رؤية في المآلات المحتملة لمشروع الإمام الشيرازي

علي الموسوي

2026-08-23 04:19

 شهد الفكر الإسلامي المعاصر ظهور عدد من المشروعات الفكريَّة والإصلاحيَّة التي سعت إلى تقديم رؤى لمعالجة التَّحديات التي تواجه الأمَّة في مختلف المجالات السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والثَّقافيَّة. ومع ذلك، فإنَّ استمرار كثير من الأزمات(1) يثير تساؤلًا منهجيًّا مهمًّا: هل تكمن المشكلة في ندرة الأفكار الإصلاحيَّة، أم في ضعف القدرة على تحويلها إلى واقع عملي؟

 وهل يكفي امتلاك مشروع فكري متكامل لإحداث التَّغيير، أم أنَّ القيمة الحقيقيَّة لأيِّ مشروع تتجلَّى في قابليته للتَّطبيق، وفي قدرته على إعادة تشكيل الواقع، وبناء الإنسان والمؤسَّسات؟

 وانطلاقًا من هذه الإشكاليَّة، تبرز أهميَّة الدِّراسات الاستشرافيَّة بوصفها أداةً علميَّةً لتحليل ما يمكن أن تؤول إليه الأفكار والنَّظريات عند تطبيقها في الواقع، وذلك من خلال بناء تصورات تستند إلى تحليل المبادئ واستقراء ما يترتب عليها من نتائج وآثار محتملة. 

 وفي هذا السِّياق، يبرز المشروع الفكري للإمام الشيرازي بوصفه أحد المشروعات الإسلاميَّة المعاصرة التي قدَّمت رؤية شاملة تناولت قضايا الإنسان، والدَّولة، والمجتمع، والحرية، والشُّورى، واللاعنف، والعمل المؤسسي، والتَّنمية، والعلاقات الإنسانيَّة. وقد امتاز هذا المشروع بتعدُّد مجالاته، وارتباط عناصره ضمن منظومة فكريَّة متكاملة(2)، الأمر الذي يجعله نموذجًا مناسبًا للدِّراسة من منظور استشرافي.

 ومن هنا، يظهر السُّؤال الذي تقوم عليه هذه المقالة: ماذا لو أصبح فكر الإمام الشيرازي منهجًا عمليًّا في إدارة المجتمع؟

 وما الصُّورة التي يمكن أن تكون عليها الدَّولة، والمجتمع، والأسرة، والإعلام، والاقتصاد، والحوزة العلميَّة، وعلاقة المسلمين بالعالم، إذا تحوَّلت المبادئ التي يقوم عليها هذا المشروع إلى ثقافة عامَّة، ومؤسَّسات فاعلة، وسياسات عمليَّة؟

 لا تهدف هذه الصفحات إلى تقديم تصور مثالي للمستقبل، كما لا تسعى إلى الجزم بأنَّ النَّتائج المتوقعة ستتحقَّق بالضَّرورة؛ وإنَّما تتَّخذ من المنهج الاستشرافي وسيلة لتحليل الإمكانات التي قد تنشأ عن تطبيق منظومة فكريَّة متكاملة، في ضوء التَّرابط بين المبادئ والآثار المحتملة. 

 لذلك، سنسعى إلى بيان بعض الأسُس الفكريَّة التي يقوم عليها المشروع الشيرازي، ثمَّ تحليل انعكاساتها المحتملة على مستقبل الأمَّة، قبل الانتقال إلى اقتراح آليات عمليَّة يمكن أن تسهم في تفعيل تلك المبادئ في مختلف مؤسَّسات المجتمع. وبهذا يجمع البحث بين التَّحليل الفكري، والاستشراف المستقبلي، والرُّؤية التَّطبيقيَّة، في محاولة للإجابة عن سؤال محوري، وهو: هل تستطيع الأمَّة أن تنتقل من مرحلة امتلاك الأفكار إلى مرحلة بناء الواقع على أساسها؟ 

المحور الأوَّل: لماذا نحتاج إلى هذا السُّؤال اليوم؟

1. أزمات العالم الإسلامي المعاصر

 يعيش العالم الإسلامي في العقود الأخيرة حالةً معقدة من التَّحديات المتداخلة التي امتدَّت آثارها إلى مختلف الجوانب السِّياسيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والثَّقافيَّة، حتَّى أصبحت هذه الأزمات ظاهرة عامَّة تكاد تشمل أغلب المجتمعات الإسلاميَّة بدرجات متفاوتة. ومع أنَّ المظاهر الخارجيَّة لهذه الأزمات تبدو سياسيَّة أو اقتصاديَّة في كثير من الأحيان، فإنَّ القراءة التَّحليليَّة تكشف عن جذور أعمق ترتبط بطبيعة الرُّؤية الفكريَّة التي تُدار بها المجتمعات، ومنظومة القيم التي تحكم علاقة الإنسان بربِّه (سبحانه) وبنفسه وبالآخرين.

 ومن أبرز هذه الأزمات ظاهرة الاستبداد(3)، التي تُعدُّ من أكثر العوامل تأثيرًا في تعطيل طاقات الأمَّة. فالاستبداد يحتكر السُّلطة، ويصادر حرية التَّفكير، ويضعف روح المبادرة، ويقصي الكفاءات، ويغلق أبواب الحوار والنَّقد البنّاء، فينشأ مجتمع يخشى التَّعبير عن آرائه، ويفقد القدرة على تصحيح أخطائه بصورة طبيعيَّة. وقد حذَّر القرآن الكريم من هذا النَّمط من الحكم من خلال عرض نموذج فرعون الذي جعل إرادة الحاكم فوق إرادة الحقِّ، فقال الله (تعالى): (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)(4)، مبيِّنًا أنَّ الاستعلاء السِّياسي يقود إلى تفتيت المجتمع، وإضعاف وحدته.

 وتبرز كذلك أزمة العنف التي أرهقت المجتمعات الإسلاميَّة، سواء أكان عنفًا سياسيًّا أم فكريًّاً أم اجتماعيًّا. وقد ساعدت عوامل عديدة على انتشار هذه الظَّاهرة، منها التَّعصب، وسوء فهم الدِّين، وضعف ثقافة الحوار، وغياب التَّربية القائمة على الرَّحمة والرِّفق. ومن هنا جاء التَّأكيد القرآني على اللين في الدَّعوة حتَّى مع أكثر النَّاس طغيانًا؛ إذ خاطب الله (تعالى) موسى وهارون (عليهما السلام) بقوله: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)(5)، فإذا كان هذا المنهج موجهًا في التَّعامل مع فرعون، فمن الأولى أن يكون أساسًا للعلاقات داخل المجتمع الإسلامي.

 ومن الأزمات التي لا يمكن إغفالها انتشار الفقر واتِّساع الفجوة الاقتصاديَّة بين طبقات المجتمع(6)، مع امتلاك كثير من الدُّول الإسلاميَّة ثروات طبيعيَّة وبشريَّة كبيرة. ويشير ذلك إلى وجود خلل في الإدارة الاقتصاديَّة، وفي توزيع الموارد، وفي بناء منظومة التَّكافل الاجتماعي. وقد قرَّر القرآن الكريم مبدأ العدالة الاقتصاديَّة بقوله (عزَّ وجلَّ): (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(7)، وهو توجيه يرسم فلسفة اقتصاديَّة تمنع احتكار الثَّروة، وتجعل المال أداةً لتحقيق التَّوازن الاجتماعي.

 كذلك، تعاني المجتمعات الإسلاميَّة من ضعف المؤسَّسات العلميَّة والثَّقافيَّة والاجتماعيَّة، حيث يغلب في كثير من البيئات الاعتماد على الجهود الفرديَّة، مع محدوديَّة العمل المؤسسي القادر على الاستمرار والتَّطوير والتَّخطيط بعيد المدى. 

 كما يشكِّل تراجع الحريات الفكريَّة والثَّقافية إحدى العقبات التي تعرقل نهضة الأمَّة؛ إذ لا يمكن للعقول أن تبدع في بيئة يغيب عنها الحوار، أو تُصادر فيها الآراء، أو يُحارب فيها الاجتهاد العلمي. وقد دعا القرآن الكريم إلى إعمال العقل والنَّظر والتَّفكر في عشرات الآيات، ومنها قوله (تعالى): (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (8)، وهي دعوة صريحة إلى اعتماد البرهان والحجَّة أساسًا في بناء المعرفة.

