الكتابة بين الذكاء الانساني والتجميع الاصطناعي

محمد علي جواد تقي

2026-06-01 02:59

تعلمنا في بداية مشوارنا مع الكتابة أن نَعِد القارئ مستمعاً يجلس أمامنا وجهاً لوجه، فهو يتلقى المشاعر والرسائل والافكار من لدن شخصٍ يقتنع أنه مُلمّ أكثر منه في المجالات الدينية او الثقافية او العلمية، وقد تعلمنا من اساتذة الكتابة ضرورة احترام المستمع (القارئ) في أمرين –من جملة أمور-: عقله و وقته، فهو جاءك مخصصاً وقته لك دون الآخرين، وعليك أن تصاحبه من أول كلمة الى آخر كلمة بالأخلاق الحسنة والاحترام، وتودعه بفكرة مفيدة. 

وهذه كانت مسيرة الكتابة منذ اكثر من قرن من الزمن –على الأقل- فقد كان الأدب بمختلف نتاجاته الذاتية في ميدان الشعر والقصة، والسياسية والاجتماعية في ميدان الصحافة، هي المنظمة لأذواق وقناعات وأفكار الناس، فكانوا يستقون معلوماتهم ومعارفهم مما يقرأونه في الصحف والمجلات والكتب التي كانت تمثل جزءاً مهماً من مقتنياتهم اليومية الى جانب الغذاء والدواء ومستلزمات البيت، فالصحيفة اليومية والمجلة الاسبوعية كانت تشارك الطعام على الطاولة، فيما كانت المكتبة تحجز مكانها في معظم البيوت الى جانب الأثاث المنزلي. 

المنعطف الخطير 

ولا اعتقد أن أي كاتب اليوم –لاسيما من أبناء الجيل الماضي والجميل- لا يعتزّ بتلك المرحلة الذهبية من العلاقة الودية بين المخاطب بشكل عام ومصادر معرفته وثقافته، إنما المشكلة حصلت من أول لحظة اتفق فيها الجميع –تقريباً- بتحول الوسائل الى غايات، وأن يكون الشكل على حساب المضمون، والكمّ على حساب الكيف، وفي مرحلة لاحقة مع تطور وسائل الاتصال؛ تكون الإثارة على حساب المصداقية، حينها بدأنا نشهد اهتزاز جدار الثقة بين الجانبين خلال السنوات الماضية، وتحديداً منذ سني الثمانينات عندما عمّت المناخ الثقافي دخان الحروب السوداء ومستلزماتها من توظيف للكلمة والمعلومة لصالح هذا الطرف او ذاك، وضاعت المشاعر بين هموم السياسة وتطلعاتها التوسعية والمصالح الضيقة، كما ضاعت حقوق المواطن وهمومه و ثقافته التي كان يحملها القلم ويضحي من أجلها صاحب القلم، في متاهات القصور الرئاسية ودوائر المخابرات.

وما جرأ الديكتاتوريات على وسائل الاعلام، وتحديداً الصحافة وطائفة من المثقفين، هذه الثغرة تحديداً، وهي البحث عن أقصر الطرق الى الشهرة والارباح، وذات مرة راسل أحد قراء مجلة "الحوادث" اللبنانية الصادرة في لندن في ثمانينات القرن الماضي مستفهماً علّة نشر صور بحجم كبير في الصفحة الثانية خلف الغلاف الأول لنساء من الطبقة المخملية، من زوجات رجال الأعمال، أو من مشاهير السينما، وتجاهل صور لأحداث جسام في تلك الفترة، او موضوعات اجتماعية او سياسية كبرى كانت تشغل شعوب الشرق الاوسط والعالم، فجاء الرد على الرسالة –الورقية آنذاك- بأن المجلة –مضمون الرد- مضطرة احياناً للاستجابة لرغبات فئة معينة لتغطية تكاليف النشر والطبع، وايضاً؛ للحفاظ على سوق التوزيع في البلاد العربية، علماً أن "الحوادث" كانت تُعد مهنياً من المجلات العربية الرصينة.

فمن يفضّل المال من يد مشاهير المجتمع والتجارة، لماذا يخسره من يد أكبر وأطول، وهي يد الحكام المهيمنين على ثروات الشعوب، ويعدون الصحافة والاعلام أحد أبرز وسائل كسب الشرعية لوجودهم في السلطة؟!

