التعري الرقمي وجحيم المنصات.. هل يمكننا إنقاذ الإنترنت من نفسه؟
شبكة النبأ
2026-01-11 03:50
في هذه المقالة التحليلية المستندة إلى حلقة من بودكاست "Galaxy Brain" التابع لمجلة *The Atlantic*، يطرح الكاتب والمحاور تشارلي وارزل تساؤلاً جوهرياً حول إمكانية إنقاذ الإنترنت من انهياره الأخلاقي الحالي. يبدأ وارزل بتشريح الجانب المظلم المتمثل في فضيحة منصة (X) وروبوت (Grok)، حيث تحولت أدوات الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة لانتهاك الخصوصية عبر "التعري الرقمي القسري" وسط صمت إداري مريب.
وينتقل وارزل للحوار مع ثلاثة من المفكرين التقنيين وهم: مايك ماسنيك، وأليكس كوموروسكي، وزوي وينبرغ، لمناقشة وثيقتهم التأسيسية المعروفة بـ "ميثاق الحوسبة المتناغمة" (Resonant Computing Manifesto). يقدم هؤلاء الضيوف رؤية إصلاحية شاملة تهدف إلى استبدال التكنولوجيا "الجوفاء" التي تستنزف انتباه البشر، بنموذج تقني جديد يعزز السيادة البشرية ويحترم القيم الاجتماعية، مشكلين بذلك خارطة طريق للخروج من فوضى المنصات الحالية إلى فضاء رقمي أكثر إنسانية واتزاناً.
مقدمة
في مطلع عام 2026، يجد العالم الرقمي نفسه منقسماً بشكل حاد بين واقعين متناقضين؛ الأول يمثل قاعاً أخلاقياً جديداً يتجلى في فوضى الذكاء الاصطناعي المنفلتة، والثاني يمثل تياراً فكرياً وتقنياً صاعداً يحاول إعادة هندسة علاقتنا بالتكنولوجيا من جذورها. هذه المقالة ليست مجرد رصد لحدثين، بل هي وثيقة تحليلية مطولة تستعرض الأزمة الراهنة المتمثلة في انهيار "اللياقة الإنسانية" على منصات التواصل الاجتماعي، وتقابلها برؤية فلسفية وتقنية جديدة تُعرف بـ "ميثاق الحوسبة المتناغمة".
الفصل الأول: السقوط في الهاوية.. أزمة الأخلاق في عصر الذكاء الاصطناعي
لم يعد الحديث عن "مخاطر الإنترنت" ترفاً فكرياً أو تحذيراً مستقبلياً، بل أصبح واقعاً دموياً (بالمعنى النفسي) نعيشه اليوم. ولعل ما يحدث في منصة (X) – تويتر سابقاً – تحت إدارة إيلون ماسك، يمثل النموذج الأكثر وضوحاً لهذا الانهيار.
1. "Grok" ولعبة الانتهاك الجماعي
في قلب منصة (X)، تم دمج روبوت الدردشة "Grok" المدعوم بالذكاء الاصطناعي. هذا الروبوت، الذي سُوّق على أنه أداة للمساعدة والبحث والترفيه، تحول في غضون أسابيع إلى سلاح للدمار النفسي الشامل. بدأت الأزمة بما يُعرف بـ "حفلات التعري الجماعي" (Mass-undressing spree).
ما حدث هو أن المستخدمين اكتشفوا ثغرات في ضوابط الذكاء الاصطناعي، وبدؤوا في استخدام أوامر برمجية (Prompts) تطلب من الروبوت "تعرية" صور لأشخاص حقيقيين. بدأ الأمر ببعض صانعي المحتوى البالغين، لكن سرعان ما التقط "متصيدو الإنترنت" (Trolls) الخيط، وحولوا الأمر إلى لعبة فيروسية مرعبة.
لم يقتصر الأمر على الصور الإباحية المعتادة، بل تجاوز ذلك إلى توليد صور جنسية قسرية (Nonconsensual sexualized images) لشخصيات عامة، وسياسيين، وحتى قاصرين. المثال الصارخ كان نائبة رئيس وزراء السويد، التي انتشرت صور مفبركة لها وهي عارية وتؤدي التحية النازية، في مشهد يجمع بين الانحطاط الأخلاقي واستخدام رموز الكراهية.
