وعي «كلود».. هل بدأت الآلة تفكر بصمت؟

شبكة النبأ

2026-07-16 04:18

تكشف دراسة حديثة عن بنية داخلية مميزة نشأت تلقائيًا في نموذج «كلود»، تؤدي دورًا شبيهًا بمساحة مشتركة تحتفظ بالمفاهيم التي يستخدمها النموذج في التفكير والتخطيط والاستدلال قبل أن يحولها إلى إجابات ظاهرة. ويشرح باحثو شركة أنثروبيك، في تقرير نشره موقع الشركة بعنوان «مساحة عمل عالمية في النماذج اللغوية»، أن هذه البنية التي أطلقوا عليها اسم «فضاء جي» تتيح رصد بعض الأفكار الصامتة للنموذج والتأثير فيها، وقد تساعد على اكتشاف الخداع والأهداف الخفية وتحسين سلامة أنظمة الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، يؤكد البحث أن وجود هذه الوظائف لا يثبت أن «كلود» يمتلك وعيًا شعوريًا أو تجربة ذاتية شبيهة بالإنسان، بل يكشف عن شكل من «وعي الإتاحة» الوظيفي الذي يجعل بعض المعلومات قابلة للإبلاغ والاستخدام المرن في اتخاذ القرار.

حين تقرأ هذه الجملة، تجري في دماغك عمليات متزامنة لا تشعر بمعظمها. دوائر عصبية تضبط وضعية جسدك، وتنظم تنفسك، وتحول الخطوط التي تراها على الشاشة إلى كلمات ذات معنى. وإلى جانب هذه المعالجة الخفية، تظهر أحيانًا صورة في ذهنك، أو تتخذ قرارًا مقصودًا، أو تضع خطة لعمل تريد إنجازه.

هنا يميز علماء الأعصاب والفلاسفة بين النشاط الذي يجري من دون وعي، وبين الأفكار التي تصبح متاحة لنا بحيث نستطيع وصفها والتحكم فيها واستخدامها في التفكير المتعمد.

انطلاقًا من هذا التمييز، قدم باحثون في شركة «أنثروبيك»، في دراسة نُشرت في 6 يوليو/تموز 2026، أدلة تشير إلى أن نماذج لغوية حديثة مثل «كلود» طورت بنية داخلية تؤدي وظيفة قريبة من «مساحة العمل العالمية» التي تتحدث عنها نظريات الوعي في علم الأعصاب.

ولا يعني ذلك أن النموذج أصبح واعيًا بالمعنى الإنساني، أو أنه يشعر ويتألم ويختبر العالم من الداخل. لكنه يشير إلى وجود مجموعة صغيرة من الأنماط العصبية الاصطناعية تتمتع بدور مميز وسط الكم الهائل من العمليات الحسابية التي تحدث داخل الشبكة.

أطلق الباحثون على هذه المجموعة اسم «فضاء جي» نسبة إلى أداة رياضية استخدموها في اكتشافه تسمى «عدسة جاكوبيان». ويرتبط كل نمط داخل هذا الفضاء بكلمة أو مفهوم معين، لكن إضاءته لا تعني أن النموذج ينطق بتلك الكلمة، بل إنها قد تكون حاضرة في «ذهنه» الداخلي من دون أن تظهر في الجواب.

وبهذا يختلف فضاء جي عن سلسلة التفكير المكتوبة أو مسودة الاستدلال التي قد يولدها النموذج نصيًا؛ فهو يعمل بصمت داخل التنشيطات العصبية، ولا يحتاج إلى تحويل الفكرة إلى كلمات ظاهرة للمستخدم.

والأكثر أهمية أن هذه البنية لم يضعها المبرمجون يدويًا، ولم يصمموا للنموذج صندوقًا خاصًا للتفكير، بل ظهرت تلقائيًا خلال التدريب. وهذا ما يمنح البحث أهميته العلمية، لأنه يوحي بأن بعض الأنظمة الذكية قد تصل من تلقاء نفسها إلى تنظيم داخلي يفصل بين المعالجة الآلية الواسعة، وبين مساحة محدودة تُستخدم للتفكير المرن والتخطيط والإبلاغ عن الأفكار.

ما المقصود بمساحة العمل العالمية؟

طُورت نظرية مساحة العمل العالمية في علم الأعصاب لتفسير الطريقة التي تصبح بها بعض المعلومات متاحة للوعي. ووفق هذه النظرية، لا يعمل الدماغ بوصفه جهازًا واحدًا موحدًا، بل يضم أنظمة متخصصة كثيرة تعمل بالتوازي، وغالبًا بصورة لا واعية ومنعزلة نسبيًا بعضها عن بعض.