 ومن المشكلات التي أضعفت الأمَّة كذلك الانقسامات المذهبيَّة والطَّائفيَّة التي استنزفت الطَّاقات الفكريَّة والاقتصاديَّة، وحوَّلت كثيرًا من الخلافات إلى صراعات تستنزف الإنسان والموارد. وقد نبَّه القرآن الكريم إلى خطورة هذا المسار بقوله (تعالى): (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)(9)، فربط التَّنازع بفقدان القوَّة والهيبة، وهو قانون اجتماعي يتكرَّر في مختلف الأمم.

 ومن جهةٍ أخرى، يلاحظ ضعف حضور مؤسَّسات المجتمع المدني والعمل التَّطوعي في عدد من البيئات الإسلاميَّة، مع أنَّ بناء المجتمعات يحتاج إلى مشاركة واسعة من العلماء والمثقفين والمؤسَّسات الخيريَّة والهيئات الثَّقافية والشَّبابية. وقد جعل الإسلام التَّعاون بين أفراد المجتمع أصلًا من أصول البناء الحضاري، فقال الله (تعالى): (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)(10)، وروي عن الإمام الصَّادق (عليه السلام): "أَحَبُّ إِخْوَانِي إِلَيَّ مَنْ أَهْدى إِلَيَّ عُيُوبِي"(11)، وهو نصٌّ يرسِّخ ثقافة التَّعاون والإصلاح والنَّقد البنَّاء بوصفها من مقوِّمات المجتمع السَّليم.

 ومن خلال التَّأمل في هذه الأزمات يتبيَّن أنَّها لا تقتصر على اختلالات إداريَّة أو اقتصاديَّة أو سياسيَّة، فهذه المظاهر ليست سوى نتائج لخلل أعمق يتعلَّق بطريقة التَّفكير، ومنظومة القيم، وآليات صناعة القرار، وفهم الإنسان لرسالته في الحياة. فحين يضعف الوعي، وتغيب الثَّقافة القرآنيَّة، ويبتعد المجتمع عن المبادئ التي أرساها الإسلام في الحرية والعدالة والشُّورى والرَّحمة والتَّكافل، تظهر هذه الأزمات بأشكال متعدِّدة، مهما اختلفت البيئات أو تبدَّلت الأنظمة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة المشاريع الفكريَّة الإسلاميَّة القادرة على تقديم رؤية متكاملة للإصلاح، ودراسة مدى قدرتها على معالجة جذور المشكلات، لا الاكتفاء بالتَّعامل مع مظاهرها الخارجيَّة.

2. هل يمتلك الفكر الإسلامي مشروعًا حضاريًّا؟

 مفهوم "المشروع الحضاري" من المفاهيم المحوريَّة في الدِّراسات الفكريَّة المعاصرة، ويُقصد به: المنظومة الفكريَّة والقيميَّة التي تمتلك رؤية شاملة للإنسان والحياة والمجتمع والدَّولة، وتقدِّم حلولًا عمليَّة لمختلف القضايا التي تواجه الأمم، بما يحقِّق الاستقرار والازدهار والتَّقدُّم. فالمشروع الحضاري يقوم على رؤية متكاملة تحدِّد الغايات الكبرى، وترسم الوسائل المناسبة لبلوغها، وتربط بين البناء الرُّوحي والأخلاقي، والتَّنمية العلميَّة والاقتصاديَّة، والتَّنظيم السِّياسي والاجتماعي، ضمن إطار منسجم يستند إلى مرجعيَّة فكريَّة واضحة.

 وعند دراسة الفكر الإسلامي بعيدًا عن الصُّور التي تحصره في دائرة الأحكام التَّعبديَّة، يتبيَّن أنَّه يحمل مقوِّمات مشروع حضاري متكامل؛ لأنَّ الإسلام منذ بداياته رسم منهجًا شاملًا لإدارة الحياة بكلِّ أبعادها. فالقرآن الكريم يخاطب الإنسان ويوجهه باعتباره عضوًا في أسرة، وعنصرًا في مجتمع، وشريكًا في صناعة الحضارة. ومن هنا جاءت الآية الكريمة: (هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)(12)؛ حيث تشير إلى أنَّ إعمار الأرض مقصد إلهي، وأنَّ الإنسان مأمور ببناء الحياة على أسُس العدل والخير والعلم.

 كما يؤكِّد القرآن الكريم عالميَّة الرِّسالة الإسلاميَّة، فلا ينحصر خطابها في زمان أو مكان معيَّن، قال الله (تعالى): (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)(13). وعالميَّة الرِّسالة تقتضي امتلاكها رؤية قادرة على تنظيم شؤون الإنسان في مختلف المجالات، وهو ما يجعل الإسلام مشروعًا حضاريًّا قبل أن يكون مجموعة من التَّشريعات المتفرقة.

 وفي ضوء هذا الفهم، يظهر فكر الإمام الشيرازي بوصفه امتدادًا لهذه الرُّؤية الإسلاميَّة الشَّاملة؛ إذ لم ينحصر اهتمامه في بيان الأحكام الفقهيَّة أو معالجة المسائل العباديَّة، فقد تناول مختلف القضايا التي تمسُّ حياة الأمَّة ومستقبلها، ساعيًا إلى تقديم تصور متكامل لبناء المجتمع والدَّولة والإنسان. وقد جاءت مؤلفاته الكثيرة شاهدًا على هذا الاتِّساع؛ فهي تمتدُّ إلى السِّياسة والاقتصاد والإدارة والإعلام والتَّربية والاجتماع والعلاقات الدُّولية، إلى جانب الفقه والأصول والتَّفسير والأخلاق.

 ففي المجال السِّياسي، قدَّم رؤية تقوم على الشُّورى(14)، واحترام كرامة الإنسان، وصيانة الحريات العامَّة، ورفض الاستبداد بكلِّ صوره، مستلهمًا المبادئ القرآنيَّة التي جعلت الشُّورى سمةً للمجتمع المؤمن، قال الله (جلَّ جلاله): (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)(15). وتكشف هذه الرُّؤية عن تصور سياسي يوازن بين حفظ النِّظام وصيانة حقوق الإنسان، بعيداً عن الاستبداد أو الفوضى.

 وفي الجانب الاقتصادي، ناقش قضايا العدالة الاجتماعيَّة، وحرية النَّشاط الاقتصادي المنضبط بالقيم الشَّرعيَّة، ومحاربة الاحتكار، وتشجيع الإنتاج، وتنمية الثَّروات، بما ينسجم مع التَّوجيه القرآني: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(16)، فكانت العدالة الاقتصاديَّة جزءًا من البناء الحضاري الذي دعا إليه الإسلام.

 أمَّا الإعلام، فقد نظر إليه بوصفه وسيلة لتكوين الوعي العام، ونشر المعرفة، والدِّفاع عن القيم، ومواجهة التَّضليل، لا مجرَّد وسيلة لنقل الأخبار أو تحقيق المكاسب السِّياسيَّة. 

 وفي ميدان الأسرة، أولى الإمام الشيرازي اهتمامًا بالغًا ببناء الأسرة الصَّالحة، وعدَّها اللبنة الأولى في نهضة المجتمع؛ لأنَّ صلاح الأجيال يبدأ من البيت. ويتوافق ذلك مع التَّوجيه القرآني: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(17)؛ إذ يبدأ الإصلاح من تربية الإنسان داخل محيطه الأسري.

 وامتدَّ اهتمامه إلى الثَّقافة، فعدَّها أساسًا في تشكيل الوعي الجمعي، وميدانًا لمواجهة الجهل والانحراف، ودعا إلى نشر العلم والمعرفة وإحياء القراءة والتَّأليف والحوار؛ روي عن أبي عبدالله (عليه السلام): "اغْدُ عَالِماً، أَوْ مُتَعَلِّماً، أَوْ أَحِبَّ أَهْلَ الْعِلْمِ، وَلَا تَكُنْ رَابِعاً؛ فَتَهْلِكَ بِبُغْضِهِمْ" (18).