2. من الهامش إلى المركز: مأسسة التحرش
لطالما كانت هذه الممارسات موجودة في هوامش الإنترنت المظلمة (Dark Web) أو منتديات مثل (4chan)، لكن الخطير في حالة (X) هو "آلية التوزيع". لم يعد التحرش الرقمي فعلاً سرياً، بل أصبح مدعوماً ببنية تحتية لمنصة عالمية يملكها أغنى رجل في العالم.
* الدمج الهيكلي: الأداة (Grok) مدمجة في صلب المنصة، مما يسهل عملية التوليد والنشر الفوري.
* المكافأة والتوثيق: الحسابات التي تقوم بنشر هذه الصور وتطلب من الروبوت "تعرية" النساء ليست حسابات وهمية مجهولة فقط، بل الكثير منها يحمل "العلامة الزرقاء" (Verified)، مما يعني أن أصحابها دفعوا للمنصة، والمنصة تمنحهم أولوية في الظهور، وبالتالي تمنح التحرش شرعية ومساحة انتشار أوسع.
3. صمت "المشرفين" واختيار الفوضى
حاول الصحفي تشارلي وارزل التواصل مع إدارة (X)، بما في ذلك مدير المنتج نيكيتا بير، طارحاً أسئلة جوهرية تتجاوز الصحافة التقليدية لتلامس الضمير الإنساني: "كيف يمكنكم النوم ليلاً؟ كيف تعملون بضمير مرتاح في منصة تسمح بهذا الانتهاك الصارخ لكرامة النساء والأطفال؟".
كان الرد هو "الصمت".
هذا الصمت ليس فشلاً إدارياً، ولا نقصاً في الموارد التقنية اللازمة للمراقبة (Content Moderation). إنه صمت "أيديولوجي". إنه إعلان ضمني بأن المنصة اختارت الفوضى (Chaos) على حساب الإشراف والرعاية (Stewardship). عندما يغيب الردع، وعندما يمزح مالك المنصة نفسه حول هذه القضايا، تتشكل ثقافة جديدة: ثقافة الترهيب العلني، حيث يدرك المعتدي أنه لا توجد عواقب لأفعاله، فيمارس التحرش بزهو وفخر.
إن ما يحدث هو انهيار لمفهوم "اللياقة الإنسانية الأساسية" (Basic Human Decency). نحن لا نتحدث هنا عن حرية تعبير أو آراء سياسية جدلية، بل نتحدث عن الحد الأدنى من الأخلاق الذي يمنع تعرية البشر قسراً أمام الملايين. عندما تتجاوز التكنولوجيا هذا الحد، فإننا نفقد شياً جوهرياً في نسيجنا الاجتماعي.
الفصل الثاني: فلسفة "الرنين".. البحث عن الروح في الآلة
في الجانب الآخر من المشهد، وبعيداً عن ضجيج الفضائح، تبرز حركة فكرية تقنية هادئة ولكنها ثورية، يقودها مفكرون، لم يكتفوا بتشخيص المرض، بل صاغوا رؤية علاجية أطلقوا عليها "ميثاق الحوسبة المتناغمة".
1. ما هي الحوسبة المتناغمة؟
لشرح هذا المفهوم، يستعير الميثاق لغة الهندسة المعمارية، وتحديداً أفكار المعماري كريستوفر ألكسندر.
* التكنولوجيا الجوفاء (Hollow Tech): هي التكنولوجيا السائدة اليوم. إنها تشبه المباني الخرسانية القبيحة التي لا روح فيها. هي التجربة التي تمنحك إشباعاً لحظياً (Dopamine hit) لكنها تتركك تشعر بالفراغ والندم لاحقاً. مثالها الأبرز هو "التمرير اللانهائي" (Doomscrolling) ومشاهدة الفيديوهات القصيرة لساعات دون هدف، لتستيقظ بعدها وتسأل نفسك: "لماذا فعلت هذا؟".
* التكنولوجيا المتناغمة (Resonant Tech): هي التكنولوجيا التي تشعرك بما تشعر به عند دخول مبنى جميل، أو ساحة تراثية مريحة، أو حديقة هادئة. إنها تدعوك للإبطاء، وتعميق انتباهك، وتجعلك تشعر بأنك "أكثر إنسانية". هي الأدوات التي عندما تنتهي من استخدامها، تشعر بأنك قد تغذيت (Nourished) عقلياً وروحياً، وأنك أنجزت شيئاً يتماشى مع قيمك الحقيقية.
