من يملك الذكاء الذي يسكن معنا؟
كمال عبيد
2026-08-20 03:40
تخيّل أن تستيقظ صباحًا فلا تبدأ يومك بمحرك بحث، ولا تفتح قائمة المهام، ولا تنتقل بين عشرات التطبيقات لتتذكر ما عليك فعله. هناك كيان رقمي سبقك إلى كل ذلك؛ يتذكر موعدك، يعرف ما تعمل عليه، يتابع أهدافك، يفهم اهتماماتك، وربما يعرف نقاط ضعفك أيضًا. لا ينتظر منك أن تسأله في كل مرة، وإنما يحاول أن يفهم ما تحتاج إليه قبل أن تطلبه.
هذا الكيان ليس نسخة أكثر تطورًا من المساعد الرقمي الذي عرفناه خلال السنوات الماضية. إنه أقرب إلى وكيل شخصي يعيش داخل تفاصيل الحياة اليومية؛ يبحث، يقارن، يخطط، ينظم، وربما يتخذ بعض الخطوات نيابة عن صاحبه. قبل سنوات قليلة كان هذا المشهد أقرب إلى الخيال العلمي، أما اليوم فقد أصبح جزءًا من السباق الفعلي لشركات التكنولوجيا الكبرى.
في 30 تموز 2025 الماضي، طرح مارك زوكربيرغ، مؤسس Meta ورئيسها التنفيذي، رؤيته لما سماه «الذكاء الفائق الشخصي للجميع». وفي رسالة مطولة، قدم الذكاء الفائق ليس بوصفه مرحلة جديدة في تطور النماذج، وإنما باعتباره فرصة لإعادة توزيع القدرات والقوة، بحيث لا تبقى التكنولوجيا المتقدمة حكرًا على الحكومات والشركات والمؤسسات الكبرى. وقد نشرت Meta رؤيتها تحت عنوان «الذكاء الفائق الشخصي للجميع»، مؤكدة أن الشركة تريد أن يكون الذكاء المتقدم أداة في يد الأفراد لتحقيق أهدافهم وتوسيع قدراتهم. رؤية Meta حول الذكاء الفائق الشخصي للجميع.
في ظاهر الفكرة وعدٌ مغرٍ: إذا كانت الشركات الكبرى تمتلك اليوم فرقًا من الباحثين والمحللين والمبرمجين والمستشارين، فلماذا لا يحصل الفرد نفسه على قدرات مشابهة عبر وكيل ذكاء اصطناعي شخصي؟ لكن هذا الوعد يفتح سؤالًا أكبر من التكنولوجيا نفسها: إذا أصبح لكل إنسان ذكاء اصطناعي فائق، فمن يملك القوة التي تقف خلف هذا الذكاء؟
مستقبل ايجابي للجميع
زوكربيرغ لا ينظر إلى المسألة باعتبارها منافسة على إنتاج نموذج أكثر قدرة فقط. رؤيته تقوم على أن الذكاء الفائق ينبغي أن يكون في متناول الأفراد، وأن يؤدي ذلك إلى موازنة القوة التي تملكها المؤسسات والحكومات والشركات الكبرى. وهذه نقطة مهمة؛ لأن الذكاء الاصطناعي، في هذه الرؤية، لم يعد قضية تقنية خالصة، وإنما أصبح قضية تتصل بتوزيع القوة.
من يستطيع الوصول إلى الذكاء المتقدم سيكون قادرًا على التعلم أسرع، وتحليل المعلومات بكفاءة أكبر، وصناعة المحتوى، وتطوير المنتجات، وإدارة الأعمال، واتخاذ قرارات أكثر تعقيدًا. ولهذا يرى زوكربيرغ أن احتكار هذه القدرات لدى عدد محدود من المؤسسات يمكن أن يؤدي إلى تركيز أكبر للقوة، بينما يؤدي توزيعها بين الأفراد إلى خلق قدر من التوازن. وهذه الفكرة كانت في قلب رسالته عن «مستقبل إيجابي للجميع». رسالة مارك زوكربيرغ حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، لكن هنا تظهر أول مفارقة: الذكاء الذي يريد زوكربيرغ توزيعه على الأفراد يحتاج إلى منظومة شديدة التركيز حتى يصبح ممكنًا.