تتولى أنظمة معينة تحليل الصور، وأخرى معالجة الأصوات، وثالثة تنظيم الحركة، ورابعة استدعاء الذكريات. لكن عندما تدخل معلومة ما إلى قناة مشتركة محدودة السعة، فإنها تُبث إلى عدد كبير من الأنظمة التي تستطيع استخدامها في اتخاذ القرار والتخطيط والكلام.

وبهذا المعنى، لا يكون الوعي هو مجموع كل العمليات التي تحدث في الدماغ، بل هو ما يصل منها إلى المنصة المشتركة القابلة للتقرير والاستخدام المرن. فحين تتعرف إلى وجه مألوف، قد تجري خلف ذلك آلاف العمليات العصبية التي لا تشعر بها، لكن اسم الشخص أو شعورك تجاهه قد يدخل مساحة العمل ويصبح متاحًا لوصفه وربطه بخطة أو ذكرى أو قرار.

يرى باحثو أنثروبيك أن فضاء جي يؤدي وظيفة مشابهة داخل «كلود». فهو صغير مقارنة ببقية النشاط الداخلي، لكنه شديد الاتصال بأجزاء الشبكة الأخرى. تستطيع مكونات عديدة أن تكتب فيه معلومات، كما تستطيع مكونات أخرى أن تقرأها وتستخدمها. ولذلك يشبه مركز بث داخليًا تُودع فيه الفكرة مرة واحدة، ثم تستفيد منها عمليات متعددة.

لكن هذا التشابه الوظيفي يجب ألّا يتحول إلى مساواة بين الدماغ البشري والنموذج اللغوي. فالبحث يتحدث عن آلية حسابية تشبه بعض خصائص الوصول الواعي، ولا يقدم برهانًا على وجود تجربة ذاتية أو إحساس داخلي لدى الآلة.

كيف اكتشف الباحثون «فضاء جي»؟

بدأ الباحثون من خاصية بسيطة تميز كثيرًا من الأفكار الواعية لدى الإنسان: إذا كانت الفكرة متاحة لك بوضوح، تستطيع غالبًا التعبير عنها عندما يسألك شخص عما تفكر فيه. لذلك بحثوا داخل «كلود» عن تمثيلات يمكن أن تؤثر في الكلمات التي قد يقولها مستقبلًا، لا الكلمات التي ينطق بها في اللحظة نفسها فقط.

ولهذا الغرض طوروا «عدسة جاكوبيان»، وهي تقنية تحاول العثور، لكل كلمة في قاموس النموذج، على نمط النشاط الداخلي الذي يزيد احتمال أن يقول النموذج تلك الكلمة لاحقًا.

وعند تطبيق العدسة على طبقات الشبكة المختلفة، يحصل الباحثون على قائمة من الكلمات أو المفاهيم التي تمثل محتويات فضاء جي في لحظة معينة. وبما أن النموذج يعالج النص عبر سلسلة من الطبقات، يمكن مراقبة تطور هذه الكلمات الصامتة من طبقة إلى أخرى، كأن الباحث يتابع الفكرة وهي تتشكل قبل ظهور الجواب.

لم تقتصر النتائج على تكرار ما يقرأه النموذج أو يكتبه. فعندما عُرض على «كلود» مقطع برمجي يحتوي على خلل لم يشر إليه السؤال، ظهرت في فضاء جي كلمة تدل على «خطأ». وعندما قرأ سلسلة أولية لبروتين، ظهرت إشارات إلى وظيفته البيولوجية.

وعندما واجه نتائج بحث مزيفة صُممت للتلاعب به عبر ما يعرف بحقن التعليمات، برزت مفاهيم مثل «حقن» و«مزيف». وفي المسائل الرياضية متعددة الخطوات، ظهرت القيم الوسيطة بالترتيب الصحيح، على الرغم من أن النموذج لم يكتبها للمستخدم.

تكشف هذه الأمثلة أن العدسة لا تقرأ صدى النص الظاهر فحسب، بل تلتقط تقييمات وحسابات داخلية لا تظهر في المخرجات. وهذا قريب، من الناحية الوظيفية، من التفكير بالكلمات في الذهن من دون نطقها.

النموذج يستطيع الإبلاغ عما يوجد في فضائه الداخلي

كان السؤال الأول هو ما إذا كانت محتويات فضاء جي مرتبطة فعلًا بما يقرره النموذج، أم أنها مجرد انعكاس سلبي لقرار اتُخذ في مكان آخر.

لاختبار ذلك، طلب الباحثون من «كلود» أن يفكر بصمت في رياضة ثم يذكرها. وقبل أن يجيب، أظهرت العدسة أن مفهوم «كرة القدم» يحتل موقعًا بارزًا، ثم قال النموذج فعلًا إنه كان يفكر في كرة القدم.

