إشارات قرآنية للإمام الشيرازي.. النميمة، البيئة، القيم، أسماء لآيات

د. فاضل حسن شريف

2026-08-31 03:47

عن كتاب الفضائل والأضداد للسيد محمد الحسيني الشيرازي: الفساد بين الناس هو، في الأكثر، يحصل بالنميمة، وإن لم توجب كل نميمة إفسادًا، ولا ريب في كونه من المهلكات المؤدية إلى النار. قال الله سبحانه: «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ» (البقرة: 27). وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن فساد ذات البين هي الحالقة».

جاء في كتاب من يصنع التاريخ للسيد محمد الحسيني الشيرازي: من يصنع التاريخ؟ البيئة وأثرها في تكوين الشخصية: ثم إن الشخصية الكبيرة والبطل المغوار لا يستطيع التأثير في التاريخ ما لم يكن الزمان والمكان مؤاتيين له، ولما لم تكن الظروف مهيأة لظهوره، وإن البطولة يحددها نوع العالم والبيئة التي ينشأ فيها البطل، أو الزعيم، أو الشخصية، وقد ذكرنا سابقًا هذا باستثناء الأنبياء ومن لفّ لفّهم. فمثلًا: هل كان هتلر يصبح هتلر إذا كان يعيش في لندن، وهل كان ستالين يمكن أن يكون ستالين إذا كان يعيش في باريس؟ 

هذا بالنسبة إلى الأبطال المزيفين، أما الأبطال الحقيقيون كالأنبياء، فبعضهم لم يكن الزمان أو المكان مؤاتيًا لهم، ولهذا كان الناس يقتلونهم أو يطردونهم، مثل النبي دانيال، والنبي حبقوق، إذ طُردوا من مكانهم إلى بابل، ثم من بابل جاؤوا إلى إيران في قرية صغيرة، وأخذ كل واحد منهم يبلّغ تبليغًا محدودًا. وهكذا بالنسبة إلى الأنبياء الذين كانوا يُقتلون، كما قال الله سبحانه وتعالى: «فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (البقرة: 91).

وهكذا بالنسبة إلى أبطال الفكر، والعلم، والفلسفة، والأدب، والدين، وما أشبه ذلك، إذ يحددهم إلى حد ما الزمان، والمكان، والشرائط، والمزايا. فمن المتعسر أن ينشأ عباقرة الفكر، وعباقرة العلم، أو الفلسفة، أو الأدب، أو ما أشبه ذلك في أمم على درجة كبيرة من التخلف الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو السياسي، أو ما أشبه ذلك. والديمقراطية إنما نشأت في الغرب بعد مقدمات فكرية قام بها عدد كبير من المفكرين. وقد قرأت في كتاب أن مجموع ما كُتب حول الديمقراطية في الغرب قبل ظهور الديمقراطية قد بلغ عشرين ألف كتاب، وعشرين ألف كتاب يحتاج إلى عشرين ألف مفكر إن قلنا إن كل واحد كتب كتابًا واحدًا.

جاء في كتاب فلسفة التأريخ للسيد محمد الحسيني الشيرازي: دور القيم والمشخص: ثم لا يخفى أن الحضارة جوهرها القيم، فإن القيم المعنوية هي التي تدير الحضارة بصور مادية مختلفة. فقيم الشيوعيين هي التي تدير الشيوعية، كما أن القيم الرأسمالية هي التي تدير الرأسمالية، وقيم الإسلام هي التي تدير بلاد المسلمين. والأمر كان كذلك من القديم؛ لأن الإنسان هو الذي أقامها، وإن كان ما يقدمه الإنسان جوهره القيم، ولكنه ليس معزولًا عن الوجود المشخص.

ومن هنا لم تكن القيم تنتمي إلى الإنسان فقط، بل إلى الوجود المشخص أيضًا، إذ لا وجود بغير تشخص، فإن الكلي الطبيعي، على اصطلاح المنطقيين، هو الماهية بالوجود المشخص، كما قال الحاج السبزواري: كليّ الطبيعي هي المهيّة، وجودُه وجودها شخصية. فعلاقة الإنسان بالوجود، وعلاقة الوجود بالإنسان، وعلاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى إنما تكون علاقة ذات بعدين: بعد التشخيص، وبعد الحقيقة. والأخير هو الذي يحمل القيم ويسري إلى الوجود الشخصي. فالإنسان حقيقة وشخصية وقيم، والقيم مربوطة بكليهما، وهناك شخصية، وهناك جماعة، وهناك نوع، وهناك جنس، ولكن الجماعة والنوع والجنس لا وجود لها بدون الأفراد.

ومن هنا كان لا بد لنا أن نلاحظ هذه الأمور الأربعة، والقيم إنما تكون منسوبة إليها جميعًا، فيقال: قيم زيد، وقيم الحزب الفلاني، وقيم نوع الإنسان، وربما قيم نوع الحيوان، فإن للحيوان أيضًا قيمًا يسير عليها، مثل قيمة الغضب أو الرضا أو الشهوة أو ما أشبه ذلك، مما يشترك الإنسان والحيوان فيها. ولذا يقال: الوجدان الفردي والوجدان الجماعي، والوجدان الجماعي عبارة عن مجموعة وجدانات فردية تهيمن عليها قيم واحدة. ومن الواضح أن القيم غير النوع، كما أن النوع غير الجماعة، والوجدان هي المكوّنة في داخل الإنسان مما يعطي الإنسان القيم، والإنسان هو محل القيم، ولولا وجود الإنسان لما كان هناك شيء نسميه عالم القيم، إلا أن نوسّع في القيم لتشمل الحيوان أيضًا، على ما ذكرناه.

