الحكومة العراقية بين تحديين.. المصالح الوطنية والضغوط الأميركية
حسين احمد السرحان
2026-07-21 04:08
بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن، بات العراق أمام اشتراطات محلية وإقليمية وأميركية. على مستوى الداخل، تبرز قضايا الفساد ونقص الخدمات وضعف إنفاذ القانون، والخلل البنيوي في الاقتصاد، على رأس الأولويات. وإقليميًا، العراق مطالب بأن يكون ذا قرار سيادي فيما يخص قرار الحرب، وأن يضمن سلامة وأمن الدول المجاورة وعدم الاعتداء عليها.
إن أية تطورات في أي من دول منطقة الشرق الأوسط لا تقتصر على الدولة ذاتها من حيث العوامل والتداعيات، بل تمتد إلى كل دول المنطقة، بل امتدت إلى دول خارج المنطقة. وبقدر تعلق الأمر بالشرق الأوسط، فلم تعد الدول بمعزل حتى عما يجري في دول أخرى، حتى في الشؤون الداخلية لها سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا... إلخ، وهذه سمة وُصفت بها الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في المنطقة.
أحداث المنطقة بدءًا من غزة، ومرورًا بما حصل في سوريا ولبنان والحرب على إيران، كلها تشير إلى إرادة أميركية صلبة، وربما تساندها لاحقًا إرادة أوروبية، لتحييد النفوذ الإيراني في المنطقة، ولا سيما في العراق، أكبر مواقع ذلك النفوذ.
هذا الواقع العراقي لم يعد مقبولًا أميركيًا، ففي الوقت الذي تريد فيه الولايات المتحدة من العراق أن يعود لدوره الإقليمي المعهود والتأثير في المعادلة الإقليمية، تجده مترنحًا بين دفتي النفوذ والتأثير الإيراني. وتنظر الإدارة الأميركية الجديدة إلى أن الخطأ الأميركي هو الذي أوصل العراق إلى هذه الحالة بعد إزاحة النظام السابق عام 2003 وتسليمه للنفوذ الإيراني. وهذا ما أشكل عليه الرئيس ترامب عدة مرات. ويبدو أن إدارة الرئيس ترامب مصرة على تصحيح هذا الخطأ، ورفض كل ما نتج عنه من معادلة حكم أو منظومة حكم خاضعة للنفوذ الإقليمي، وتهيئة بيئة مناسبة للشرق الأوسط الجديد.
العشوائية والازدواجية في السلوك السياسي الخارجي للعراق، والذي ترى فيه الحكومات العراقية نوعًا من الوسطية والحياد، وعدم احتكار الدولة لعنصر القوة، وتنامي الفساد الذي مول الجماعات المسلحة، كل ذلك وضع العراق في وضع ضبابي غير واضح الموقف إزاء التحالف مع الولايات المتحدة، على الرغم من اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين البلدين، والتي رسمت خطوطًا عامة وتفصيلية للعلاقة.
من السطحية التمعن فقط بالتهديدات الأميركية باستخدام أدواتها ضد العراق في حال مضي حكومة جديدة، كالحكومات السابقة، خاضعة للنفوذ الإقليمي الإيراني والمصالح الحزبية؛ فالأمر أعمق من ذلك بكثير، ويتعداه إلى المساهمة في الحملة الإقليمية المناهضة للنفوذ الإيراني، والاندماج أكثر مع المصالح الأميركية في المنطقة وتعزيزها في العراق عبر الشراكات الاقتصادية والأمنية، وهذا يتطلب تعزيز قوة الدولة واحتكارها للقوة ومواجهة الفساد الذي يمول النفوذ الإيراني، كما ترى وجهة النظر الأميركية.
متطلبات داخلية:
طوال أكثر من عقدين بعد 2003، لن تتمكن "القوى السياسية" في العراق من بلورة مشروع دولة متكامل بعيد عن التأثير الخارجي رغم توفر الإطار الدستوري والسياسي، حتى بات الأمر معروفًا ومعلنًا وبتصريحات وبيانات رسمية. وهذا الأمر تجلى في التدخل الإيراني في تشكيل معادلة الحكم في العراق بعد 2003، وكذلك النفوذ الأميركي.
الموقف الأميركي في تشكيل الحكومة الحالية أصبح هذه المرة، ولأول مرة، أكثر وضوحًا وتشدّدًا وحزمًا، حتى أُلحِق به تهديدات مباشرة باستخدام الأدوات التي تملكها واشنطن ضد العراق، ومنها العقوبات الاقتصادية، وإيقاف المعونات الأمنية والعسكرية، والعقوبات على شركة تصدير النفط "سومو" والبنك المركزي العراقي.