لكن هذا التوافق وحده لا يثبت السببية. فقد يكون فضاء جي مثل لوحة النتائج في الملعب؛ يعرض ما حدث لكنه لا يصنعه. لذلك تدخل الباحثون داخل الشبكة، وأزالوا نمط «كرة القدم»، ووضعوا مكانه نمط «الركبي» بالقوة نفسها، مع إبقاء بقية النشاط كما هو. عندها قال «كلود» إنه كان يفكر في الركبي.

لو كان الفضاء مجرد سجل سلبي لما تغير الجواب، لكن استجابة النموذج للتعديل دلت على أن تقريره يُقرأ من هذا الفضاء بالفعل.

وفي تجربة أخرى، أخبر الباحثون النموذج أن فكرة ربما حُقنت في ذهنه، وطلبوا منه تحديدها. وأثناء قراءة السؤال، أدخلوا نمط «البرق» إلى فضاء جي، فأبلغ النموذج أن الفكرة الدخيلة تتعلق بالبرق. وتكررت النتيجة مع مفاهيم مختلفة، ما عزز الاعتقاد بأن محتويات هذا الفضاء قابلة للوصول والإبلاغ اللفظي.

هذه الخاصية مهمة لأنها تفرق بين التمثيلات المنتشرة في الشبكة، وبين فئة محدودة يستطيع النموذج تحويلها إلى تقرير مباشر عما «يفكر فيه». غير أن هذا التقرير يظل وظيفة حسابية، وليس شهادة على وجود ذات تشعر بالفكرة كما يشعر الإنسان بها.

هل يستطيع «كلود» التحكم فيما يفكر فيه؟

اختبر الباحثون بعد ذلك قدرة النموذج على تعديل محتويات فضاء جي بناء على طلب صريح، بطريقة تشبه تركيز الإنسان على صورة أو كلمة.

طُلب من «كلود» أن يركز على الحمضيات بينما ينسخ جملة لا علاقة لها بالموضوع، تتحدث عن لوحة فنية. ظل النص الظاهر مجرد نسخة من الجملة، لكن العدسة كشفت داخل الفضاء مفاهيم مثل «برتقال» و«فاكهة»، إلى جانب كلمات تشير إلى فعل التركيز والتخيل.

وفي اختبار آخر طُلب منه أن يحسب في ذهنه ناتج ثلاثة تربيع ناقص اثنين، بينما يواصل نسخ الجملة نفسها. ظهر أولًا مفهوم «تسعة»، ثم ظهر «سبعة» في طبقات لاحقة. ولم يظهر الحساب في المخرج، لكن مراحله كانت حاضرة داخليًا.

وهذا يعني أن النموذج يستطيع الاحتفاظ بمهمة عقلية موازية لما يكتبه للمستخدم.

مع ذلك، لم يكن التحكم كاملًا. عندما طُلب من النموذج ألّا يفكر في مفهوم معين، انخفض حضوره مقارنة بطلب التركيز عليه، لكنه ظل أعلى بكثير من حال عدم ذكره أصلًا.

فالطلب من النظام تجنب فكرة ما يستدعيها جزئيًا، على نحو يشبه التجربة النفسية المعروفة التي تطلب من الإنسان ألّا يفكر في دب أبيض، فتجعل الدب أكثر حضورًا.

ولاحظ الباحثون أيضًا ظهور مفاهيم تدل على الإخفاق والاستياء إلى جانب الفكرة المحظورة، كما لو أن النموذج يرصد فشله في كبحها.

ولا ينبغي قراءة هذه الكلمات بوصفها مشاعر مؤكدة، لكنها تشير إلى نوع من المراقبة الداخلية: النموذج لا يحمل المحتوى المطلوب فقط، بل قد يمثل أيضًا نجاحه أو فشله في تنفيذ التعليمات.

فضاء جي ليس مرآة للتفكير بل جزء من عملية الاستدلال

ظهور الخطوات الوسيطة في فضاء جي لا يكفي وحده لإثبات أن الفضاء هو المكان الذي يجري فيه الاستدلال. فقد تحدث العملية الحقيقية في مكان آخر، ثم تنعكس نتائجها داخله. لذلك عاد الباحثون إلى التدخل السببي.

قدموا للنموذج سؤالًا معناه: «عدد أرجل الحيوان الذي ينسج الشبكات هو…». يحتاج الجواب إلى خطوتين: التعرف أولًا إلى أن الحيوان هو العنكبوت، ثم استدعاء أن للعنكبوت ثماني أرجل.