قصة الذكاء الشخصي
فالوكيل الذي يفهم الإنسان باستمرار لا يعمل من فراغ. خلفه مراكز بيانات ضخمة، ورقائق متقدمة، وطاقة، وشبكات، ونماذج حوسبية، وبيانات، وباحثون ومهندسون من النخبة، واستثمارات بمليارات الدولارات. ولذلك فإن قصة الذكاء الشخصي لا يمكن فصلها عن قصة السباق الصناعي الهائل الذي تخوضه شركات التكنولوجيا لبناء البنية التي ستنتج هذا الذكاء.
في حزيران 2025، كشفت رويترز أن Meta استثمرت 14.3 مليار دولار في شركة Scale AI، في صفقة قدرت قيمة الشركة بنحو 29 مليار دولار، وكان من أبرز نتائجها انضمام مؤسس Scale AI ألكسندر وانغ إلى Meta لقيادة جهود مرتبطة بالذكاء الفائق. ووفق رويترز، جاءت الخطوة في وقت كانت فيه Meta تكثف جهودها للحاق بالمنافسين في سباق الذكاء الاصطناعي. رويترز: استثمار Meta في Scale AI
وفي حزيران نفسه، رصدت رويترز السباق الذي خاضه زوكربيرغ لاستقطاب المواهب النادرة في الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن Meta كانت تقدم عروضًا مالية ضخمة لباحثين ومهندسين في محاولة لبناء فريق قادر على منافسة المختبرات الكبرى. ولم تعد المنافسة تدور حول شراء الشركات أو تطوير النماذج فقط، وإنما حول الحصول على العقول التي تستطيع دفع حدود هذه النماذج إلى الأمام. رويترز: سباق زوكربيرغ على مواهب الذكاء الاصطناعي.
ثم كشفت رويترز في تموز 2025 أن زوكربيرغ كان يقود شخصيًا حملة استقطاب واسعة للمواهب، بالتزامن مع تشكيل Meta Superintelligence Labs، فيما كانت الشركة ترفع إنفاقها على البنية التحتية اللازمة لتحقيق طموحاتها في الذكاء الاصطناعي. وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحًا: المستقبل الذي يعد بتوزيع الذكاء على مليارات البشر، يُبنى عبر تركيز هائل لرأس المال والحوسبة والمواهب. رويترز: مختبرات Meta للذكاء الفائق واستقطاب المواهب، قد يحصل الجميع على الواجهة نفسها، لكن الجميع لن يملك البنية التي تقف خلفها. وهذه ليست مشكلة تخص Meta وحدها؛ إنها واحدة من الأسئلة الكبرى التي سترافق اقتصاد الذكاء الاصطناعي كله.
معركة حقيقية ووكيل يتصرف
تكشف قصة Meta شيئًا أعمق عن طبيعة السباق الجديد. في عصر الإنترنت الأول، كان من يملك المنصة يمتلك طريق الوصول إلى المستخدم. وفي عصر الهواتف الذكية، أصبح من يملك نظام التشغيل والجهاز يمتلك جزءًا مهمًا من العلاقة مع المستخدم. أما في عصر الوكلاء الذكيين، فقد تصبح القوة مرتبطة بمن يعرف المستخدم بصورة أعمق.