ولولا وجود القيم لكان الإنسان في حالة طبيعية لا لون له. ولذا قال الله سبحانه وتعالى: «صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ» (البقرة: 138)، والصبغة تكون في ظاهر الإنسان وفي باطنه. مثلًا: صبغة الرحمة أو صبغة العنف، فإن النفس تتلون بهاتين الصبغتين، ثم لهاتين الصبغتين مظهر في خارج الإنسان، حيث يكون الإنسان عنيفًا أو يكون في أموره رحيمًا. ولذا قال الله سبحانه وتعالى: «لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» (آل عمران: 159)، فالفظّ في الظاهر، وغليظ القلب في الباطن.

وقد ذكرنا في بعض كتب تفاسيرنا أن قوله سبحانه وتعالى: «الرحمن الرحيم» حكاية عن ظاهر الرحمة وباطن الرحمة، مع أن الله سبحانه وتعالى ليس له نفس وظاهر بمعنى الإنسان. وإذا أردنا أن نقيس ذلك بالإنسان نجد أن بعض الناس يُظهرون الرحمة ويُبطنون الفظاظة، وبعض الناس باطنهم الرحمة أما ظاهرهم فالقسوة، وكلاهما خلاف موازين الإنسان والإنسانية. والله يريد أن يبيّن بقوله: «الرحمن الرحيم»، حسب ما يستفاد من هاتين الكلمتين، أنه ظاهر الرحمة وباطن الرحمة أيضًا. وفي التعبير العرفي يقال: فلان رحيم القلب، ولا يقال رحمن القلب. وبذلك يظهر أن الحضارة مرتبطة بالوجدان، كما أن فلسفة التاريخ والروح العامة أيضًا كذلك، لكن ليس معنى ذلك أن الروح العامة لا تظهر في المظهر، وإلا فمن الواضح أن الروح العامة تظهر في مظهر كل فرد فرد، وجماعة جماعة، وأمة أمة، وهكذا.

جاء في كتاب الآيات المنسية: قراءة في فكر الإمام الشيرازي للكاتب حسين عبد الله آل دهنيم: يتناول فيه الكاتب موضوع ست آيات قرآنية شغلت مساحة واسعة من كتب ومحاضرات وتوجيهات سماحة الإمام السيد محمد الشيرازي (رضوان الله عليه)، وتحوي هذه الآيات بعض أهم أفكاره وتطلعاته التي طالما دعا إليها وشجّع عليها. كما يقول الكاتب آل دهنيم: «وخطتي في هذا الكتاب عرض هذه الآيات المنسية وعددها ست آيات، عرضت فيها أفكار السيد وتطلعاته من هذه الآيات، قدمت لها بمدخل بعنوان الإمام الشيرازي رائد الإصلاح، ومقدمة عن نشأة الإمام الشيرازي القرآنية وتعلقه بالقرآن الكريم».

فبعد المدخل الذي تحدث فيه المؤلف عن الإمام الشيرازي واهتمامه بالقرآن الكريم منذ النشأة المبكرة، كما تحدث عن دوره الإصلاحي الذي نهض به لبث الوعي وإيصال المعارف الإسلامية إلى أبناء المجتمع كافة، أشار الكاتب آل دهنيم إلى اهتمام سماحته الذي انعكس على الكثير من مؤلفاته القرآنية التي ألّفها، ومنها: تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان، تفسير تبيين القرآن، الفقه حول القرآن الحكيم، متى جمع القرآن، لماذا يحاربون القرآن، القرآن يتحدى، عاشوراء والقرآن المهجور، القرآن منهج وسلوك، مكانة القرآن في المجتمع الإسلامي.

كما انعكس هذا الاهتمام من خلال دعوته المستمرة والدائمة، التي نلمسها من خلال كتاباته ومحاضراته وتوجيهاته الداعية إلى إنشاء المؤسسات واللجان التي تهتم بالشأن القرآني، كـ«تأسيس دار القرآن الحكيم، وإصدار مجلة القرآن يهدي، وتأسيس مطبعة القرآن الحكيم، وتأسيس مدارس لحفاظ وحافظات القرآن الكريم».

بعد هذا المدخل، شرع الكاتب آل دهنيم في الحديث عن موضوع الكتاب، وهو مجموعة الآيات التي وصفها بالآيات المنسية، وهي مجموعة من الآيات التي طالها الإعراض والتهميش، وخاصة في هذا العصر؛ وذلك لأن المسلمين، وإن تظاهر الكثير منهم بالاهتمام بالقرآن الكريم شكلًا، إلا أنهم لا يطبقون المضامين التي تحملها هذه الآيات في جوانب حياتهم العملية، وهو ما يمكن الاصطلاح عليه بالهجران. لذلك نجد السيد الشيرازي في الكثير من كتبه ما فتئ يدعو إلى العمل والالتزام بها. وهذه الآيات هي:

 1- آية الأخوة الإسلامية، كما في قوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» (الحجرات: 10).

 2- آية الأمة الواحدة، كما في قوله تعالى: «إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ» (الأنبياء: 92).

 3- آية الحرية، كما في قوله تعالى: «وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ» (الأعراف: 157).

 4- آية الشورى، كما في قوله تعالى: «وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ» (الشورى: 38).

 5- آية السعي، كما في قوله تعالى: «وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى» (النجم: 39-40). 6- آية إعمار الأرض وتملك المباحات، كما في قوله تعالى: «فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ» (البقرة: 279).

ذات صلة

انعكاس التعقّل على مجريات الحياةالحكومة الرقمية في العراق.. الطريق نحو إدارة أكثر كفاءة وشفافيةالهابيتوس الشيعي والدولةسيكولوجية الاستعلاء السياسيسيكولوجية الفكر في موقف أبي الفضل العباس عند العلقمي