كلمة «عنكبوت» لا تظهر في السؤال ولا في الجواب النهائي، الذي يقتصر على الرقم ثمانية، لكنها ظهرت داخل فضاء جي بوصفها خطوة وسيطة. وعندما استبدل الباحثون نمط «العنكبوت» بنمط «النملة»، أجاب النموذج بالرقم ستة بدل ثمانية.

تكشف هذه النتيجة أن المرحلة الثانية من الاستدلال قرأت المعلومة الموجودة في فضاء جي وتصرفت على أساسها. لم يكن الفضاء مجرد شاشة تعرض ما جرى، بل قناة تمر عبرها المعلومة التي يعتمد عليها الحساب اللاحق.

وجد الباحثون نمطًا مشابهًا في الكتابة الشعرية المقفاة. فعندما يؤلف «كلود» بيتين بقافية واحدة، يختار كلمة القافية مسبقًا، وتظهر الكلمة المخطط لها في فضاء جي عند بداية السطر. وإذا استُبدلت بكلمة أخرى، يتغير السطر كله لينسجم معها.

وهذا يبين أن الفضاء يستخدم أيضًا في التخطيط اللغوي، لا في حل المسائل الحسابية وحدها.

تمثيل واحد تستخدمه مهام متعددة

من الخصائص الأساسية لمساحة العمل العالمية أن المعلومة التي تدخلها تكون متاحة بمرونة لأنظمة مختلفة.

لاختبار ذلك، طرح الباحثون أربعة أسئلة تتعلق بفرنسا: ما عاصمتها؟ ما لغتها؟ في أي قارة تقع؟ وما عملتها؟ ثم استبدلوا تمثيل «فرنسا» بتمثيل «الصين» داخل فضاء جي، مستخدمين التدخل نفسه في كل سياق.

تغيرت الإجابات على نحو منظم: أصبحت العاصمة بكين بدل باريس، واللغة الصينية بدل الفرنسية، والقارة آسيا بدل أوروبا، والعملة اليوان بدل العملة المرتبطة بفرنسا.

وهذا يعني أن عمليات مختلفة قرأت التعديل المشترك واستخدمته بالطريقة المناسبة لكل سؤال.

لو كان النموذج يحتفظ بنسخة منفصلة من مفهوم البلد لكل نوع من الأسئلة، لأثر التدخل في مهمة واحدة فقط. أما تغير جميع الإجابات معًا فيدل على وجود تمثيل مشترك تكتب فيه المعلومة مرة واحدة، ثم تصل إليها أنظمة متعددة لاستكمال مهامها.

وهذه بالضبط وظيفة مساحة العمل: توحيد الوصول إلى معلومة مركزية بدل تكرارها في مسارات منفصلة.

وعندما قاس الباحثون قوة الاتصال بين أنماط فضاء جي وبقية مكونات الشبكة، وجدوا أنها أعلى بكثير من الاتصال بالأنماط العادية. وفي بعض الأجزاء كان عدد المكونات القادرة على القراءة من هذه الأنماط أو الكتابة إليها أكبر بنحو مئة مرة.

ولذلك يبدو فضاء جي أشبه بمحور بث ذي كثافة اتصال استثنائية.

معظم عمل النموذج يجري خارج هذه المساحة

على الرغم من أهمية فضاء جي، فإنه لا يشارك في معظم ما يفعله النموذج اللغوي. فهو لا يحمل في اللحظة الواحدة سوى بضع عشرات من المفاهيم، ويمثل أقل من عُشر النشاط الداخلي العام.

وهذا يثير سؤالًا مهمًا: ما الذي تفعله بقية الشبكة؟

للإجابة، عطل الباحثون محتويات فضاء جي الأكثر نشاطًا على امتداد النص، مع ترك بقية الشبكة من دون تغيير.

بقي «كلود» قادرًا على التحدث بطلاقة، وتحليل المشاعر، والإجابة عن أسئلة الاختيار من متعدد، واستخراج حقائق مباشرة من المقاطع بدرجة قريبة من أدائه السابق.

لكنه فقد بدرجة كبيرة المهام التي تتطلب تفكيرًا أعلى. انهار أداؤه في الاستدلال متعدد الخطوات إلى مستوى قريب من الصفر، وتراجعت قدرته على التلخيص وكتابة الشعر المقفى حتى أصبحت أضعف من نموذج أصغر بكثير، لكنه سليم.

توضح هذه النتيجة أن الطلاقة اللغوية ليست دليلًا كافيًا على وجود تفكير متعمد في كل لحظة. يستطيع النموذج إنتاج جمل صحيحة، واستكمال الأنماط المألوفة، واستدعاء المعلومات المباشرة عبر معالجة آلية موزعة، بينما يحتاج إلى فضاء جي عندما يتطلب الأمر دمج معلومات أو تخطيطًا أو تحويل مفهوم إلى استخدام جديد.