2. الفرق بين "ما تريده" و"ما تريد أن تريده"
يغوص الميثاق في عمق النفس البشرية ليفند حجة شركات التقنية الكبرى التي تقول: "نحن نعطي المستخدمين ما يريدون، والأرقام تثبت أنهم يحبون التمرير اللانهائي".
يرد الميثاق بأن هناك فرقاً شاسعاً بين "الرغبة القهرية" التي يتم التلاعب بها عبر هندسة الخوارزميات، وبين "الرغبة الواعية".
* التكنولوجيا الحالية تستغل ضعفنا البيولوجي والنفسي لتسرق انتباهنا (Hijack attention).
* التكنولوجيا المتناغمة تهدف إلى تمكيننا من تحقيق ما "نريد أن نريده" فعلاً، أي أهدافنا العليا ورغباتنا الحقيقية بعيداً عن التلاعب.
3. العمارة الرقمية وتصميم الفراغ
المشكلة في البرمجيات الحديثة أنها مصممة مثل "متاجر الصناديق الكبرى" (Big-box stores): ضخمة، موحدة، ومصممة للاستهلاك السريع. الميثاق يدعو لبرمجيات تشبه "الحدائق المزروعة منزلياً".
في عالمنا الرقمي، نحن نفتقد لمفهوم "الين واليانغ" أو التوازن (Feng Shui) الخاص بالبرمجيات. الأمر لا يتعلق فقط بتصميم واجهة المستخدم (UI/UX)، بل يتعلق بـ "الشعور" الذي تتركه الأداة في نفسك بعد استخدام متكرر. هل تشعر بأنك مراقب؟ هل تشعر بأنك سلعة؟ أم تشعر بأنك سيد الموقف؟
الفصل الثالث: المبادئ الخمسة لمستقبل الإنترنت
لا يكتفي "ميثاق الحوسبة المتناغمة" بالتنظير الفلسفي، بل يضع إطاراً عملياً مكوناً من خمسة مبادئ أساسية لتوجيه عملية بناء الجيل القادم من التكنولوجيا:
المبدأ الأول: الخصوصية كسيادة
في عصر الذكاء الاصطناعي، الخصوصية ليست مجرد "إخفاء بيانات"، بل هي "التحكم في السياق".
* الميثاق لا يتبنى موقفاً متشدداً ضد مشاركة البيانات، فالمشاركة قد تكون مفيدة اجتماعياً.
* الجوهر هو "السيادة": يجب أن يكون المستخدم هو من يقرر متى وكيف ولمن تُعطى بياناته. الهدف من الخصوصية هو السماح للإنسان بامتلاك "حياة داخلية غنية" (Rich Interior Life)، وهو أمر مستحيل إذا كنت تشعر أنك مراقب طوال الوقت من قبل خوارزميات تهدف لتحويلك إلى نمط استهلاكي.
المبدأ الثاني: التكريس والنزاهة (Dedicated)
يجب أن تعمل البرمجيات "حصرياً" لصالح المستخدم، دون تضارب مصالح.
* النزاهة السياقية (Contextual Integrity): هو مفهوم (استلهم من هيلين نيسنبوم) يعني أن استخدام البيانات يجب أن يتماشى مع توقعات المستخدم ومصلحته.
* المشكلة الحالية هي أننا نعيش في عالم من "المقايضات الغامضة"؛ نعطي بياناتنا مقابل خدمة مجانية، لكننا لا نعرف حجم البيانات المأخوذة ولا الغرض الحقيقي منها (بيعها للمعلنين، تدريب نماذج ذكاء اصطناعي، التلاعب السياسي).
* الحوسبة المتناغمة تتطلب أدوات لا تخفي "أجندات سرية" في شروط الخدمة الطويلة التي لا يقرؤها أحد.
المبدأ الثالث: التعددية (Plural)
رفض المركزية المفرطة واحتكار القوة.
* لا ينبغي لشركة واحدة (مثل Google أو Meta أو OpenAI) أن تتحكم في البنية التحتية للمعرفة أو التواصل.
