جيل الهواتف الذكيَّة

العلاء صلاح عادل

2026-06-16 04:40

يشهد العراق اليوم تحولًا رقميًا واسعًا شمل مختلف فئات المجتمع، ولم يكن الأطفال بمنأى عنه، إذ أصبحت الهواتف الذكية جزءًا أساسيًا من حياتهم اليومية، حتى لدى من هم في سن ما قبل المدرسة. هذا الانتشار السريع للتكنولوجيا بين الصغار يطرح تساؤلات جدية حول تأثيرها في النمو النفسي والاجتماعي والثقافي للأطفال العراقيين، بين من يرى فيها أداة تعليمية وتربوية، ومن يراها سببًا في الانعزال والاغتراب عن الواقع.

فمن جهة، يمكن للهواتف الذكية أن تكون وسيلة تعليمية فعالة، خاصة في ظل ضعف البنى التحتية التعليمية في بعض المناطق. فقد مكّنت هذه الأجهزة الأطفال من الوصول إلى المعرفة بسهولة، وأسهمت خلال فترة جائحة كوفيد- 19 في استمرار التعليم عن بُعد بعد توقف التعليم الحضوري. كما ساعدت التطبيقات التعليمية التفاعلية في تنمية المهارات اللغوية والحسابية، بل وفي تشجيع التفكير الإبداعي والتفاعل البصري والسمعي لدى الأطفال.

إلا أن الوجه الآخر للتكنولوجيا لا يخلو من مخاطر حقيقية، إذ أصبح العديد من الأطفال يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات دون توجيه أو رقابة أسرية كافية، ما أدى إلى تراجع في المهارات الاجتماعية والتواصلية لديهم، وتزايد حالات الانطواء والعزلة. فبدل أن يلعب الطفل في الحي أو الحديقة، أصبح يكتفي باللعب الإلكتروني، يعيش عالمًا افتراضيًا يبتعد به عن بيئته الواقعية. ويؤكد خبراء علم النفس أن هذا الاستخدام المفرط، يمكن أن يؤدي إلى حالة من الاغتراب عن الواقع، تجعل الطفل أقل تفاعلًا مع أسرته ومجتمعه وأكثر التصاقًا بالعالم الافتراضي.

وتعد الأسرة اليوم الطرف الأهم في مواجهة هذه الظاهرة، غير أن كثيرًا من الأسر تعاني ضعف الوعي الرقمي، وتمنح أبناءها حرية شبه مطلقة في استخدام الهواتف دون ضوابط زمنية أو رقابة على المحتوى. وهذا ما يجعل الأطفال عرضة للتأثر بمضامين خطيرة أو ألعاب قاتلة مثل “الحوت الأزرق” و”مريم”، التي حصدت أرواح بعض المراهقين في دول عدة. لذا، أصبح من الضروري أن يمارس الآباء دورًا رقابيًا وتوجيهيًا أكثر وعيًا، يقوم على تحديد أوقات مناسبة لاستخدام الهاتف، ومعرفة نوعية التطبيقات التي يتعامل معها الطفل، وتنظيم العلاقة بين اللعب الإلكتروني والأنشطة الواقعية.

أما المدرسة، فهي مطالبة أيضًا بأن تؤدي دورًا تربويًا جديدًا يتماشى مع متطلبات العصر الرقمي، من خلال تقديم برامج توعوية للأطفال حول الاستخدام الآمن للتكنولوجيا ومخاطر الإدمان الرقمي، وتضمين التربية الرقمية ضمن المناهج التعليمية. كما يمكنها المساهمة في إعداد محتوى تعليمي محلي يراعي الخصوصية الثقافية والاجتماعية العراقية، بدل الاعتماد الكلي على تطبيقات أجنبية قد تنقل للطفل قيماً وسلوكيات لا تنسجم مع بيئته.

ويبرز في هذا السياق خطر الاغتراب الثقافي، الذي يعاني منه بعض الأطفال نتيجة انغماسهم في عالم رقمي مفتوح على ثقافات غريبة. 

فالكثير منهم باتوا يتقنون كلمات أجنبية أكثر من لغتهم الأم، ويقلدون سلوكيات دخيلة لا تعكس هوية المجتمع العراقي المحافظ.

 إن هذا الانفصال القيمي والمعرفي يشير إلى أزمة هوية رقمية متنامية، تهدد انتماء الجيل الجديد لثقافته المحلية.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالمنع المطلق، بل عبر بناء تربية رقمية متوازنة تضمن للطفل التفاعل الآمن مع التكنولوجيا دون فقدان انتمائه الثقافي. ويتطلب ذلك تكاملاً في الجهود بين الأسرة والمدرسة والإعلام وصناع القرار، من خلال وضع سياسات وطنية تنظم المحتوى الرقمي الموجه للأطفال وتشجع على إنتاج تطبيقات تعليمية تراعي القيم الاجتماعية والدينية. وبين التحول الرقمي والاغتراب الثقافي، يبقى التحدي الأكبر هو تربية جيل رقمي عراقي واعٍ، يجمع بين الحداثة والأصالة، بين التقنية والهوية.

ذات صلة

لماذا يخاف الحاكم من الشعائر الحسينية؟ملتقى النبأ الأسبوعي ناقش.. تفتيت مقاومة التحول في العراق وإعادة بناء الضمير العاملماذا يسبق محرّم موعده في قلوب العراقيين؟اتفاق مفروض.. يوقف الحرب ولا يحسم الصراع ولا يرضي الحلفاءالتقويم الهجري المتغير والميلادي المركزي