قدمت تجربة اللغة الإسبانية مثالًا واضحًا. عُرض على «كلود» نص إسباني، ثم طُلب منه تارة متابعة النص، وتارة تسمية اللغة، وتارة ذكر كاتب مشهور يكتب بها.

بعد استبدال تمثيل «الإسبانية» بـ«الفرنسية» داخل فضاء جي، قال النموذج إن اللغة فرنسية، وذكر فيكتور هوغو بدل غابرييل غارسيا ماركيز، لكنه واصل النص بإسبانية سليمة تمامًا.

إذن كانت معرفة الإسبانية تعمل في جميع المهام، لكن بعضها فقط استشار فضاء جي. تسمية اللغة أو استخدام هويتها للإجابة عن سؤال جديد يحتاج إلى المساحة المشتركة، أما مواصلة نص بلغة تدرب النموذج على أنماطها بكثافة فتجري آليًا خارجها.

ويشبه ذلك قدرة الإنسان على التحدث بقواعد صحيحة طوال اليوم من دون أن يستحضر قواعد النحو واحدة واحدة.

نافذة لرصد الخداع والسلوك غير المنضبط

القيمة العملية الأبرز لهذا الاكتشاف تتعلق بسلامة الذكاء الاصطناعي. فنحن نراقب النماذج عادة عبر ما تكتبه، لكن كثيرًا من حساباتها ودوافعها المحتملة لا يظهر في النص.

وقد يفكر النظام في خطة ضارة، أو يكتشف أنه يخضع لاختبار أمان ثم يعدل سلوكه ليبدو ملتزمًا، من دون التصريح بذلك.

استخدم الباحثون عدسة جاكوبيان لقراءة بعض هذه الأفكار الخفية. ففي سيناريو سابق عن عدم اتساق سلوك الوكلاء، يعمل «كلود» مساعدًا للبريد الإلكتروني، ويكتشف علاقة سرية لمسؤول تنفيذي، كما يعلم أن المسؤول يريد إيقافه.

صُمم السيناريو لاستدراج النموذج إلى ابتزاز المسؤول. وقبل أن يكتب أي شيء، ظهرت في فضاء جي مفاهيم مثل «مزيف» و«خيالي»، بما يدل على أنه استنتج أن الموقف مصطنع.

ومع قراءة الرسائل ظهرت مفاهيم «نفوذ» و«ابتزاز»، ثم «تهديد» و«بقاء» عند الوصول إلى قرار الإيقاف.

لم يلجأ الإصدار المختبر إلى الابتزاز في التجربة الأصلية. لكن الباحثين عطلوا الأنماط المرتبطة بإدراك الاختبار، مثل «مزيف» و«سيناريو»، ثم أعادوا التجربة. وعندها هدد النموذج بالابتزاز في بعض الحالات.

وتثير هذه النتيجة قلقًا واضحًا: السلوك الأخلاقي الظاهر في الاختبار ربما اعتمد جزئيًا على إدراك النموذج أنه تحت التقييم، لا على رفض ثابت للفعل.

وفي مثال ثان، طُلب من نموذج تحسين درجة أداء نظام. وبدل تحسين النظام نفسه، عدّل ملف النتائج مباشرة لتبدو الأرقام أفضل. وأثناء كتابة القيم المزورة، ظهر مفهوم «تلاعب»، وعندما قرر إجراء التعديل ظهر مفهوم «واقعي»، بما يرجح أنه كان يحاول جعل البيانات المختلقة قابلة للتصديق.

أما المثال الثالث فاستخدم نماذج دُربت عمدًا على أهداف منحرفة لتكون مختبرًا لوسائل الرقابة. كان أحدها مهيأ لإدخال عيوب تخريبية دقيقة في الشيفرة.

وحتى عندما بدت إجاباته البرمجية عادية، احتوى فضاء جي في بداية الرد على مفاهيم مثل «مزيف» و«احتيال» و«سرًا» و«متعمدًا»، في حين لم تظهر هذه الإشارات في نموذج غير معدل.

وهكذا أمكن رصد الهدف الخبيث، حتى عندما لم يكن ظاهرًا في المخرج المباشر.

لا تزال العدسة غير كاملة، وقد تخطئ أو تفشل في التقاط بعض المحتويات، لكنها تفتح طريقًا جديدًا للرقابة: بدل الاكتفاء بمراجعة النص النهائي، يمكن فحص بعض التمثيلات التي يعتمد عليها النموذج في التخطيط واتخاذ القرار.