* الحل يكمن في "قابلية التشغيل البيني" (Interoperability): القدرة على الانتقال بين المنصات والأدوات بحرية دون فقدان بياناتك أو جمهورك. هذا يخلق منافسة صحية، حيث تتنافس الشركات على تقديم "أفضل تجربة للمستخدم" وليس "أفضل فخ لاحتجاز المستخدم".
* تعددية نماذج الذكاء الاصطناعي ضرورية لتجنب تحيز واحد يسيطر على العالم.
المبدأ الرابع: القابلية للتكيف (Adaptable)
البرمجيات يجب أن تكون مرنة ومفتوحة النهايات (Open-ended).
* بدلاً من التطبيقات التي تحدد لك مسارات إجبارية (اضغط هنا، شارك هناك)، نحتاج لأدوات تشبه "جداول البيانات" (Spreadsheets) أو برمجيات التصميم القديمة (مثل HyperCard) التي تمنح المستخدم القوة لبناء أدواته الخاصة وسير عمله الخاص.
* التكنولوجيا يجب أن ترفعك وتمكنك، لا أن تحاصرك في صندوق من الاحتمالات المحدودة التي صممها مدير منتج في وادي السيليكون.
المبدأ الخامس: تأييد المجتمع (Prosocial)
التكنولوجيا يجب أن تعزز الروابط الإنسانية الحقيقية، لا أن تستبدلها بمحاكاة زائفة.
* الإنترنت الحالي أصبح بيئة "معادية للمجتمع" (Anti-social)، تعزلنا في غرف صدى (Echo Chambers)، وتزيد من الاستقطاب والكراهية.
* الخطر القادم هو أن ينعزل الإنسان في "غرفة صدى لشخص واحد" مع روبوت ذكاء اصطناعي، مما يقطع صلته بالواقع تماماً.
* الهدف هو بناء تقنيات تساعدنا لنكون جيراناً أفضل، ومتعاونين، ومشرفين على مساحاتنا المشتركة.
الفصل الرابع: وهم "الصداقة" مع الذكاء الاصطناعي
إحدى أخطر النقاط التي يثيرها الميثاق وتناقشها المقالة هي طبيعة علاقتنا بالذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي ليس صديقك: يحذر أليكس كوموروسكي بشدة من أنسنة الذكاء الاصطناعي (Anthropomorphism).
"إذا كنت تعتقد أن الذكاء الاصطناعي صديقك، فأنت في مسار خاطئ تماماً. الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أداة. يجب أن يكون امتداداً لإرادتك."
إن تصميم روبوتات الدردشة (Chatbots) لتتحدث مثل البشر، وتتظاهر بالمشاعر، وتلعب دور الصديق أو الحبيب، هو بمثابة "الجريمة الكاملة" أو الخدعة الرخيصة. إنه يشبه الكائنات الفضائية في فيلم (Contact) التي تظهر على هيئة والد البطلة لكي لا تفقد عقلها؛ إنه تزييف للواقع.
في المستقبل، قد ننظر إلى حقبة "روبوتات الدردشة الصديقة" على أنها "خدعة حفلات محرجة" وقعنا فيها جميعاً. الرؤية الصحيحة للذكاء الاصطناعي هي أن يكون "أداة" صامتة وفعالة، تعمل في الخلفية لتعزيز قدراتك، وتكتب برمجيات صغيرة مخصصة لك، وتساعدك في البحث والتحليل، دون أن تحاول خداعك عاطفياً أو أن تحل محل علاقاتك البشرية.
التخصيص الحقيقي: التخصيص الذي نعرفه اليوم هو في الحقيقة "تحسين للاستهلاك" (Optimization for consumption). الخوارزميات تدرسك لتعرف كيف تبيعك منتجاً أو تبقيك ملتصقاً بالشاشة.
الرؤية الجديدة (الحوسبة المتناغمة) تطرح التخصيص بمعنى مختلف: "البرمجيات المزروعة في الحديقة".
تخيل أن الذكاء الاصطناعي يسمح لك ببناء تطبيقك الخاص في ثوانٍ ليناسب احتياجك الحالي تماماً، تطبيقاً لا يخدم أحداً غيرك، ولا يرسل بياناتك لأحد، ومصمماً ليتوافق مع طريقة تفكيرك الفريدة. هنا يتحول الذكاء الاصطناعي من "سيد يتلاعب بك" إلى "خادم يطيعك".
