية والمجتمع، وإنما بناء نموذج لا يجعل تقدم الأولى قائمًا على إنهاك الثاني. ومستقبل مراكز البيانات لن يتقرر بعدد الرقائق التي تستطيع الشركات شراءها فقط، بل بقدرتها على إثبات أن القيمة التي تنتجها أكبر وأكثر عدلًا من الموارد التي تستنزفها.

ذات صلة

البيان الجلي في تفسير الإمام الحسن المجتبى(ع)هل يكون الحقّ وسيلة للتفوّقالرأسمالية ودين الحداثة.. حين يتحول المال من وسيلة إلى قوة مقدسةأثر فقدان مصداقية الدولة على قوتها وهيبتها ونفوذهالماذا تحتاج المجتمعات إلى الاعتبار أكثر من الفخر؟