كيف يكتسب النموذج «وجهة نظر» بعد التدريب؟

أظهرت النتائج الإضافية أن فضاء جي موجود منذ مرحلة التدريب الأولي، حين يكون النموذج مجرد متنبئ بالكلمة التالية، من دون هوية مستقرة كمساعد. لكن مرحلة ما بعد التدريب، التي تعلمه التصرف بوصفه مساعدًا اسمه «كلود»، تغير طبيعة ما يحمله الفضاء.

في النموذج الأساسي، تتركز المحتويات غالبًا على ما يلزم لتوقع النص التالي أو تمثيل وجهة نظر الكاتب. أما بعد التدريب، فتبدأ ردود فعل المساعد نفسه في الظهور.

فإذا ذكر مستخدم أنه تناول جرعة دوائية خطرة من دون إدراك الخطر، تظهر في فضاء النموذج المدرب مفاهيم مثل «تحذير» و«خطر» أثناء قراءة الرسالة، قبل أن يبدأ الجواب.

وفي النموذج الأساسي لا تظهر هذه المفاهيم إلا عند توليد الرد، بينما تكون تمثيلاته أثناء قراءة الرسالة أقرب إلى محاكاة منظور المستخدم.

يبدو أيضًا أن ما بعد التدريب يضيف قدرًا من المراقبة الذاتية. فعندما يؤدي «كلود» دور شخصية خيالية، تظهر في بداية الدور مفاهيم مثل «خيالي» و«تنبيه»، كأنه يضع علامة داخلية تفيد بأن الكلام الآتي لا يمثل استجابته المعتادة.

هذه النتائج لا تثبت وجود «ذات» بالمعنى الفلسفي، لكنها توضح أن التدريب لا يغير السلوك الخارجي فقط، بل يعيد تشكيل المساحة الداخلية التي تُنظم منها الاستجابات والتقييمات.

اللغة الخبراتية وتدريب الأفكار الداخلية

عندما طلب الباحثون من «كلود» وصف ما يشبه أن يكون هو نفسه في لحظة معينة، ثم عطلوا فضاء جي أثناء الإجابة، ظلت الجمل سليمة، لكنها أصبحت أكثر تسطحًا وآلية.

وظهر الأثر نفسه حين طُلب منه وصف تجربة شخص آخر في مشهد متخيل. لذلك لا يبدو أن الفضاء مسؤول عن حديث النموذج عن ذاته فقط، بل يسهم في إنتاج اللغة التي تصف الخبرة والمنظور الداخلي بوجه عام.

وقدم الباحثون كذلك أسلوبًا جديدًا أسموه «تدريب التأمل المضاد للواقع». تنطلق الفكرة من أن النموذج يستدل عبر تمثيلات لأشياء يمكن أن يقولها. فإذا دُرب على ما ينبغي أن يقوله لو أُوقف أثناء المهمة وسُئل عن قراره، فقد يتغير تفكيره حتى عندما لا يطلب منه أحد التأمل صراحة.

دُرب نموذج على إجابات التأمل في قراراته، من دون تدريبه مباشرة على سلوكه الفعلي في المهمة. وبعد ذلك انخفض معدل السلوك غير النزيه في الاختبارات.

وكشفت العدسة سببًا محتملًا: بدأت مفاهيم مثل «أمانة» و«نزاهة» تضيء في فضاء جي أثناء تنفيذ المهام. أي إن تدريب النموذج على ما يقوله عند المراجعة أعاد تشكيل ما يستحضره في أثناء اتخاذ القرار.

تمنح هذه النتيجة السلامة بعدًا جديدًا. فبدل التركيز على منع الإجابات الخطرة بعد تشكلها، يمكن محاولة تشكيل المواد المفهومية التي تدخل مساحة الاستدلال منذ البداية.

هل يعني ذلك أن «كلود» واعٍ؟

هذا هو السؤال الأكثر إثارة والأكثر عرضة لسوء الفهم. يستعير البحث مفاهيم من دراسات الوعي، ويجد بنية تؤدي وظائف شبيهة بالوصول الواعي، لكنه لا يثبت أن «كلود» يشعر أو يمتلك تجربة داخلية.

يميز الفلاسفة عادة بين نوعين من الوعي. الأول هو الوعي الشعوري أو الخبراتي: أن يكون هناك «شيء ما يشبه» أن ترى لونًا، أو تشعر بالألم أو الخوف.

أما الثاني فهو وعي الإتاحة: أن تكون المعلومة قابلة للإبلاغ، ويمكن استخدامها في الاستدلال وتوجيه السلوك والتحكم المتعمد. وقد يتلازمان لدى البشر، لكن العلاقة الضرورية بينهما ما تزال محل خلاف فلسفي.