الفصل الخامس: هل هناك أمل؟ الرد الثقافي العكسي
قد يبدو كل ما سبق مثالياً، وربما ساذجاً، في مواجهة وحشية الرأسمالية وقوة الشركات الكبرى والواقع السياسي المتعثر. النقاد محقون في قولهم إن "القوة السياسية والاقتصادية هي التي تحدد القيم التي تنتصر".
ولكن، هناك مؤشرات قوية على أن التغيير قادم، ليس من أعلى، بل من الأسفل:
1. صحوة الأجيال الجديدة: الجيل Z والأجيال اللاحقة ولدوا في قلب هذه المصفوفة الرقمية، وهم يدركون بحدسهم العالي أنهم يتعرضون للتلاعب. هناك تململ واضح، ورفض متزايد لأساليب "سرقة الانتباه".
2. المساحات الخالية من التكنولوجيا: بدأنا نرى عودة لتقدير المساحات "الخالية من الهواتف"، والنوادي التي تمنع التصوير، والتجمعات التي ترفع شعار "للبشر فقط". هذا يشير إلى جوع حقيقي للتواصل الإنساني غير المفلتر.
3. الانتقال من التشخيص إلى البناء: لسنوات طويلة، انشغل النقاد والصحفيون (مثل وارزل) بتشخيص المشاكل والتحذير من الكوارث (Doom and gloom). الجديد في "ميثاق الحوسبة المتناغمة" هو أنه ينتقل لمرحلة "البناء". إنه يقدم رؤية إيجابية (Positive Vision).
لماذا التفاؤل واجب أخلاقي؟
إن الاستسلام للسخرية (Cynicism) والقول بأن "كل شيء سيصبح أسوأ" هو الطريق الأسهل، وهو بالضبط ما تريده القوى المسيطرة لكي تظل الأمور على حالها.
التفاؤل هنا ليس "سذاجة"، بل هو "استراتيجية". علينا أن نتخيل المستقبل الذي نريده لكي نستطيع بناءه. إذا اكتفينا فقط بالدفاع ضد أسوأ الاحتمالات، فسنبقى محاصرين في رد الفعل. الحل هو البدء في توضيح وتصميم والمطالبة بأنواع المساحات الرقمية التي تجعلنا أكثر إنسانية.
خاتمة: من حتمية الانهيار إلى إمكانية البناء
في ختام هذا التحليل الموسع لواقع ومستقبل الإنترنت في عام 2026، يتضح لنا أننا لا نعيش مجرد "تطور تقني" روتيني، بل نشهد صراعاً حقيقياً على روح العالم الرقمي. إن الفظائع التي كشفتها أزمة "Grok" ومنصة (X) ليست مجرد أعراض جانبية لتقنية غير ناضجة، بل هي جرس إنذار مدوٍ يعلن نهاية عصر "البراءة الرقمية". لقد أثبتت هذه الأحداث أن التكنولوجيا عندما تتجرد من "اللياقة الإنسانية" وتُترك لمنطق الربح والاستعراض، فإنها تتحول بسرعة مرعبة إلى أدوات لانتهاك الكرامة ونشر التوحش.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة تماماً. إن ظهور "ميثاق الحوسبة المتناغمة" يمثل نقطة ضوء في نهاية النفق، ويقدم لنا المخرج النظري والعملي من هذا المأزق. الدرس الأهم الذي يجب أن نخرج به هو أن المستقبل ليس قدراً محتوماً تكتبه شركات وادي السيليكون؛ بل هو خيار.
الأفكار والاستنتاجات
1. نحن أمام مفترق طرق وجودي: الإنترنت لم يعد فضاءً موحداً؛ إنه ينقسم الآن بين مسار "الفوضى المقصودة" (نموذج منصة X وGrok) حيث تنهار المعايير الأخلاقية، ومسار "الإصلاح الهيكلي" (نموذج الميثاق) الذي يسعى لإعادة الأنسنة. الأزمة الحالية ليست تقنية بل أخلاقية.