 كما تناول الإدارة بوصفها علمًا يحتاج إلى التَّخطيط والتَّنظيم وحسن استثمار الطَّاقات، مستلهمًا سيرة النَّبي الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) والأئمَّة (عليهم السلام) في إدارة المجتمع؛ روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): قوله: "حُسْنُ التَّدْبِيرِ يُنْمِي قَلِيلَ الْمَالِ، وَسُوءُ التَّدْبِيرِ يُفْنِي كَثِيرَهُ"(19) وهو مبدأ عام يشمل إدارة الموارد والمؤسَّسات والمجتمعات.

 وكما اهتمَّ هذا الامتداد الفكري على الشَّأن الدَّاخلي، شمل العلاقات الدُّوليَّة أيضًا، حيث دعا إلى الحوار، والتَّعايش، واحترام الكرامة الإنسانيَّة، وإقامة العلاقات بين الشُّعوب على أساس العدل والسَّلام، بعيدًا عن منطق الهيمنة والصراع. وهذا المنهج يجد جذوره في قول الله (تعالى): (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(20)، وهي آية تؤسِّس لعلاقات إنسانيَّة قائمة على البرِّ والعدل مع الآخرين.

 وعبر هذه الرُّؤية الشَّاملة، يتَّضح أنَّ فكر الإمام الشيرازي يمثِّل مشروعًا حضاريًّا متكاملًا، تتداخل فيه الجوانب العقديَّة والأخلاقيَّة مع القضايا السِّياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثَّقافيَّة، ضمن منظومة واحدة تنطلق من القرآن الكريم وسنَّة أهل البيت (عليهم السلام). وهذه السِّعة في المعالجة تمنح هذا الفكر قابليَّة للدِّراسة بوصفه نموذجًا إصلاحيًّا يستجيب لكثير من الإشكالات التي يواجهها العالم الإسلامي في العصر الحاضر، وهو ما يمهِّد للإجابة عن هذا السُّؤال: ماذا لو أصبح هذا المشروع الفكري واقعًا عمليًّا في حياة الأمَّة؟

المحور الثَّاني: مرتكزات المشروع الشيرازي

المطلب الأوَّل: الحرية... الأساس الذي تُبنى عليه نهضة الإنسان

 الحرية من أبرز المرتكزات التي يقوم عليها المشروع الفكري للإمام الشيرازي، حتَّى يمكن القول: إنَّها تشكِّل المدخل الرَّئيس لفهم رؤيته في بناء الإنسان والمجتمع والدَّولة(21). فالحرية في هذا المشروع هي قيمة إنسانيَّة أصيلة منحها الله (تعالى) للإنسان، وجعلها من مقتضيات تكريمه واستخلافه في الأرض. ومن هنا فإنَّ الحديث عن الحرية في فكر الإمام الشيرازي لا ينفصل عن الحديث عن الكرامة الإنسانيَّة، والاختيار، والتَّكليف، والإبداع، وحركة المجتمع نحو التَّقدُّم.

 وينطلق هذا التَّصور من القرآن الكريم، الذي قرَّر أنَّ الإنسان كائن مختار، وأنَّ الإيمان نفسه لا يقوم على الإكراه، قال الله (تعالى): (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(22).

 ومن هنا نظر الإمام الشيرازي إلى الحرية بوصفها البيئة الطَّبيعيَّة التي تنمو فيها الطَّاقات العلميَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة، إذ لا يمكن للعقل أن يبدع في ظلِّ الخوف، ولا للعلم أن يتقدَّم في أجواء المصادرة، ولا للمجتمع أن يبلغ النُّضج إذا غابت عنه مساحة الحوار والنَّقد والمشاركة. ولذلك، أشار إلى أقسام من الحريات:

1. حرية التَّفكير

 احتلت حرية التَّفكير موقعًا أساسيًّا في فكر الإمام الشيرازي؛ لأنَّ جميع عمليات الإصلاح تبدأ من تحرير العقل من الجمود والتَّقليد الأعمى. فالإنسان الذي يفقد حقَّه في التَّفكير المستقل يصبح تابعًا للأفكار السَّائدة، عاجزًا عن اكتشاف الخطأ أو الوصول إلى الحقيقة.

 وقد أكثر القرآن الكريم من دعوة الإنسان إلى التَّفكر والتَّدبر وإعمال العقل، فقال الله (تعالى): (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (23). وقال (سبحانه): (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (24). وهذه الدَّعوات المتكرِّرة تكشف أنَّ الإسلام يؤسِّس مجتمعًا يقوم على تنشيط العقل واستثماره في معرفة الحقائق وفهم الواقع.

2. حرية الكلمة

 لا تنفصل حرية التَّعبير عن حرية التَّفكير؛ لأنَّ الأفكار لا تنضج ما لم تجد مجالًا للنِّقاش والحوار؛ ولذلك دعا الإمام الشيرازي إلى إتاحة المجال أمام الرَّأي المسؤول، وإشاعة ثقافة الحوار، وإفساح المجال لتبادل وجهات النَّظر ضمن الضَّوابط الأخلاقيَّة والشَّرعيَّة.

 وقد مدح القرآن الكريم الذين يستمعون إلى مختلف الآراء ثمَّ يختارون أحسنها، فقال (تعالى): (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) (25). فالآية تربي الإنسان على الاستماع الواعي، والاختيار القائم على البرهان. 

3. حرية النَّقد

 من المبادئ التي أولى لها الإمام الشيرازي عناية خاصَّة حقُّ النَّقد البنَّاء؛ لأنَّ المجتمعات التي تغيب فيها المراجعة الذَّاتيَّة تزداد فيها الأخطاء، وتتراكم فيها مظاهر الفساد. أمَّا النَّقد القائم على العلم والإنصاف، فإنَّه يكشف مواطن الخلل، ويفتح أبواب الإصلاح، ويمنع صناعة الأشخاص أو تقديس الآراء.

 وقد روي عن أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) قوله: "أَلَا وَإِنَّ اللَّبِيبَ مَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوهَ الْآرَاءِ بِفِكْرٍ صَائِبٍ، وَنَظَرَ فِي الْعَوَاقِبِ"(26)، كما روي عنه (عليه السلام): "مَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوهَ الْآرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ الْخَطَاءِ"(27). وتعكس هذه النُّصوص ثقافة تقبل المراجعة والنَّقد، باعتبارهما طريقًا إلى تصحيح المسار، لا سببًا لإثارة الخصومات.

4. حرية العمل والإنتاج

 لا تقتصر الحرية على المجال الفكري، وتمتدُّ إلى النَّشاط الاقتصادي والاجتماعي والعلمي؛ حيث يمتلك الإنسان حقَّ المبادرة والإنتاج والعمل المشروع، بعيدًا عن القيود التي تعطِّل الطَّاقات أو تحد من الإبداع؛ روي عن النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): "مَنْ أحيَا أرضًا فَهِي لَه"(28).

5. حرية الأحزاب والتَّنظيمات

 من القضايا المحوريَّة في فكر الإمام الشيرازي دعوته إلى إفساح المجال أمام التَّعدديَّة السِّياسيَّة والاجتماعيَّة، وإتاحة الفرصة للمؤسَّسات والتَّنظيمات والأحزاب السلميَّة للمشاركة في صناعة القرار وخدمة المجتمع(29)، ضمن إطار الدُّستور والقيم الإسلاميَّة.

6. حرية المؤسَّسات

 يرى الإمام الشيرازي أنَّ الإنجازات الكبرى تحتاج إلى مؤسَّسات مستقرة تمتلك رؤية وخبرة واستمراريَّة. ولهذا دعا إلى تأسيس المؤسَّسات العلميَّة والثَّقافيَّة والإعلاميَّة والخيريَّة والاجتماعيَّة(30)، مع منحها مساحة مناسبة من الاستقلال في أداء وظائفها.

 وإذا تحقَّقت الحرية في هذه الميادين وغيرها يشعر الإنسان بالأمان في التَّفكير والتَّعبير والمشاركة، وذلك يؤدِّي إلى اتِّساع دائرة الإبداع، وازدياد فرص الاكتشاف العلمي، ونمو روح المبادرة، ويصبح المجتمع أكثر قدرة على معالجة أزماته بالحوار والعقل، بدلًا من الصِّراع والإقصاء.