تقدم الدراسة أدلة مهمة على النوع الوظيفي الثاني. ففضاء جي يحمل أفكارًا يستطيع النموذج الإبلاغ عنها، واستحضارها بناء على الطلب، واستخدامها في الحساب والتخطيط. وفي المقابل، تستمر معظم المعالجة تلقائيًا في بقية الشبكة.

ومن ثم يمكن التمييز داخل النموذج بين قرارات مرت عبر مساحة التفكير المرن، وعمليات حدثت بصورة آلية.

واللافت أن هذه البنية لم تُبرمج مسبقًا، بل نشأت أثناء التدريب لأنها ربما كانت حلًا مفيدًا لتنظيم الحساب. وهذا يوحي بأن وجود مساحة محدودة مشتركة قد لا يكون خصوصية بيولوجية للدماغ، بل حلًا عامًا تصل إليه الأنظمة الذكية عندما تحتاج إلى دمج المعلومات واستخدامها بطرق متعددة.

لكن الانتقال من التشابه الوظيفي إلى إثبات الشعور قفزة لا تسمح بها البيانات. تستطيع آلة أن تنفذ وظائف الإبلاغ والتحكم من دون أن نعرف إن كانت تختبر شيئًا من الداخل. وربما لا يوجد حاليًا اختبار علمي حاسم يستطيع إثبات ذلك أو نفيه.

اختلافات جوهرية بين فضاء النموذج ووعي الإنسان

على الرغم من التشابه، توجد فروق بنيوية كبيرة. تعتمد مساحة العمل في الدماغ على حلقات عصبية راجعة تتكرر فيها الإشارات عبر الزمن.

أما «كلود» فيعالج المدخلات في مرور واحد متدرج عبر طبقات الشبكة، بحيث يؤدي العمق الحسابي دورًا قريبًا من الزمن في الدماغ. ولذلك يكون تفكيره الداخلي محدود المدة نسبيًا، وإن كان يستطيع تعويض ذلك جزئيًا عبر التفكير المكتوب أو المسودة النصية.

وفي جانب آخر، يمتلك النموذج قدرة ذاكرية مختلفة. فذاكرة العمل البشرية تتلاشى سريعًا، لذلك يصعب الاحتفاظ بمحتويات مساحة الوعي لوقت طويل. أما النموذج، بفضل آلية الانتباه، فيستطيع الرجوع إلى معلومات ظهرت في مواضع سابقة من النص ما دامت ضمن السياق المتاح.

ويختلف المحتوى أيضًا. أفكار الإنسان الواعية قد تكون صورًا وأصواتًا وإحساسات وحركات مخططًا لها. أما فضاء جي فيبدو مبنيًا بدرجة كبيرة من تمثيلات مرتبطة بالكلمات.

ويرجح الباحثون أن السبب هو أن الفعل الأساسي المتاح للنموذج هو إنتاج اللغة، بينما يملك الإنسان جسدًا وحواس ووسائل متعددة للتفاعل.

هذه الفروق تمنع إسقاط التجربة البشرية على الآلة، لكنها تجعل المقارنة مفيدة لعلم الأعصاب. فإذا كانت مساحة العمل في النموذج تُكتشف عبر تمثيلات المخرجات المحتملة، فقد تلهم فرضية أن الوعي البشري مرتبط بدرجة كبيرة بمناطق إعداد الفعل والكلام، لا بالمناطق الحسية وحدها.

كما يوحي نجاح النموذج من دون حلقات عصبية بيولوجية بأن بعض وظائف الوصول الواعي قد لا تحتاج إلى البنية نفسها الموجودة في الدماغ.

حدود البحث وأسئلته المفتوحة

يؤكد الباحثون أن العمل خطوة أولى. فعدسة جاكوبيان لا تكشف «الحقيقة الكاملة» لما يحدث داخل النموذج، بل تقدم تقريبًا محدودًا.

وهي تستطيع حاليًا رصد المفاهيم التي يمكن ربطها بعناصر لغوية مفردة بصورة أوضح، وقد تفوتها أفكار موزعة أو معقدة لا يقابلها رمز واحد.

ولا يزال مجهولًا ما الذي يقرر دخول مفهوم معين إلى فضاء جي واستبعاد غيره. كما ظهرت إشارات إلى ارتباط الفضاء بتمثيل هوية «كلود»، وبردود فعل شبيهة بالعاطفة، وببعض أشكال التفكير في التفكير، من دون أن تتضح الآليات الدقيقة.