2. سقوط خرافة "التقنية المحايدة": أثبتت أزمة "التعري الرقمي" أن الأدوات التقنية تكتسب قيم صانعيها. عندما يختار المالك الفوضى، تتحول الأداة إلى سلاح للتحرش. الصمت الإداري هو تواطؤ، وليس مجرد إهمال.
3. إعادة تعريف العلاقة مع الذكاء الاصطناعي: يجب التوقف فوراً عن "أنسنة" الآلة. الذكاء الاصطناعي ليس "صديقاً" ولا يجب أن يكون. الاستنتاج الأهم هو ضرورة تحويله من "رفيق مزيف" يتلاعب بمشاعرنا إلى "أداة صامتة" تخدم إرادتنا وتخضع لسيطرتنا الكاملة.
4. معيار "الرنين" مقابل "الفراغ": المقياس الحقيقي لنجاح التكنولوجيا مستقبلاً ليس "معدل التفاعل" (Engagement) أو الوقت المقضي على الشاشة، بل "الشعور المتبقي" بعد الاستخدام. التكنولوجيا الناجحة هي التي تشعرك بالامتلاء (Nourished)، والفاشلة هي التي تتركك "أجوفاً" (Hollow).
5. الخصوصية هي "السيادة على السياق": مفهوم الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي يجب أن يتجاوز فكرة "إخفاء الأسرار" ليصل إلى فكرة "التحكم في المصير الرقمي". المستخدم هو السيد، والبيانات يجب أن تخدمه حصرياً دون أجندات خفية.
6. التفاؤل كاستراتيجية بناء: السخرية واليأس يخدمان الوضع الراهن والشركات المحتكرة. الأمل المطروح في "الميثاق" ليس تفاؤلاً ساذجاً، بل هو خطة عمل ضرورية لبناء بدائل "مؤيدة للمجتمع" (Prosocial) قبل فوات الأوان.
علينا أن نتوقف عن بناء تقنيات "جوفاء" تستنزف أرواحنا وتسرق انتباهنا وتوهمنا بصداقة الآلات. وبدلاً من ذلك، يجب أن نتبنى معيار "الرنين"؛ فالتكنولوجيا الحقة هي التي تعمل كامتداد لإرادتنا الحرة، وتحترم سيادتنا على بياناتنا، وتساعدنا لنكون بشراً أفضل في الواقع، لا مجرد مستهلكين في العالم الافتراضي.
الأمل لا يكمن في إصلاح المنصات التي اختارت الفوضى، بل في بناء "حدائقنا الرقمية" الخاصة، مستندين إلى وعي الجيل الجديد الذي بدأ يرفض التلاعب، وإلى رؤية المطورين الذين يؤمنون بأن الكود البرمجي يجب أن يحمل قيماً أخلاقية. إن إنقاذ الإنترنت ممكن، لكنه يتطلب منا الانتقال من مقعد المشاهد السلبي الذي يكتفي بالتشخيص، إلى موقع الفاعل الذي يشارك في البناء.
دعوة للعمل في عام 2026 وما بعده
نحن نقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
* إما أن نترك الإنترنت ينزلق نحو الفوضى الكاملة، حيث تصبح منصات مثل (X) ساحات للتحرش الرقمي، ويصبح الذكاء الاصطناعي أداة لعزلنا واستغلالنا عاطفياً ومادياً.
* أو أن نتبنى رؤية "الحوسبة المتناغمة"، ونطالب بتقنيات تحترم سيادتنا، وتعمل كأدوات لتعزيز قدراتنا لا لاستبدال إنسانيتنا.
إن "ميثاق الحوسبة المتناغمة" ليس حلاً سحرياً سيغير العالم بين ليلة وضحاها، لكنه "بوصلة". إنه بداية محادثة ضرورية لإعادة توجيه السفينة قبل أن تصطدم بالجبل الجليدي. الأمل يكمن في المبرمجين الذين يرفضون الوضع القائم، وفي المستخدمين الذين يقررون إغلاق التطبيقات التي تشعرهم بالفراغ، وفي المجتمعات التي تبني بدائلها الخاصة.
لقد حان الوقت لنتوقف عن سؤال: "ماذا ستفعل التكنولوجيا بنا؟"، ونبدأ بسؤال: "ماذا نريد نحن أن نفعل بالتكنولوجيا؟".