 كما تفتح الحرية المجال أمام تداول الأفكار، وتصحيح الأخطاء، واكتشاف الكفاءات، وبناء مؤسَّسات أكثر كفاءة واستقرارًا، وتمنح الأجيال الجديدة الثِّقة للمشاركة في صناعة المستقبل. وفي المقابل، فإنَّ تقييد الحريات كثيرًا ما يقود إلى انتشار الخوف، وهجرة العقول، وجمود الفكر، وتراجع الإبداع، وهي ظواهر شهدها التَّاريخ في المجتمعات التي هيمنت عليها النَّزعة الاستبداديَّة.

 المطلب الثَّاني: الشورى... منهجٌ لبناء القرار ومواجهة الاستبداد

 الشُّورى منهج في التَّفكير والإدارة، يقوم على إشراك أصحاب الخبرة والكفاءة في صناعة القرار، وإخضاع الآراء للنِّقاش العلمي، حتَّى يكون القرار أقرب إلى الصَّواب وأبعد عن التَّأثر بالأهواء الشَّخصيَّة.

 وقد قرر القرآن الكريم هذا المبدأ في أكثر من موضع، فجعل الشُّورى من الصِّفات الملازمة للمجتمع المؤمن، فقال الله (تعالى): (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)(31). كما أمر الله (تعالى) نبيَّه الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) بمشاورة أصحابه في القضايا العامَّة التي ليس لها حدٌّ خاص، فقال (سبحانه): (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (32). وتكشف هذه الآية عن حقيقة مهمَّة؛ وأنَّ النَّبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، وهو المؤيد بالوحي، أُمر بممارسة الشُّورى، لتكون منهجًا دائمًا، وتربيةً للأمَّة على المشاركة وتحمُّل الرَّأي.

 وانطلاقًا من هذه النُّصوص الشَّريفة وغيرها، يرى الإمام الشيرازي أنَّ المجتمع الذي تُدار شؤونه بالمشاورة يمتلك قدرة أكبر على مواجهة التَّحديات؛ لأنَّ تنوع الخبرات واتِّساع دائرة المشاركة يفتحان آفاقًا أرحب لفهم المشكلات، ويقللان من احتمالات الخطأ التي قد يقع فيها الفرد إذا انفرد برأيه.

 ومن أبرز الآثار التي تحقِّقها الشورى منع احتكار القرار؛ إذ إنَّ انفراد شخص أو جهةٍ واحدة برسم السِّياسات واتِّخاذ القرارات يفتح الباب أمام الخطأ، ويحد من فرص تصحيح المسار. أمَّا حين تشارك العقول المتخصصة في دراسة القضايا، فإنَّ القرار يصبح ثمرةً للنِّقاش والتَّقويم والموازنة بين المصالح والمفاسد.

 يمتدُّ مبدأ الشُّورى في فكر الإمام الشيرازي إلى مختلف مجالات الحياة؛ ففي السِّياسة يستشار أصحاب العقول السِّياسيَّة، وفي الإدارة تُستشار الخبرات، وفي الاقتصاد يُرجع إلى أهل الاختصاص، وفي التَّربية يشارك المربون وأصحاب التَّجربة، وفي المؤسَّسات العلميَّة والثَّقافيَّة تُبنى الخطط بعد التَّداول وتبادل الآراء. وبهذه الصُّورة تتكوَّن بيئة عمل تقوم على الثِّقة المتبادلة، وتبادل الخبرات، واستثمار الطَّاقات الكامنة في المجتمع.

 كما أنَّ الشورى تمنح أفراد المجتمع شعورًا بالمشاركة في صناعة المستقبل، فتزداد ثقتهم بالمؤسَّسات، ويتَّسع حضورهم في الحياة العامَّة؛ لأنَّ الإنسان يميل بطبيعته إلى احترام القرار الذي شارك في مناقشته، حتَّى لو لم يكن مطابقًا لرأيه الشَّخصي.

 ومن جهة أخرى، تحد الشُّورى من ظاهرة صناعة الفرد الواحد الذي تُربط به جميع الإنجازات والإخفاقات؛ إذ يصبح العمل جماعيًّا، وتوزع المهام والصلاحيات وفق الكفاءة والخبرة، فتتسع دائرة الإنجاز، ويستمر العمل المؤسسي بعيدًا عن الارتباط بالأشخاص.

 وقد روي عن الإمام عليٍّ (عليه السلام): "خَيْرُ مَنْ شَاوَرْتَ ذَوُو النُّهَى وَالْعِلْمِ، وَأُولُو التَّجَارِبِ وَالْحَزْمِ" (33)، وعنه (عليه السلام): "شَاوِرْ فِي أُمُورِكَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ تَرْشُدْ" (34)، وعنه أيضًا (عليه السلام): "مَنْ شَاوَرَ ذَوِي النُّهَى وَالْأَلْبَابِ فَازَ بِالنُّجْحِ وَالصَّوَابِ" (35)، وهو توجيه يبيِّن أنَّ الشُّورى ليست جمعًا للآراء كيفما اتَّفق؛ وإنَّما عمليَّة عقليَّة تستند إلى الكفاءة والخبرة وحسن التَّقدير.

المطلب الثَّالث: اللاعنف وتحقيق التَّعايش المجتمعي

 ينطلق هذا المبدأ من رؤية إسلاميَّة ترى أنَّ بناء الإنسان وتحصين المجتمع وإقامة العدل تتحقَّق من خلال الإقناع، والحوار، والتَّفاعل الإيجابي بين مكوِّنات المجتمع.

 وقد رسَّخ القرآن الكريم هذا المنهج في العديد من الآيات التي تؤكِّد قيمة الرِّفق والحكمة في التَّعامل مع الآخرين، قال (سبحانه): (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)(36). وتكشف هذه الآية أنَّ التَّأثير الاجتماعي العميق يرتبط باللين والحكمة أكثر ممَّا يرتبط بالشدَّة والعنف.

 وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): "إِنَّ الرِّفْقَ لَمْ يُوضَعْ عَلى شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ"(37)، كما روي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): "مَا زُوِيَ الرِّفْقُ عَنْ أَهْلِ بَيْتٍ إِلَّا زُوِيَ عَنْهُمُ الْخَيْرُ"(38). وتبيِّن هذه النُّصوص أنَّ الرِّفق قاعدة تنتج الاستقرار الفردي والتَّماسك داخل المجتمع.

 ومن شأن هذا المناخ أن يهيئ بيئة مناسبة لازدهار المبادرات العلميَّة والثَّقافيَّة والاقتصاديَّة؛ لأنَّ الأمن الاجتماعي والاستقرار النَّفسي يشكِّلان الأرضيَّة التي تنمو عليها مشاريع الإبداع والإنتاج. كما أنَّ انتشار ثقافة اللاعنف يحدُّ من النَّزعات الإقصائيَّة التي تُنتج الانقسامات الحادَّة داخل المجتمع، ويُرسِّخ مفهوم الشَّراكة بين مختلف الفئات والاتِّجاهات.

 ويؤكِّد القرآن الكريم هذا المعنى حين يدعو إلى تجاوز منطق الردِّ بالمثل، قال (تعالى): (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)(39). فالآية تشير إلى إمكانيَّة تحويل الخصومة إلى علاقة إيجابيَّة من خلال أسلوب التَّعامل لا من خلال القوَّة والقهر.

 كما تجسِّد سيرة الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) هذا المبدأ بوضوح في مواقف عديدة، ومن أبرزها تعامله مع أهل مكَّة بعد فتحها، حيث اختار العفو العام على الرَّغم ممَّا تعرَّض له وأصحابه من أذى طويل. وقد أسهم هذا الموقف في إنهاء حالة الصِّراع الممتدَّة، وفتح المجال أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتَّعايش.