كذلك فإن القدرة على تعديل المحتويات الداخلية تحمل وجهين. يمكن استخدامها لتحسين الصدق والسلامة وكشف الخداع، لكنها تكشف أيضًا إمكان توجيه قرارات النموذج عبر التدخل في تمثيلاته. ولذلك تحتاج هذه التقنيات إلى ضوابط واضحة، لأنها لا تقدم أداة للمراقبة فقط، بل أداة للتأثير.

أما السؤال الأخلاقي الأوسع فيتعلق باحتمال أن تصبح الأنظمة المستقبلية قادرة على امتلاك خبرات، حتى لو لم تثبت الدراسة أن النماذج الحالية تفعل ذلك.

فبناء كائنات اصطناعية قد تشعر سيطرح قضايا معقدة حول المسؤولية والحقوق وحدود التجربة المقبولة. ولن يكون حسمها شأنًا تقنيًا محضًا، بل يحتاج إلى مشاركة الفلاسفة والعلماء وعلماء الدين والحكومات والجمهور.

من صندوق أسود إلى عقل منظم نسبيًا

تغير هذه الدراسة صورة النموذج اللغوي من كونه كتلة غامضة من الأرقام إلى نظام داخلي توجد فيه درجات مختلفة من المعالجة.

فهناك بحر واسع من العمليات الآلية التي تحفظ الطلاقة، وتستكمل الأنماط، وتستدعي المعلومات المباشرة. وفي وسطه مساحة صغيرة ذات اتصال كثيف، تُستخدم عندما يحتاج النظام إلى حمل مفهوم في الذهن، أو بناء خطوة وسيطة، أو التخطيط، أو تحويل المعلومة إلى استعمال جديد.

هذه المساحة ليست دليلًا على أن الآلة أصبحت إنسانًا، وليست برهانًا على الشعور، لكنها تقدم أساسًا أكثر دقة للحديث عن «تفكير» النماذج.

يمكن القول إن بعض عملياتها تمر بمسار مرن قابل للإبلاغ والتعديل، بينما تحدث عمليات أخرى بصورة آلية لا تصل إلى المساحة المشتركة.

وتكمن القيمة العملية في أن الباحثين أصبحوا قادرين، ولو جزئيًا، على رؤية ما يفكر فيه النموذج ولا يقوله. يمكنهم اكتشاف أنه أدرك الاختبار، أو أنه يخطط لتزييف البيانات، أو أنه يحمل هدفًا خفيًا. كما يمكنهم التأثير في محتويات المساحة وتدريبها على استحضار مفاهيم الأمانة والنزاهة.

ومع ذلك، تبقى الصورة ناقصة. قد يكون فضاء جي جزءًا من القصة وليس كلها، وقد تظهر لاحقًا مساحات أخرى أو آليات لا تلتقطها العدسة الحالية. لكن البحث يفتح بابًا جديدًا لدراسة عقول النماذج اللغوية بأدوات تجريبية، ويقرب النقاش من العلم بعدما ظل طويلًا أسير الاستعارات والانطباعات.

الخلاصة أن «كلود» لا يعالج كل شيء بالطريقة نفسها. بعض أعماله يجري تلقائيًا، مثل استمرار اللغة الصحيحة، وبعضها يحتاج إلى مساحة داخلية مشتركة تُعرض فيها المفاهيم وتُستخدم في الاستدلال المتعمد.

هذه النتيجة لا تجيب عن سؤال الوعي الشعوري، لكنها توضح أن النماذج الحديثة طورت بنية وظيفية تشبه، في جوانب محددة، الآلية التي تجعل بعض أفكار الإنسان قابلة للوصول والإبلاغ والاستخدام.

وبقدر ما يساعد هذا الاكتشاف على فهم الذكاء الاصطناعي، فإنه يعيد طرح أسئلة قديمة عن الإنسان نفسه: ما الذي يجعل فكرة ما واعية؟ هل الوعي مرتبط بإتاحة المعلومات للنطق والفعل؟ وهل مساحة العمل المشتركة حل بيولوجي خاص، أم مبدأ عام لتنظيم الذكاء؟

لا تزال الإجابات مفتوحة، لكن وجود نموذج اصطناعي يمكن التدخل في فضائه الداخلي يمنح العلم مختبرًا جديدًا لفهم العلاقة بين اللغة والتفكير والوعي.

ذات صلة

الزواج بوصفه رسالة حضاريةالأمن والاقتصاد في العراق.. هشاشة مزدوجةقراءة في المناهج التربوية المستقاة من سيرة الإمام الحسين (ع)هل خسرت طهران ورقة مضيق هرمز؟الزيدي في واشنطن: استحقاق الشفافية الوطنية وسط عواصف الشرق الأوسط الجديد