عندما تتحول الخوارزمية إلى محرر صحفي خفي
قراءة أكاديمية في التفاوت التفاعلي بين المحتوى المرتبط بالعنصر الأنثوي والذكوري على منصات التواصل الاجتماعي
د. ليث عبدالستار عيادة
2026-07-21 04:00
في السنوات الأخيرة، برزت على منصات التواصل الاجتماعي ظاهرة اتصالية تستحق الوقوف عندها بالدراسة والتحليل، تتمثل في التفاوت الواضح في حجم التفاعل الجماهيري مع المنشورات الرسمية للمؤسسات عند ارتباطها بعنصر أنثوي مقارنة بالمنشورات التي ترتبط بعنصر ذكوري، إذ تشير الملاحظة اليومية وبعض الدراسات العلمية بهذا الشأن، إلى أن صورة أو خبراً يتضمن حضوراً نسوياً داخل صفحة رسمية لجامعة أو مؤسسة أو دائرة حكومية قد يستقطب آلاف الإعجابات والتعليقات والمشاركات خلال ساعات قليلة، بينما لا يحظى منشور مشابه يتعلق بعنصر ذكوري إلا بقدر محدود من التفاعل، رغم تماثل أهمية الحدث أو قيمته الخبرية أو المؤسسية.
هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها من خلال عامل الجمال أو النوع الاجتماعي بصورة سطحية، بل ترتبط بمجموعة من المحددات النفسية والاجتماعية والثقافية والخوارزمية التي تتداخل فيما بينها لتشكّل ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الانتباه الرقمي"، إذ أصبحت المنصات الإلكترونية تقوم على مبدأ المنافسة على جذب انتباه المستخدمين، وأصبح العنصر البشري، ولا سيما العنصر الأنثوي، يمتلك قدرة أكبر على استقطاب الانتباه البصري في البيئات الرقمية مقارنة بالمحتوى المجرد أو الصور التقليدية أو الأخبار الإدارية الروتينية.
الأبعاد النفسية والثقافية واقتصاد الانتباه
ومن منظور علم النفس الإعلامي، تؤكد العديد من النظريات أن الإنسان يميل فطرياً إلى المحتوى الذي يحمل بعداً إنسانياً وعاطفياً وبصرياً، ويزداد هذا الميل عندما يرتبط المحتوى بعناصر الجاذبية الاجتماعية أو الرمزية الثقافية، وهو ما يجعل المنشورات التي تتضمن حضوراً نسوياً أكثر قابلية لجذب الانتباه الأولي للمستخدم، الأمر الذي يرفع احتمالية التفاعل معها مقارنة بالمحتوى الآخر. أما من منظور نظرية الاستخدامات والإشباعات، فإن المتلقي لا يتعامل مع وسائل التواصل بوصفها وسيلة للحصول على المعلومات فحسب، بل بوصفها فضائاً لتحقيق الإشباعات الاجتماعية والنفسية والترفيهية، لذلك فإن بعض المستخدمين يجدون في التعليق على المنشورات المرتبطة بالعنصر الأنثوي وسيلة للحضور الاجتماعي وإظهار الرأي أو البحث عن التقدير أو لفت الانتباه داخل المجتمع الرقمي. وفي السياق الثقافي العربي، تلعب البنية الاجتماعية المحافظة دوراً إضافياً في تعزيز هذه الظاهرة، إذ ما يزال ظهور المرأة في الفضاء العام والرسمي يحظى بدرجة أعلى من المراقبة والاهتمام والمناقشة مقارنة بالرجل، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على حجم التفاعل الإلكتروني، سواء كان ذلك التفاعل إيجابياً أو سلباً أو حتى فضولياً.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري للخوارزميات الرقمية في تكريس هذه الحالة، فالمنصات الإلكترونية لا تميز أخلاقياً بين أنواع التفاعل، بل تتعامل مع جميع التعليقات والإعجابات والمشاركات بوصفها مؤشرات نجاح للمحتوى، ولذلك فإن المنشور الذي يحصل على تفاعل مرتفع خلال الدقائق الأولى يتم دفعه آلياً إلى عدد أكبر من المستخدمين، مما يؤدي إلى تضاعف انتشاره بصورة متسارعة فيما يشبه "الكرة الثلجية الرقمية"، وهو ما يجعل المنشورات المرتبطة بالعنصر الأنثوي تحقق انتشاراً أوسع حتى وإن كان محتواها المؤسسي أقل أهمية من منشورات أخرى.
ومن زاوية مهنية وإعلامية، ينبغي على المؤسسات الرسمية ألا تنظر إلى ارتفاع التفاعل المرتبط بالعنصر الأنثوي بوصفه معياراً لنجاح الرسالة الإعلامية أو جودة المحتوى المؤسسي، لأن مؤشرات التفاعل لا تعكس بالضرورة مستوى التأثير المعرفي أو الإدراكي لدى الجمهور، فهناك فرق جوهري بين "التفاعل" و"التأثير"، وبين "الانتشار" و"القيمة الاتصالية"، إذ قد يحقق منشور علمي أو أكاديمي أثراً معرفياً عميقاً رغم محدودية التعليقات عليه، في حين قد يحصد منشور آخر آلاف التعليقات دون أن يضيف قيمة معرفية حقيقية للمجتمع.
كما تفرض هذه الظاهرة تحديات أخلاقية ومهنية على إدارات الإعلام والاتصال الحكومي في المؤسسات الأكاديمية والرسمية، إذ ينبغي تجنب توظيف العنصر النسوي بوصفه أداة لجذب التفاعل الرقمي على حساب الرسالة المؤسسية، لأن ذلك قد يؤدي تدريجياً إلى تحويل صفحات المؤسسات من منصات للمعرفة والإنجاز إلى ساحات لاقتصاد المشاهدات والانتباه.
إن التفاوت التفاعلي بين المحتوى المرتبط بالعنصر الأنثوي والذكوري على وسائل التواصل الاجتماعي يمثل انعكاساً لتحولات أعمق يعيشها المجتمع الرقمي المعاصر، حيث لم تعد قيمة المحتوى وحدها هي المحدد الرئيسي للانتشار، بل أصبحت الخوارزميات والأنماط الثقافية والسلوكيات الجماهيرية تشارك مجتمعة في صناعة الأولويات الاتصالية وتحديد ما يراه الجمهور وما يتفاعل معه.