مليون قطعة سكنية: هل تنجح الوصفة الجديدة في كسر الحلقة المفرغة لأزمة السكن؟

مصطفى ملا هذال

2026-07-21 04:04

تأتي أزمة السكن في العراق ضمن أكثر الأزمات تعقيدا واستعصاء على الحل، نتيجة تراكمات عقود طويلة من النمو السكاني المتسارع، وضعف التخطيط الحضري، وتراجع الاستثمار في البنى التحتية، فضلا عن التوسع العشوائي للمدن وارتفاع أسعار العقارات بشكل يفوق قدرة معظم المواطنين.

وفي هذا السياق، جاءت رؤية رئيس الوزراء السيد علي فالح الزيدي بشأن توزيع مليون قطعة سكنية على المواطنين بوصفها محاولة جديدة لمعالجة أحد أكثر الملفات إلحاحاً في البلاد، وهي محاولة تعيد إلى الأذهان مبادرات سابقة أطلقتها الحكومات المتعاقبة، وفي مقدمتها مبادرة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني.

ورغم أن فكرة توزيع الأراضي السكنية تبدو للوهلة الأولى حلا مباشرا للأزمة، فإن التجربة العراقية أثبتت أن امتلاك الأرض لا يعني بالضرورة امتلاك السكن، وأن نجاح أي مشروع من هذا النوع يرتبط بمنظومة متكاملة من الخدمات والبنى التحتية والسياسات الاقتصادية التي تجعل الأرض قابلة للتحول إلى منزل صالح للحياة.

لقد سعت حكومة السوداني خلال فترة إدارتها إلى إطلاق مشاريع المدن السكنية الجديدة وتخصيص قطع أراض لفئات مختلفة من المواطنين، مع الترويج لفكرة معالجة أزمة السكن عبر التوسع الأفقي للمدن.

غير أن تلك المبادرات واجهت تحديات متعددة، أبرزها بطء تنفيذ مشاريع البنية التحتية، وصعوبة توفير التمويل اللازم للمواطنين من أجل البناء، فضلا عن دخول المضاربين إلى السوق العقارية وشراء أعداد كبيرة من الأراضي بهدف إعادة بيعها بأسعار أعلى.

هذه الإشكاليات ليست جديدة، فقد رافقت معظم المحاولات الحكومية السابقة، فالدولة غالبا ما تنجح في تخصيص الأراضي وتوزيعها، لكنها تواجه تحديا أكبر يتمثل في تحويل تلك الأراضي إلى أحياء سكنية متكاملة، وفي كثير من الأحيان تحولت بعض المجمعات السكنية المخطط لها إلى مساحات فارغة بسبب غياب شبكات الماء والكهرباء والصرف الصحي والطرق والمدارس والمراكز الصحية.

من هنا، فإن مشروع المليون قطعة سكنية الذي تتبناه حكومة الزيدي يواجه اختبارا حقيقيا يتمثل في القدرة على تجاوز أخطاء الماضي، فالعراقي اليوم يبحث عن سند ملكية، وكذلك عن بيئة سكنية متكاملة تضمن له حياة مستقرة وخدمات أساسية وفرص عمل قريبة من مكان إقامته.

أحد أبرز التحديات التي قد تواجه هذه الرؤية يتمثل في الكلفة الهائلة للبنى التحتية، فحتى لو تم توفير الأراضي مجانا أو بأسعار رمزية، فإن إنشاء شبكات الطرق والمجاري والكهرباء والمياه والاتصالات يحتاج إلى مليارات الدولارات واستثمارات طويلة الأمد، كما أن بعض المحافظات تعاني أصلا من نقص الخدمات في أحيائها القائمة، الأمر الذي يجعل إضافة تجمعات سكانية جديدة تحديا مضاعفا.

اما التمويل فيمثل عقبة أخرى لا تقل أهمية، فالكثير من المواطنين الذين يحصلون على قطع أراض لا يمتلكون القدرة المالية لبناء مساكنهم، خاصة مع ارتفاع أسعار مواد البناء والأيدي العاملة، ولهذا فإن توزيع الأراضي دون توفير حلول تمويلية مرافقة قد يؤدي إلى تكرار مشهد الأراضي غير المستغلة لسنوات طويلة.

وفي المقابل، هناك مجموعة من الحلول البديلة أو المساندة التي يمكن أن تجعل المشروع أكثر واقعية وقابلية للنجاح.

أول هذه الحلول يتمثل في التوسع بإنشاء المدن السكنية المتكاملة بالشراكة مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي، بحيث يحصل المواطن على وحدة سكنية جاهزة أو شبه جاهزة بدلا من قطعة أرض تحتاج إلى سنوات من البناء.

كما يمكن للحكومة اعتماد نموذج الإسكان الاقتصادي الذي أثبت نجاحه في العديد من الدول النامية، من خلال بناء مجمعات سكنية منخفضة الكلفة تتضمن الخدمات الأساسية وتُمنح للمواطنين بأقساط طويلة الأمد، فهذا النموذج يقلل من العبء المالي على الأسر ويوفر الوقت والجهد مقارنة بالبناء الفردي.

ومن الحلول المهمة أيضا إعادة إحياء المشاريع السكنية المتوقفة واستثمار الأراضي الحكومية داخل المدن بدلا من التوسع المستمر نحو الأطراف البعيدة، فالكثير من المدن العراقية تمتلك مساحات غير مستغلة يمكن تحويلها إلى مشاريع إسكان عمودية توفر آلاف الوحدات السكنية دون الحاجة إلى استنزاف المزيد من الأراضي الزراعية أو تحميل الدولة أعباء إضافية في إنشاء البنى التحتية الجديدة.

كذلك يمكن التفكير بجدية في تشجيع الاستثمار في قطاع الإيجار السكني المنظم، وهو خيار نجح في العديد من الدول التي واجهت أزمات مشابهة، فليس بالضرورة أن يكون التملك هو الحل الوحيد، إذ يمكن توفير مساكن مناسبة بإيجارات مدعومة أو بأسعار معتدلة تسهم في تخفيف الضغط على سوق العقارات.

منح الأرض وحده لا يحل الأزمة، فالسكن عبارة عن منظومة متكاملة من الخدمات والتمويل والتخطيط الحضري، وإذا تمكنت الحكومة من ربط مشروعها الجديد بهذه العناصر، فقد تكون أمام فرصة حقيقية لفتح صفحة مختلفة في ملف ظل لعقود أحد أكثر الملفات تعقيدا في العراق، أما إذا اقتصر الأمر على التوزيع دون استكمال متطلبات التنفيذ، فإن الأزمة ستبقى تراوح مكانها مهما ارتفعت أعداد الأراضي الممنوحة.

ذات صلة

استراتيجية الإمام الحسن المجتبى (ع) في حماية مشروع النهضة الحسينيةالحكومة العراقية بين تحديين.. المصالح الوطنية والضغوط الأميركيةالإمام الحسن المجتبى شهيد الحرب على الفسادالفساد والدولة العميقة.. مدخل إلى تشكّل السلطة الموازيةعندما تتحول الخوارزمية إلى محرر صحفي خفي