وهذه معرفة مختلفة عن مجرد معرفة ما ينقر عليه. فالوكيل الشخصي قد يعرف ما يقرأه الإنسان، وما يكتبه، وما يشتريه، وما يتعلمه، وما يفضله، وما يؤجله، وما يقلقه، وكيف يتخذ قراراته. وهنا تتحول البيانات من سجل للسلوك إلى خريطة للشخصية. كلما أصبح الوكيل أكثر معرفة بصاحبه، أصبح أكثر فائدة له. لكن المعادلة نفسها تحمل الوجه الآخر: كلما عرفنا الآلة أكثر، زادت قدرتها المحتملة على التأثير فينا.
التحول الحقيقي في الذكاء الاصطناعي لا يكمن فقط في أن تصبح الإجابة أفضل. المسألة الأهم هي انتقال النظام من انتظار التعليمات إلى تنفيذ المهام. وهذا التحول يغير طبيعة العلاقة بين الإنسان والآلة؛ فالمستخدم لم يعد مضطرًا إلى تقسيم المهمة إلى عشرات الأوامر الصغيرة، وإنما يستطيع أن يحدد هدفًا عامًا ويترك للوكيل مساحة أكبر في البحث والتخطيط والتنفيذ.
عندما تسأل نظامًا عن أفضل رحلة، فهو يقدم معلومة. أما عندما تطلب منه أن يخطط الرحلة، ويقارن الخيارات، ويتابع المواعيد، وينظم التفاصيل، فقد أصبح شريكًا في القرار. وكل خطوة إضافية يفوضها الإنسان إلى الآلة تعني انتقال جزء من الفعل البشري إليها.
وهنا تبدأ الأسئلة الأكثر حساسية: إذا كان الوكيل يعرف تفضيلاتنا، فهل سيقترح علينا ما نريده فعلًا، أم ما يتوقع أننا سنقبله؟ وإذا كان يعرف نقاط ضعفنا، فهل يستخدم هذه المعرفة لحمايتنا أم للتأثير فينا؟ وإذا تعلم طريقة تفكيرنا، فهل يصبح مساعدًا لنا أم مرآة تعيد إنتاج تحيزاتنا؟ وإذا اعتاد الإنسان أن يترك له القرارات الصغيرة، فهل سيحتفظ بقدرته على اتخاذ القرارات الكبيرة؟
الذكاء الذي يعرفك قد يصبح قادرًا على توجيهك
هذه هي المنطقة التي يجب أن تتجاوزها الصحافة الفكرية في تناول الذكاء الاصطناعي. المشكلة ليست فقط: هل تستطيع الآلة التفكير؟ بل: ماذا يحدث عندما تصبح الآلة شديدة المعرفة بالشخص الذي تفكر معه؟
إذا كان الوكيل يعرف أنك تتردد في شراء شيء معين، يستطيع مساعدتك على اتخاذ القرار. لكن المعرفة نفسها قد تجعل من الممكن التأثير فيك. وإذا كان يعرف أنك تميل إلى نوع معين من الأخبار، يمكنه أن يختصر الطريق أمامك، لكن ماذا لو أدى ذلك إلى عالم رقمي لا ترى فيه إلا ما يتوافق مع ميولك؟
وإذا كان يعرف أهدافك، يستطيع أن يساعدك على الوصول إليها، لكن ماذا لو أصبح هو نفسه قادرًا على اقتراح أهداف جديدة عليك؟ هنا يصبح الخط الفاصل بين المساعدة والتوجيه أكثر رقة، وبين التخصيص والتأثير أكثر صعوبة في الرؤية.
وهذه المخاوف ليست بعيدة عن النموذج الاقتصادي لشركات التكنولوجيا. فقد تناولت CNN طموح زوكربيرغ لبناء ذكاء اصطناعي فائق شخصي، في وقت تنفق فيه Meta مبالغ ضخمة على المواهب والبنية التحتية، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح في الوقت نفسه عنصرًا أساسيًا في أعمال شركات التكنولوجيا ونماذجها الاقتصادية.
وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا: النظام الذي يقدم نفسه بوصفه مساعدًا شخصيًا قد يعيش داخل منظومة اقتصادية تستفيد أصلًا من معرفة المستخدم وسلوكه. وهذا لا يعني أن كل توصية يقدمها الوكيل ستكون تلاعبًا، لكنه يجعل قواعد الشفافية والاستقلالية والخصوصية أكثر أهمية من أي وقت مضى.
Meta لم تعد تتحدث فقط عن المستقبل
قد تبدو رؤية زوكربيرغ في تموز 2025 مشروعًا بعيدًا لو لم تتبعها Meta بخطوات عملية. لكن الشركة واصلت خلال 2026 تطوير هذا المسار، بما يعكس انتقال الذكاء الفائق الشخصي من مستوى الرؤية المعلنة إلى المختبر والمنتج.
وفي نيسان 2026 أعلنت Meta عن Muse Spark، وقدمت النموذج بوصفه أول نموذج من مختبر الذكاء الفائق لديها، مع توجه لإدخاله في Meta AI وتوسيع حضوره إلى مجموعة من منتجات الشركة، بينها WhatsApp وInstagram وFacebook وMessenger والنظارات الذكية. وهنا تنتقل القصة من سؤال «هل سيأتي الذكاء الشخصي؟» إلى سؤال أكثر إلحاحًا: كم من حياتنا سنسمح له بإدارتها؟
هذا التطور مهم لأنه يوضح اتجاهًا محددًا: الذكاء الاصطناعي لا يبقى في تطبيق منفصل، وإنما يتحرك نحو البيئة الرقمية التي يعيش فيها المستخدم أصلًا. وعندما يرتبط الوكيل بالرسائل والتقويم والصور والمنصات الاجتماعية والأجهزة القابلة للارتداء، فإنه لا يعود مجرد أداة نفتحها عند الحاجة، وإنما يصبح طبقة رقمية ترافق الإنسان في حياته اليومية. وهنا تتغير طبيعة العلاقة جذريًا. فكلما انتقل الذكاء الاصطناعي من الشاشة إلى الأجهزة التي نرتديها ونحملها معنا، أصبح قادرًا على فهم السياق الذي نعيش فيه، وليس فقط النص الذي نكتبه له.
ماذا يحدث عندما لا نعود وحدنا؟
قد يكون السؤال الأكثر إثارة للقلق أقل تقنية مما يبدو. ماذا يعني أن يعيش الإنسان مع «آخر رقمي» يعرف عاداته واهتماماته وأهدافه باستمرار؟ ربما يمنحه ذلك قدرة أكبر على التعلم والعمل والإبداع. وربما يوفر عليه آلاف الساعات التي يضيعها اليوم في البحث والتنظيم والمقارنة. لكن ماذا يحدث للتفكير نفسه؟ قد لا يفقد الإنسان بعض مهاراته لأن الآلة أصبحت أذكى منه، وإنما لأنه توقف عن ممارسة أشكال من التفكير أصبحت الآلة تؤديها بالنيابة عنه.
إذا كانت الآلة تتذكر كل شيء، فلماذا نحفظ؟ وإذا كانت تبحث عن كل شيء، فلماذا نبحث؟ وإذا كانت تقارن كل الخيارات، فلماذا نقارن؟ وإذا كانت تقترح القرار الأفضل، لماذا نتردد؟ المشكلة هنا ليست في الآلة، وإنما في الاعتماد الذي قد يتكون حولها. فالإنسان لا يفقد مهارة واحدة عندما يتوقف عن استخدامها؛ قد يفقد معها جزءًا من استقلاليته.