ومن تلك الحقبة بدأت تلك الطائفة المحسوبة على رسالة الإعلام بخسارة ذكائها الإعلامي –الرسالي، فبدلاً من أن تنقل هموم وتطلعات وآمال الناس، او على الأقل منجزات الشباب المُتعلم، او تسليط الضوء على نقاط القوة في المجتمع، بتاريخه وحضارته وهويته، طفقت ترسم اللوحات العظام لمن أسموا انفسهم ب"زعماء"، وراحت تتحدث عن بطولاتهم و"ذكائهم السياسي والعسكري"! وتبعاً لهذا المآل، فقدت الكتابة الصحفية روحها الإصلاحية والتنموية. 

الآلة تسرق الذكاء الإعلامي

على هذه الخلفية الانهزامية اقتحم ما يسمى اليوم ب"الذكاء الاصطناعي" ميدان الصحافة والإعلام دون أية مقاومة تذكر من شريحة الصحفيين والمثقفين، ومن المخاطبين على حدٍ سواء، فما الفرق بين منهج الطرح ايام التسعينات وما بعدها من تكريس الأمر الواقع بمساوئه وفساده، وتكرار التحصيل الحاصل، وبين منهج الطرح الالكتروني لمقالات ينتجها الذكاء الاصطناعي بكلمات مصفوفة بشكل جميل يتم جمعها من خزين هائل من مليارات الكلمات الموجودة في أمّهات الحواسيب في الدول الكبرى؟!

في العهد الذهبي للصحافة والإعلام كانت المادة الصحفية مثار نقاش الشباب والمهتمين وكانت الرسائل تنهال على كتاب مرموقين، ونفس الأمر بالنسبة لبعض المؤلفات القيّمة، يستوضحون الافكار، او يضيفون او يعقبون، وهكذا... فماذا عن اليوم وقد تلوثت سمعة الاعلام عند جمهور القراء بالكتابة الاصطناعية؟ حتى باتت بعض الاذاعات تستعين بصوت اصطناعي لبعض موادها الاعلامية! 

إن الذكاء الانساني الحقيقي هو الذي يوظف تقنيات الاتصال، وفنون البيان، وقواعد الطرح لخدمة الرسالة الإعلامية التي يفترض انها تعبر عن وجدان المخاطب، فهو يهب مشاعره الايجابية من حُب، وشُكر، وتفاعل ليحصل على ما يثمّن هذا العطاء من فكرة صادقة وأصيلة، وشعور عميق بتحمّل المسؤولية إزاء مختلف القضايا مهما كان ثقلها وثمن حملها. 

ومما يؤسف له حقاً، أن يتحول الانترنت وعلوم الحاسوب، ومن ثمّ تكنولوجيا المعلومات بعد تحوله الى قسم خاص في كليات العلوم بالجامعات يتم تدريسه بشكل مستقل، من وسيلة مساعدة لنشر الفكر والثقافة تعين الكاتب والمثقف من تصفح الاوراق ومراجعة الأرشفة الورقية المرهقة في غابر الزمان، الى غاية يتسابق الجميع نحوها ليكون لهذا او ذاك قصب السبق نحو "الإعلام الرقمي"، لمزيد من الانتشار وفق قواعد غير موثقة تعتمد أرقام المعجبين والمتفاعلين بطرق تشوبها الشكوك في بعض الاحيان بعدم تدخّل عنصر التسويق الالكتروني في هذه المعمعة! 

و مرة أخرى؛ فان الذكاء الانساني- الرسالي يساير التطور العلمي والتقني على طول الخط، بل إن التطور العلمي بحد ذاته نتاج لهذا الذكاء والتفكّر والتأمّل، فالعلاقة عضوية بامتياز، و إذن؛ فالفرصة متاحة للحريصين بإعادة النظر في التعكّز على التقنيات وما يفرزه العقل والدماغ البشري، واستنهاض ثم استثمار هذه الهبة الإلهية العظيمة لتحقيق الاهداف العظمى من خلال بعث الروح في الافكار والرؤى المنشورة في وسائل الاعلام، لاسيما الحديثة منها "الانترنت"، لإعادة تلك العلاقة الودية والصادقة بين الكاتب والمخاطب.

ذات صلة

عالم الحروب والفقر والجنونالمنبر الديني وتحديات الذكاء الاصطناعي وخوارزميات الانتباهغدير خُم.. ميثاق حماية الرسالةإثم الطغاة.. البحث عن الخلودالشخصنة السياسية وازمة تداول السلطة في العراق