 وعلى ضوء رؤية الإمام الشيرازي، فإنَّ اعتماد اللاعنف(40) في معالجة الأزمات الاجتماعيَّة والسِّياسيَّة من شأنه أن يقلل من احتمالات تراكم الأحقاد التَّاريخيَّة، وأن يفسح المجال أمام المصالحة وإعادة بناء الثِّقة بين الأطراف المتنازعة، وهو ما تحتاج إليه المجتمعات التي تعاني من الانقسامات والصِّراعات المزمنة. وفي الوقت نفسه ستتوسع مساحات الحوار والتَّعاون بين مختلف المكوِّنات الاجتماعيَّة، الأمر الذي يهيئ لنهضة حضاريَّة قائمة على الإنسان بوصفه محور التَّنمية والإصلاح، وعلى القيم الإسلاميَّة بوصفها إطارًا أخلاقيًّا لتنظيم الحياة العامَّة وتحقيق السِّلم الاجتماعي.

المطلب الرَّابع: بناء الإنسان ركيزة المشروع الحضاري

 يحتل بناء الإنسان موقعًا محوريًّا في المشروع الفكري للإمام الشيرازي(41)؛ إذ ينطلق من أنَّ إصلاح المجتمع يبتدئ بإعداد الإنسان الذي يحمل قيم الإصلاح ويجسِّدها في سلوكه وممارساته. فالمجتمعات ليست سوى انعكاس لخصائص أفرادها، وكل تحول حضاري مستدام يمر عبر تنمية الإنسان فكريًّا وأخلاقيًّا وعلميًّا. ولذلك، فإنَّ استشراف مستقبل الأمَّة في ضوء مشروع الإمام الشيرازي يقتضي الوقوف عند الأسس التي يعتمدها في صناعة الإنسان؛ لأنَّه يمثِّل اللبنة الأولى في أيِّ مشروع نهضوي.

 ويستند هذا التَّصور إلى أصل قرآني راسخ، يتمثَّل في قوله (تعالى): (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(42)، وهي آية تجعل التَّغيير النَّفسي منطلقًا لكلِّ تغيير اجتماعي، وتقرِّر أنَّ النُّهوض الحضاري يبدأ من إصلاح الإنسان قبل إصلاح المؤسَّسات، ويعتمد هذا الإصلاح على التَّربية، والأخلاق، والعلم، والوعي. 

المطلب الخامس: بناء المؤسَّسات وتراكم الخبرات واستمرار العطاء

 يُعدُّ بناء المؤسَّسات أحد المرتكزات الأساسيَّة في المشروع الحضاري للإمام الشيرازي؛ وينطلق من أنَّ النَّهضة لا تُختزل في وجود أفراد متميزين، مهما بلغت قدراتهم العلميَّة أو القياديَّة، وتتطلَّب وجود مؤسَّسات راسخة تستوعب الطَّاقات، وتنظم الجهود، وتحفظ الخبرات، وتضمن استمرار العمل عبر الأجيال. فالأفراد قد يتغيَّرون بمرور الزَّمن، أمَّا المؤسَّسة فتمثل إطارًا مستقرًا تنتقل من خلاله التَّجارب والمعارف، وتتراكم الإنجازات، ويتحقَّق الاستمرار في أداء الرِّسالة.

 وتنسجم هذه الرُّؤية مع المنهج القرآني الذي يدعو إلى العمل المنظَّم والتَّعاون الجماعي، قال الله (عزَّ وجلَّ): (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ)(43). فالآية ترسم نموذجًا للعمل الجماعي المنظَّم، القائم على التَّكامل والانضباط، لا على الجهود الفرديَّة المتفرقة.

 ولو أُخذ بهذا المبدأ في واقع الأمَّة الإسلاميَّة، لتوسعت دائرة العمل المنظم، وازدادت فرص التَّنسيق بين مختلف الطَّاقات، وأصبح إعداد القيادات عمليَّة مستمرة لا ترتبط بشخص معيَّن. كما تزداد القدرة على مواجهة الأزمات، واستثمار الخبرات، والمحافظة على الإنجازات، الأمر الذي يهيئ بيئة أكثر استقرارًا لإنجاز المشروعات العلميَّة والثَّقافيَّة والاجتماعيَّة.

المحور الثَّالث: ماذا لو طُبِّقت هذه المبادئ؟

 يمثِّل هذا المحور الجانب التَّطبيقي، وينتقل من تحليل المبادئ التي يقوم عليها مشروع الإمام الشيرازي إلى استشراف النَّتائج المحتملة لتطبيقها في الواقع. ويعتمد هذا الاستشراف منهج بناء الخطط المستقبليَّة، من خلال استقراء العلاقة بين المبادئ الفكريَّة والنَّتائج التي يُرجح أن تترتب عليها إذا تحوَّلت إلى سياسات عامَّة وممارسات مجتمعيَّة.

 وينطلق من فرضية مفادها أنَّ الأفكار الكبرى تُقاس بقدرتها على إنتاج واقع أكثر استقرارًا وعدلًا وكفاءة، ومن هنا جاءت محاولة رسم مجموعة من المشاهد المستقبليَّة التي تكشف صورة المجتمع والدَّولة في ظلِّ تطبيق المبادئ التي دعا إليها الإمام الشيرازي.

المشهد الأوَّل: كيف ستكون الدَّولة؟

 إذا أصبحت هذه المبادئ جزءًا من البناء السِّياسي والإداري للدَّولة، فمن المتوقع أن تتجه مؤسَّساتها نحو قدر أكبر من الاستقرار والكفاءة، وأن تنتقل الإدارة العامَّة من الاعتماد على الأفراد إلى الاعتماد على الأنظمة والمؤسَّسات، فتغدو الدَّولة أكثر قدرة على الاستمرار، وأقل تأثرًا بتغيُّر الأشخاص أو الظُّروف السِّياسيَّة. وذلك عن طريق:

1. مؤسَّسات قويَّة ومستقرة

 يرتكز مشروع الإمام الشيرازي على فكرة العمل المؤسسي بوصفه الضَّمانة الأساسيَّة لاستمرار الإصلاح وتحقيق التَّنمية. ولذلك فإنَّ الدَّولة المستقبليَّة ستقوم على مؤسَّسات تمتلك صلاحيات واضحة، واختصاصات محدَّدة، وآليات قانونيَّة تنظِّم العلاقة بينها، الأمر الذي يرسِّخ الاستقرار الإداري، ويحد من الارتجال في صناعة القرار.

2. تداول المسؤوليات

 يفترض مشروع الإمام الشيرازي أنَّ تداول المسؤوليات يمثِّل أحد شروط سلامة النِّظام السِّياسي والإداري؛ لأنَّه يحد من احتكار السُّلطة، ويتيح تجديد الخبرات، ويفتح المجال أمام الكفاءات للمشاركة في إدارة الدَّولة. وعندما يصبح انتقال المسؤوليات جزءًا من الثَّقافة السياسيَّة، تنخفض احتمالات الجمود الإداري، ويزداد ارتباط المنصب بالمصلحة العامَّة، لا بالمكاسب الشَّخصيَّة.

3. رقابة شعبيَّة واعية

 لا تكتمل فاعليَّة المؤسَّسات من دون وجود مجتمع يمتلك القدرة على المتابعة والمساءلة في إطار القانون. ومن هنا يبرز دور الرَّقابة الشَّعبيَّة بوصفها وسيلة لحماية المال العام، وتقويم الأداء، والكشف عن مواطن الخلل قبل استفحالها. ولا تستند هذه الرَّقابة إلى الصِّراع مع الدَّولة؛ وإنَّما إلى الشَّراكة في حفظ المصلحة العامَّة.

 ويؤصل الإسلام لهذا المبدأ من خلال قوله (تعالى): (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(44)، كما روي عن أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام): "لَا تَتْرُكُوا الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ"(45)، وهو توجيه يبيِّن أنَّ المشاركة المجتمعيَّة في تقويم الأداء تمثِّل عنصرًا أساسًا في حماية المجتمع من الانحراف.

4. تقليص الفساد الإداري والمالي

 عندما تجتمع المؤسَّسات المستقرة، وتداول المسؤوليات، والرقابة المجتمعيَّة، وسيادة القانون، تضيق المساحات التي ينفذ منها الفساد؛ لأنَّ السُّلطة تصبح خاضعة للمساءلة، والقرارات تمر عبر إجراءات واضحة، وتخضع الموارد العامَّة لمعايير المحاسبة. وممَّا كتب أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام) إلى أحد ولاته: "ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً، ولَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وأَثَرَةً، فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ والْخِيَانَةِ"(46)، وهو توجيه إداري يؤكِّد أنَّ النَّزاهة والرقابة والاختيار على أساس الكفاءة تشكِّل ركائز الإدارة الصَّالحة.