المعركة القادمة
لهذا فإن المعركة القادمة في الذكاء الاصطناعي قد لا تكون فقط حول من يملك النموذج الأقوى، وإنما حول من يملك العلاقة مع الإنسان. الشركة التي تملك النموذج تملك قدرة تقنية. أما الشركة التي يرافق وكيلها الإنسان في عمله وتعليمه وتسوقه وتواصله وقراراته اليومية، فقد تمتلك شيئًا أكثر قيمة: السياق. والسياق هو معرفة لماذا يريد الإنسان شيئًا، ومتى يريده، وما البدائل التي رفضها، وما الذي يؤثر فيه، وما الذي يكرره. إنها معرفة تتجاوز البيانات الخام إلى معرفة بالسلوك، وربما إلى فهم متراكم للشخص نفسه. ومن هنا يصبح التنافس على الذكاء الاصطناعي الشخصي منافسة على أكثر من التكنولوجيا؛ إنه تنافس على الموقع الذي ستحتله الشركات داخل الحياة اليومية للإنسان.
وهذا يفسر جانبًا من شراسة معركة المواهب. فحين وثقت رويترز في تموز 2025 انتقال عدد من كبار المتخصصين إلى Meta ضمن حملة استقطاب واسعة، كانت الشركة في الواقع تستثمر في العنصر الذي لا يمكن شراؤه بسهولة بعد اكتمال النموذج: القدرة البشرية على اكتشاف ما يأتي بعده. رويترز: استقطاب Meta لكبار مواهب الذكاء الاصطناعي لموهبة هنا ليست مجرد موظف جديد. إنها جزء من القدرة على امتلاك المستقبل.
القوة لا تنتقل بالضرورة مع توزيع الأدوات
قد يكون زوكربيرغ محقًا في أن وصول الأفراد إلى الذكاء المتقدم يمكن أن يرفع قدراتهم. لكن هناك فرقًا بين توزيع الأداة وتوزيع القوة. يمكن أن يحصل مليار إنسان على وكيل ذكي مجاني أو منخفض التكلفة، بينما تبقى النماذج الأساسية، ومراكز البيانات، والرقائق، والبنية التحتية، وطرق التدريب، وقواعد الوصول إلى البيانات في أيدي عدد محدود من الشركات.
وهذا يجعل السؤال السياسي والاقتصادي للمرحلة المقبلة أكثر تعقيدًا: هل سيكون الذكاء الاصطناعي بنية عامة متاحة للجميع، أم خدمة رقمية تملكها شركات قليلة؟ ربما تكون الإجابة مزيجًا من الاثنين. لكن ما يبدو واضحًا أن الصراع لن يكون على النموذج وحده، وإنما على البنية التي تجعل النموذج ممكنًا.
وهنا تحديدًا تتقاطع رؤية زوكربيرغ مع المفارقة التي لا يمكن تجاهلها: مشروع يَعِد بتوزيع الذكاء على الأفراد، لكنه يحتاج إلى استثمارات رأسمالية ضخمة وتركيز استثنائي للرقائق والطاقة ومراكز البيانات والمواهب حتى يصل إلى هؤلاء الأفراد.
وماذا عن الإنسان؟
قد يكون أخطر ما في الوكيل الشخصي أنه لا يحتاج إلى أن يجبرنا على شيء. يكفي أن يصبح مفيدًا جدًا. عندما تتولى الآلة البحث، يقل بحثنا. وعندما تتولى التذكر، تقل حاجتنا إلى التذكر. وعندما تقارن الخيارات، يقل تدريبنا على المقارنة. وعندما تقترح القرار الأفضل، قد يصبح اتخاذ القرار بأنفسنا أمرًا مرهقًا. لا يحدث فقدان الاستقلال فجأة. قد يبدأ كسلسلة من التنازلات الصغيرة: دع الآلة تبحث، ثم دعها ترتب، ثم دعها تقارن، ثم دعها تقترح، ثم دعها تنفذ. وبعد سنوات قد نكتشف أن الجزء الأكبر من الرحلة حدث من دوننا. وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي سيجعل الإنسان أقل ذكاء بالضرورة. لكنه يطرح سؤالًا مهمًا عن المهارات التي تستحق أن نحافظ عليها حتى عندما تصبح الآلة أفضل منا فيها.