الواقع السياسي والاقتصادي ومآلات الفساد لم يعد مقبولًا داخليًا بسبب معدلات الفقر، وفقدان سيطرة الدولة على كامل إقليمها، وصراع المحاصصة والسلاح المنفلت، وتراجع الخدمات، وتزايد معدلات التهميش والإقصاء، ومصادرة الحريات، وانعدام الشعور بالدولة ومؤسساتها. وهذا جلي وواضح من نسب المشاركة السياسية في التصويت، ومؤشرات اقتصادية وسياسية واجتماعية أخرى. وترى الكثير من الفعاليات الاجتماعية والثقافية أن الثقة بهذه القوى السياسية انعدمت، ولم تعد هذه القوى ممثلة للشعب، وبالتالي كيف تسير به إلى المواجهة مع الأدوات الأميركية العنيفة في حال تطبيقها؟
اشتراطات أميركية:
إجمالًا، الحقيقة الثابتة والواضحة للمراقب، أن الولايات المتحدة تريد إعادة هندسة النفوذ الأميركي في المنطقة، ومن دون مزاحمة من قبل النفوذ الإيراني الواضح، والذي لعب دورًا كبيرًا عقب التغيير السياسي في العراق بعد 2003. وهذا بائن من سرعة تراجع النفوذ الإيراني في لبنان، وإنهائه في سوريا، وإضعافه والسعي لتحييده في العراق. والعمل يجري بفرض النفوذ الأميركي في المنطقة. وفيما يرتبط بالحالة العراقية، تدرك الولايات المتحدة أن العراق طالما كان المورد الرئيس للدولار إلى طهران. ويبدو أن الولايات المتحدة تسير باتجاه إعادة هيكلة النظام السياسي في العراق سياسيًا ومؤسساتيًا، كما يتضح ذلك في الرسالة التي سلمتها الخارجية الأميركية إلى سفير العراق في واشنطن قبيل تشكيل الحكومة الحالية، والتي تجاوزت حصر السلاح ورفض ترشيح المالكي إلى إصلاح القضاء واستقلاله وإبعاده عن التأثير السياسي، وأن تكون الحكومة مسؤولة أمام الشعب، والقضاء على الفساد، ومواجهة غسل الأموال، وتصحيح وضع الحشد الشعبي ودمجه ضمن إطار مؤسساتي يقتصر على وزارتي الداخلية والدفاع فقط.
هذه المطالب أُضيفت لها مطالب أميركية تتناسب ومستجدات الحرب على إيران وتطورات التوتر والصراع مع إيران، مع زيارة رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي إلى واشنطن، ترتبط بالتعاون الأمني والقضاء على سلاح وكلاء إيران وتعزيز الشراكات الاقتصادية في البنية التحتية النفطية، فضلًا عن بناء خط أنابيب لتصدير النفط العراقي عبر ميناء بانياس السوري، واستثمار حقول نفطية. كذلك هناك تقارير تتحدث عن استثمار أميركي بقيمة 60 مليار دولار في العراق.
براغماتية بعض القوى السياسية
بعد الرسائل الأميركية المتتالية، أصبحت القوى الإطارية "الشيعية"، والتي تصورت أن المواقف الأميركية ستقف عند حدود رفض المالكي، في صدمة كبيرة بفعل سطحية تفكيرها ومحدودية فهمها للمعادلة الجديدة في المنطقة التي تصر واشنطن على فرضها، وهي معادلة الشرق الأوسط الجديد ومحوره السلام والاستقرار والشراكات الاقتصادية. لهذا تصاعدت المطالب الأميركية إلى تهيئة بيئة سياسية وأمنية وقضائية في العراق مناسبة لعملية السلام في المنطقة.
لهذا نرى أن القوى الشيعية بدأت تطرح رؤى وتصريحات حول أهمية العلاقات مع الولايات المتحدة، وأصبحت ترى أن تكون بمستوى واقع المعادلة الإقليمية والدولية الجديدة، كون هذه القوى الشيعية هي المعني الأول بالاشتراطات الأميركية الجديدة، ومن ثم تأتي بعدها القوى الكردية والسنية. وعليه، فإن القوى السياسية في العراق بكل أطيافها ينبغي أن تدرك أن الحكومة الجديدة وسياساتها داخليًا وخارجيًا تتعلق بمصير الدولة العراقية داخليًا وإقليميًا، وأن الواقع الإقليمي يتطلب حكومة صاحبة قرار وقوية في قرارها، بدءًا بموضوع النفوذ الإيراني ومواجهة السلاح خارج الدولة، ومرورًا بمواجهة الفساد وغسل الأموال وتمويل الإرهاب وتهريب النفط، وإصلاح سياسي واقتصادي ومالي شامل يجعل من الحكومة مسؤولة أمام الشعب، وليس أمام الأحزاب المتحكمة بالمشهد السياسي والأمني.
فالضغوط الأميركية كبيرة، وبفعلها أصدرت السلطات العراقية أوامرها لبنوكها ومؤسساتها الحكومية بتطبيق العقوبات الأميركية المفروضة على الأفراد والشركات المرتبطة بحزب الله بعد يومين فقط من لقاء الرئيس ترامب برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض. ولم نلاحظ ردة فعل إعلامية أو سياسية تجاه هذا الإجراء كما حصل مع الحكومة السابقة التي تراجعت عن قرارها بخصوص حزب الله. لهذا يمكن القول إن الصورة الإقليمية بدأت تتغير، ولا سبيل سوى التكيف مع مجريات المنطقة، مع المحافظة على المصالح الوطنية العراقية وصيانتها.