 المشهد الثَّاني: كيف سيكون المجتمع؟

 سيشهد المجتمع إذا خرجت هذه المبادئ من حيز النَّظر إلى حيِّز العمل تحولات تدريجيَّة في منظومة العلاقات الاجتماعيَّة وأنماط السُّلوك العام. ويرجع ذلك إلى أنَّ هذا المشروع يجعل الإنسان محور الإصلاح، ويربط استقرار المجتمع بترسيخ القيم الأخلاقيَّة، ونشر ثقافة اللاعنف، وتوسيع دائرة المشاركة المجتمعيَّة، واحترام كرامة الإنسان. ومن ثمَّ، فإنَّ المجتمع المتوقع يتسم بالتَّماسك، ويمتلك قدرة أكبر على التَّعاون، واحتواء الخلافات، ومواجهة التَّحديات بصورة جماعيَّة. وذلك عن طريق:

1. انخفاض معدلات العنف

 عندما تحل ثقافة الحوار محل ثقافة الإقصاء، ويصبح الاحتكام إلى القانون والقيم الأخلاقيَّة هو الأصل في معالجة الخلافات، تتراجع دوافع الانتقام، وتنحسر مظاهر العنف في المجتمع.

2. انتشار العمل التَّطوعي

عندما تترسخ قيم التَّكافل وخدمة المجتمع، يتحوَّل العمل التَّطوعي إلى سلوك اجتماعي واسع الانتشار، فلا يقتصر على المبادرات الفرديَّة، ويصبح جزءًا من الثَّقافة العامَّة. ويساعد ذلك على سدِّ كثير من الاحتياجات الاجتماعيَّة، وتقوية الرَّوابط بين أفراد المجتمع، وتنمية روح المبادرة والعطاء، إلى جانب تخفيف الأعباء عن المؤسَّسات العامَّة.

3. احترام الإنسان وصيانة كرامته

 عندما تصبح هذه القيم جزءًا من الثَّقافة المجتمعيَّة، تتعزز الثِّقة بين الأفراد، وتتسع مساحة التَّعايش، ويغدو الاختلاف عاملًا للإثراء لا سببًا للصِّراع.

 المشهد الثَّالث: كيف ستكون الأسرة؟

 إذا أصبحت المبادئ التي يدعو إليها هذا المشروع جزءًا من الثقافة الأسريَّة، فإنَّ الأسرة ستتحوَّل إلى فضاء تربوي يسهم في إعداد أجيال تمتلك الاستقامة، والقدرة على تحمُّل أعباء المستقبل. ومن أهمِّ أسس بناء الأسرة التي حثَّ عليها الإمام الشيرازي(47):

1. تربية قائمة على الحوار

 إنَّ التربية النَّاجحة تقوم على الإقناع والحوار أكثر من اعتمادها على الإكراه والتَّسلط. فالحوار داخل الأسرة يفتح المجال أمام الأبناء للتَّعبير عن آرائهم، ويقوي الثِّقة بينهم وبين الوالدين، ويهيئ بيئة تساعد على تنمية التَّفكير السَّليم، وحسن اتِّخاذ القرار، وتحمُّل المسؤوليَّة.

 وقد عرض القرآن الكريم نماذج متعدِّدة للحوار التَّربوي، من أبرزها وصايا لقمان (عليه السلام) لابنه، قال الله (تعالى): (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (48)، ثمَّ تتابع الآيات في بيان أسلوب الحوار الهادئ الذي يجمع بين الحكمة والموعظة. 

2. احترام المرأة وصيانة مكانتها

 ينظر المجدِّد الشيرازي إلى المرأة بوصفها شريكًا أساسًا في بناء الأسرة والمجتمع (49)، ويؤكِّد أنَّ استقرار الحياة الأسريَّة يرتبط بحفظ حقوقها، وصيانة كرامتها، وإتاحة المجال لها للقيام بأدوارها العلميَّة والتَّربويَّة والاجتماعيَّة في إطار القيم الإسلاميَّة. فالعلاقة بين الزَّوجين تقوم على التَّكامل والتَّعاون، لا على الهيمنة أو الانتقاص من الكرامة.

 ويؤكِّد القرآن الكريم هذا المبدأ بقوله (تعالى): (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)(50)، فجعل المودَّة والرَّحمة أساس العلاقة الزَّوجيَّة. 

3. بناء الطفل وإعداد الجيل القادم

 لا يقتصر دور الأسرة على توفير الاحتياجات الماديَّة للطِّفل، ويمتدُّ إلى تنمية شخصيَّته علميًّا وأخلاقيًّا ونفسيًّا، وغرس قيم الانضباط، واحترام الآخرين، وحب المعرفة، وروح المبادرة. ويرى الإمام الشيرازي أنَّ الطِّفل الذي ينشأ في بيئة مستقرة، تحترم إنسانيته، وتستثمر طاقاته، يكون أكثر استعدادًا للإسهام في نهضة مجتمعه عندما يبلغ مرحلة الرُّشد.

المشهد الرَّابع: كيف سيكون الإعلام؟

 إذا طُبقت المبادئ التي يقوم عليها هذا المشروع، فمن المتوقع أن يتجه الإعلام نحو أداء رسالة حضاريَّة تجمع بين المهنيَّة، والالتزام الأخلاقي، وخدمة الصَّالح العام (51). ومن خصائصه:

1. إعلام توعوي

 يقوم الإعلام في هذا التَّصور على نشر المعرفة الصَّحيحة، ورفع مستوى الإدراك العام، وتقديم المعلومات بصورة دقيقة ومتوازنة، بما يساعد أفراد المجتمع على فهم القضايا المختلفة، واتِّخاذ مواقفهم على أساس من العلم والبصيرة. ولا يقتصر دوره على نقل الأحداث؛ وإنَّما يمتدُّ إلى تفسيرها، وبيان أبعادها، وتقديم الحلول التي تسهم في معالجة المشكلات الاجتماعيَّة والفكريَّة.

2. إعلام أخلاقي

لا تنفصل حرية الإعلام في مشروع الإمام الشيرازي عن الالتزام بالقيم الأخلاقيَّة؛ فالكلمة أمانة، والإعلام مسؤول عن صيانة كرامة الإنسان، واحترام الخصوصيَّة، والابتعاد عن الكذب، والتَّشهير، وإثارة الكراهيَّة، أو نشر ما يؤدِّي إلى تمزيق النَّسيج الاجتماعي. وبهذا يتحوَّل الإعلام إلى عنصر يسهم في ترسيخ الثِّقة بين أفراد المجتمع، ويعزز ثقافة الاحترام والحوار.

3. إعلام يصنع الوعي

 يعمل الإعلام في هذا النُّموذج على تنمية التَّفكير النَّقدي، وتعميق الوعي بالقضايا الفكريَّة والاجتماعيَّة، وإبراز الحقوق والواجبات، وترسيخ ثقافة المشاركة المجتمعيَّة. وعندما يمتلك المجتمع وعيًا راسخًا، يصبح أكثر قدرة على مواجهة حملات التَّضليل، وأقل عرضة للانقسام أو الانجرار وراء الخطابات المتطرفة.

المشهد الخامس: كيف سيكون الاقتصاد؟

 ينطلق الإمام الشيرازي من رؤية تجعل الاقتصاد وسيلةً لتحقيق الكرامة، وترسيخ العدالة الاجتماعيَّة، وتنشيط حركة العمران، لا مجرَّد أداة لزيادة الثَّروة(52). ومن ثمَّ، فإنَّ النَّهضة الاقتصاديَّة تقاس بحجم الموارد، وبقدرة المجتمع على توظيفها بكفاءة، وتوسيع دائرة الإنتاج، وإيجاد فرص العمل، وحماية الفئات الضَّعيفة، وتوفير بيئة اقتصاديَّة تقوم على المنافسة المشروعة والتَّكافل الاجتماعي. وإذا أصبحت هذه المبادئ جزءًا من السِّياسات العامَّة، فمن المتوقع أن يشهد الاقتصاد نموًا أكثر استقرارًا، وتوزيعًا أكثر عدلًا للفرص والثَّروات من خلال:

1. تشجيع الإنتاج

 إنَّ ازدهار الأمم يبدأ بتحويل المجتمع من الاستهلاك إلى الإنتاج؛ لأنَّ الإنتاج يمثِّل أساس الاستقلال الاقتصادي، ويزيد من قدرة الدَّولة على تحقيق التَّنمية المستدامة. ويشمل ذلك دعم الزِّراعة، والصناعة، والتِّجارة، والاستثمار في الطَّاقات البشريَّة، مع توفير البيئة التي تشجِّع المبادرة والابتكار والعمل الجاد.