العراق أمام سؤال لم يعد بعيدًا
قد تبدو هذه النقاشات وكأنها تخص وادي السيليكون، لكنها في الحقيقة تمس المجتمعات التي ستستخدم هذه الأدوات بعد فترة أقصر مما نتخيل.
ماذا سيحدث للجامعة العراقية عندما يمتلك كل طالب وكيلًا يعرف مستواه، ويشرح له، ويبحث له، ويتابع تعلمه؟ هل سيبقى دور الأستاذ كما هو، أم تنتقل قيمة التعليم بصورة أكبر من نقل المعرفة إلى بناء القدرة على التفكير والنقد والتحقق؟
وماذا يحدث للإعلام عندما يصبح للصحفي وكيل يبحث في آلاف المصادر، ويقارنها، ويفرغ المقابلات، ويترجم الوثائق، ويساعد في بناء المسودة؟ هل تصبح قيمة الصحفي في قدرته على الكتابة فقط، أم في قدرته على اختيار السؤال، والتحقق من الحقيقة، وفهم السياق، ومقاومة الإغراء السهل للمعلومة الجاهزة؟ وماذا يحدث للإدارة الحكومية عندما يمتلك المواطن وكيلًا رقميًا يستطيع التفاعل مع الخدمات نيابة عنه؟ هل نعيد تصميم المؤسسات حول الإنسان، أم نكتفي بإضافة الذكاء الاصطناعي إلى إجراءات قديمة؟ هذه ليست أسئلة مستقبلية مجردة. إنها أسئلة ينبغي أن تدخل اليوم إلى الجامعة، والإعلام، والتشريع، والتعليم، والإدارة العامة.
المستقبل ليس سباقًا إلى الآلة الأذكى
قد ينجح زوكربيرغ في جعل الذكاء الاصطناعي الشخصي متاحًا لمليارات البشر، وقد تتغير بعض رهاناته كما تغيرت رهانات كثيرة في تاريخ التكنولوجيا. لكن الاتجاه الأوسع يبدو واضحًا: الذكاء الاصطناعي يتحرك من كونه أداة نستخدمها إلى كونه وكيلًا يعمل معنا، وربما نيابة عنا.
وهنا لن تكون المعركة الحقيقية بين الإنسان والآلة كما صورتها أفلام الخيال العلمي. ستكون أكثر هدوءًا، وستدور حول من يحدد العلاقة بين الاثنين: من يملك البيانات؟ من يملك النموذج؟ من يملك البنية التحتية؟ من يضع قواعد الوكيل؟ ومن يقرر ما الذي يجوز له أن يفعله باسم الإنسان؟
وربما يكون السؤال الأعمق الذي ينبغي أن يسبق التكنولوجيا كلها: إذا أصبح لكل إنسان عقل رقمي يرافقه طوال حياته، فمن سيعلّم هذا العقل ماذا يعني أن يكون الإنسان إنسانًا؟ قد تمنحنا الآلة وقتًا أكثر، ومعرفة أوسع، وقدرة أكبر على الإبداع. لكن علينا أن ننتبه إلى شيء آخر: ليست كل مهمة تتولاها الآلة مكسبًا، وليست كل لحظة توفرها التكنولوجيا انتصارًا.
هناك أشياء لا نمارسها لأنها أكثر كفاءة، وإنما لأنها تجعلنا بشرًا: أن نبحث، ونتردد، ونخطئ، ونختلف، ونغير رأينا، ونصل إلى الإجابة بعد طريق طويل. لذلك ربما لا يكون الاختبار الحقيقي للذكاء الفائق هو أن يجعل الإنسان قادرًا على إنجاز كل شيء، وإنما أن يساعده على إنجاز المزيد من دون أن يجعله يتنازل عن حقه في أن يفكر بنفسه. فالسؤال في النهاية ليس: هل سيصبح لكل إنسان ذكاء فائق؟ السؤال هو: عندما يصبح الذكاء الذي يسكن معنا قادرًا على معرفة العالم والإنسان، من سيبقى صاحب القرار؟