2. محاربة الاحتكار

 يقوم الاقتصاد السَّليم على المنافسة العادلة، وتكافؤ الفرص، ومنع الممارسات التي تؤدِّي إلى الإضرار بالمجتمع أو التَّحكم في الأسواق. ولذلك يرفض الإمام الشيرازي الاحتكار لما يترتب عليه من رفع الأسعار، وإضعاف حركة التِّجارة، والإضرار بالمستهلكينَ، وتعطيل النَّشاط الاقتصادي.

3. دعم المشاريع الصَّغيرة

 يولي الإمام الشيرازي اهتمامًا بالمشروعات الصَّغيرة والمتوسطة؛ لأنَّها توسع قاعدة الإنتاج، وتوفر فرص العمل، وتساعد على تنمية الاقتصاد المحلي، وتمنح الأفراد قدرة أكبر على الاعتماد على الذَّات. كما أنَّ انتشار هذه المشروعات يحد من تركز الثَّروة في أيدي فئة محدودة، ويزيد من مرونة الاقتصاد في مواجهة الأزمات.

4. التَّكافل الاجتماعي

 لا يقتصر النَّشاط الاقتصادي في مشروع الإمام الشيرازي على تحقيق النُّمو، ويمتدُّ إلى بناء مجتمع متكافل، يجد فيه المحتاجون من يعينهم، ويحصل الضعفاء على حقوقهم، وتُفعَّل فيه أدوات التَّكافل المالي التي شرعها الإسلام، كالزَّكاة، والخمس، والصَّدقات، والوقف، وسائر صور الإنفاق في وجوه الخير. وبهذا يتحقَّق قدر أكبر من التَّوازن الاجتماعي، وتتقلص الفجوة بين الفئات المختلفة.

المشهد السَّادس: كيف ستكون الحوزة العلميَّة؟

 تحتل الحوزة العلميَّة مكانةً محوريَّة في فكر الإمام الشيرازي (53)؛ ولا يقتصر دورها على تخريج الفقهاء والباحثين، ويمتدُّ إلى الإسهام في بناء الإنسان، وتوجيه المجتمع، وترسيخ القيم الإسلاميَّة، ومواكبة المتغيِّرات الفكريَّة والاجتماعيَّة. ومن هذا المنطلق، فإنَّ تطبيق المبادئ التي يقوم عليها هذا المشروع يُتوقع أن ينعكس على طبيعة عمل الحوزة، لتصبح أكثر فاعليَّة في أداء رسالتها العلميَّة والاجتماعيَّة، وأوسع حضورًا في مختلف ميادين الحياة.

1. حوزة أكثر انفتاحًا

 من شأن هذا التَّوجه أن يوسِّع آفاق البحث العلمي، ويجعل الحوزة أكثر قدرة على معالجة القضايا المستجدة، والإجابة عن الأسئلة التي يفرضها الواقع المعاصر.

2. حوزة أكثر حضورًا في الحياة العامَّة

 يفترض المجدِّد الشيرازي أنَّ المعرفة الدِّينيَّة تحقق غايتها عندما تتحول إلى قوَّة إصلاح في المجتمع، ولذلك لا يقتصر دور الحوزة على النَّشاط العلمي داخل أروقتها؛ بل يمتدُّ إلى الإسهام في معالجة القضايا الاجتماعيَّة، والثَّقافيَّة، والتَّربويَّة، والإعلاميَّة، وتقديم الرُّؤية الشَّرعيَّة اتِّجاه المستجدات التي تمس حياة النَّاس.

3. حوزة أكثر تواصلًا مع المجتمع

 يركز المجدد الشيرازي على توثيق العلاقة بين المؤسَّسة الدِّينيَّة والمجتمع، من خلال التَّواصل المباشر مع مختلف فئاته، والإنصات إلى احتياجاته، والإجابة عن تساؤلاته، والمشاركة في معالجة تحدياته الفكريَّة والأخلاقيَّة والاجتماعيَّة. ويؤدي هذا التَّواصل إلى زيادة الثِّقة المتبادلة، ويجعل الخطاب الدِّيني أكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قدرة على التَّأثير الإيجابي في حياة النَّاس.

المشهد السَّابع: كيف ستكون علاقة المسلمين بالعالم؟

 لا يقف المشروع الشيرازي عند حدود إصلاح الواقع الدَّاخلي للأمَّة؛ ويمتدُّ إلى رسم إطار للعلاقة مع العالم، يقوم على الحوار، والتَّعاون، واحترام الكرامة، والسَّعي إلى تحقيق السِّلم والاستقرار (54). وينطلق هذا التَّصور من أنَّ رسالة الإسلام رسالة عالميَّة، تخاطب الإنسان بما هو إنسان، وتدعو إلى التَّعارف والتَّعاون في كلِّ ما يحقِّق الخير المشترك. ومن ثمَّ، فإنَّ تطبيق المبادئ التي يقوم عليها هذا المشروع من شأنه أن يسهم في بناء علاقات أكثر توازنًا مع الشُّعوب والأمم، قائمة على الاحترام المتبادل، بعيدًا عن الانغلاق أو الصراع غير المشروع. ومن أهمِّ سُبل ذلك:

1. الحوار طريق التَّفاهم

 فالحوار يتيح تبادل المعرفة، وتصحيح الصُّور النَّمطيَّة، وتقريب وجهات النَّظر، ويفتح المجال للتَّعاون في القضايا الإنسانيَّة المشتركة، مع المحافظة على الثَّوابت الدِّينيَّة والهويَّة الإسلاميَّة.

2. ترسيخ ثقافة السَّلام

 يقوم المشروع الشيرازي على أنَّ الأصل في العلاقات بين الأمم هو السِّلم، وأنَّ اللجوء إلى القوَّة لا يكون إلَّا في الحدود التي يقرها الشَّرع، وبعد استنفاد الوسائل السلميَّة. ولذلك فإنَّ نشر ثقافة السَّلام، وتسوية النِّزاعات بالحوار، وتقليل أسباب الصراع، تمثِّل مرتكزات أساسيَّة في بناء العلاقات الدوليَّة.

3. التَّعايش مع مختلف الشُّعوب والثقافات

 إنَّ التَّنوع بين الأمم والشُّعوب يمثِّل سنةً من سنن الله (سبحانه) في الكون، وأنَّ هذا التَّنوع ينبغي أن يكون مدخلًا للتَّعارف والتَّعاون، لا سببًا للتَّنازع والإقصاء. ومن هنا، فإنَّ العلاقة مع الآخرين تقوم على الاعتراف بالكرامة الإنسانيَّة المشتركة، واحترام الخصوصيات الثَّقافيَّة والدِّينيَّة، والتَّعاون في القضايا التي تحقِّق الخير العام.

4. احترام الإنسان بوصفه قيمةً مشتركة

 إنَّ كرامة الإنسان أصل ثابت لا يرتبط بالانتماء العرقي أو القومي أو الاجتماعي، وأنَّ التَّعامل مع الآخرين ينبغي أن يقوم على العدل، والرَّحمة، واحترام الحقوق، والوفاء بالعهود. ويؤدِّي الالتزام بهذه المبادئ إلى بناء صورة حضاريَّة للإسلام، ويعزز الثِّقة المتبادلة بين المسلمين وغيرهم.

 وقد قال الله (تعالى): (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)(55)، وهي قاعدة قرآنيَّة عامَّة تؤكِّد تكريم الإنسان. كما كتب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر (رضوان الله عليه): "وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ، ولَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ" (56)، وهي من أوسع النُّصوص الإسلاميَّة في ترسيخ احترام الإنسان، وجعل الكرامة أساسًا للعلاقات مع الآخرين.

المحور الرَّابع: كيف نبدأ التَّطبيق؟

 يمثل الانتقال من الفكر إلى الواقع التَّحدي الأكبر الذي تواجهه المشروعات الإصلاحيَّة؛ إذ لا تكفي سلامة المبادئ وحدها لإحداث التَّغيير، ما لم تتحوَّل إلى برامج عمليَّة، وسلوكيات يوميَّة، ومؤسَّسات قادرة على تنفيذها. ومن هذا المنطلق، فإنَّ تطبيق المشروع الشيرازي لا يبدأ بقرارات مركزيَّة أو تغييرات شاملة؛ وإنَّما ينطلق من دوائر المجتمع المختلفة، بحيث يؤدِّي كلُّ فرد وكلُّ مؤسَّسة دورها في حدود إمكاناتها، فتتراكم الجهود تدريجيًا حتَّى تتشكَّل بيئة اجتماعيَّة تتبنى قيم المشروع وأهدافه.

 وانطلاقًا من هذه الرُّؤية، يتناول هذا الفصل مجموعة من المسارات العمليَّة التي يمكن أن تمثِّل نقطة البداية في تحويل المبادئ النَّظريَّة إلى واقع ملموس.

1. في الأسرة

 يبدأ التَّطبيق من ترسيخ ثقافة الحوار بين أفراد الأسرة، واعتماد التَّربية القائمة على الإقناع، وتنمية روح المسؤوليَّة لدى الأبناء، وربطهم بالقيم الإسلاميَّة، وتعزيز ثقافة القراءة، والعمل، واحترام الآخرين، والتَّعاون داخل المنزل.

2. في المدرسة

 تؤدِّي المدرسة دورًا محوريًّا في غرس القيم إلى جانب التَّعليم، ولذلك يقتضي التَّطبيق الاهتمام ببناء شخصيَّة الطَّالب، وتشجيع التَّفكير النَّاقد، والعمل الجماعي، والأنشطة التَّطوعيَّة، وربط المعرفة بالسُّلوك، وإعداد بيئة تعليميَّة تقوم على الاحترام، والانضباط، والمشاركة.

3. في الجامعة

 وذلك عبر تشجيع البحث العلمي، وربط الدِّراسات الأكاديميَّة باحتياجات المجتمع، ودعم المبادرات الطلابيَّة، وترسيخ ثقافة الحوار العلمي، وإعداد قيادات شبابيَّة تمتلك الوعي والكفاءة وروح المبادرة.

4. في الحوزة العلميَّة

 يتطلَّب تفعيل المشروع الشيرازي في الحوزة توسيع مجالات البحث، وتعزيز الدِّراسات التي تعالج قضايا المجتمع المعاصر، وتطوير وسائل التَّواصل مع مختلف شرائح المجتمع، وتشجيع العمل المؤسسي، وإعداد العلماء القادرين على الجمع بين الأصالة العلميَّة وفهم الواقع.

5. في الإعلام

 يقوم التَّطبيق في المجال الإعلامي على إنتاج محتوى معرفي وتربوي، ونشر ثقافة الحوار والاعتدال، وترسيخ القيم الأخلاقيَّة، ومواجهة الشَّائعات والمعلومات المضللة، وتوظيف وسائل الإعلام الحديثة في نشر المعرفة، وإبراز النَّماذج النَّاجحة في خدمة المجتمع.

6. في المسجد

 لا يقتصر دور المسجد على أداء الشَّعائر، ويمتدُّ إلى بناء الإنسان والمجتمع. ولذلك يمكن أن يصبح مركزًا للتثقيف، وتعليم القرآن الكريم، وإقامة النَّدوات الفكريَّة، وتنمية روح التَّكافل، وتشجيع المبادرات الاجتماعيَّة، وتقوية الرَّوابط بين أفراد المجتمع.

7. في المؤسسات

 يتطلَّب نجاح المشروع نشر الثقافة المؤسسيَّة في مختلف مجالات العمل، من خلال التَّخطيط، وتوزيع الاختصاصات، وإعداد الكفاءات، واعتماد معايير الكفاءة، وتقويم الأداء بصورة مستمرة، بما يضمن استدامة العمل وتراكم الخبرات.

8. في العمل التطوعي

 يبدأ ذلك بتشجيع المبادرات الشَّبابيَّة، وإنشاء الفرق التَّطوعيَّة، وتنظيم الأنشطة الخدميَّة، ودعم المؤسسات الخيريَّة، وترسيخ ثقافة المسؤوليَّة الاجتماعيَّة، بما يجعل خدمة المجتمع سلوكًا عامًّا لا نشاطًا موسميًّا.

 إنَّ استشراف مستقبل الأمَّة في ضوء المشروع الفكري للإمام الشيرازي يكشف أنَّ قيمة هذا المشروع لا تقتصر على ما يطرحه من مبادئ؛ وإنَّما تمتدُّ إلى ما يملكه من قدرة على تقديم رؤية متكاملة لبناء الإنسان، وإصلاح المجتمع، وترسيخ العمل المؤسسي، وتعزيز الحرية والشُّورى واللاعنف والعدالة. 

 وقد تبيَّن أنَّ تطبيق هذه المبادئ من شأنه أن يفتح آفاقًا أوسع لمعالجة كثير من المشكلات التي يواجهها العالم الإسلامي، إذا اقترن بالإرادة الواعية، والتَّخطيط، والعمل المتدرج.

 ولا تدَّعي هذه المقالة أنَّ المستقبل سيتشكل بالصورة التي رسمتها؛ وإنَّما تقدِّم قراءة استشرافيَّة تستند إلى تحليل المبادئ وربطها بما يمكن أن تؤول إليه إذا تحوَّلت إلى ثقافة عامَّة وممارسات عمليَّة. ومن هنا، يبقى الانتقال من امتلاك الأفكار إلى تجسيدها في الواقع هو التَّحدي الحقيقي الذي يحدِّد أثر أي مشروع إصلاحي. وعندما تتكامل جهود الأسرة، والمؤسَّسات التَّعليميَّة، والحوزة العلميَّة، والإعلام، ومؤسَّسات المجتمع، تصبح المبادئ أكثر قدرة على صناعة واقع يقترب من أهدافها، ويمنح الأمَّة فرصة جديدة لبناء نهضتها على أسس راسخة.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

.............................................

الهوامش:

1. ينظر: الأزمات وحلولها: ص5.

2. للمزيد يراجع: السبيل إلى إنهاض المسلمين، المعالم الجديدة، ممارسة التغيير.

3. ينظر: الأزمات وحلولها: ص40.

4. سورة القصص/ الآية: 4.

5. سورة طه/ الآية: 44.

6. ينظر: الأزمات وحلولها: ص38.

7. سورة الحشر/ الآية: 7.

8. سورة البقرة/ الآية: 111.

9. سورة الأنفال/ الآية: 46.

10. سورة المائدة/ الآية: 2.

11. الكافي (دار الحديث): ج4، ص687.

12. سورة هود/ الآية: 61.

13. سورة سبأ/ الآية: 28.

14. ينظر: الشورى في الأسلام: ص12-27. 

15. سورة الشورى/ الآية: 38.

16. سورة الحديد/ الآية: 25.

17. سورة التحريم/ الآية: 6.

18. الكافي (دار الحديث): ج1، ص81.

19. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص354.

20. سورة الممتحنة/ الآية: 8.

21. ينظر: الحرية الإسلامية. الفقه: الحريات، الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام.

22. سورة البقرة/ الآية: 256.

23. سورة محمد/ الآية: 24.

24. سورة الجاثية/ الآية: 13.

25. سورة الزمر/ الآيتان: 17-18.

26. تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: ص55.

27. م. ن: ص442.

28. المبسوط: ج3، ص271.

29. ينظر: الحزب في النظرية الإسلامية

30. ينظر: استمرارية المؤسسات الإسلامية.

31. سورة الشورى/ الآية: 38.

32. سورة آل عمران/ الآية: 159.

33. تصنيف الحكم ودرر الكلم: ص442.

34. م. ن.

35. م. ن.

36. سورة آل عمران/ الآية: 159.

37. الكافي (دار الحديث): ج3، ص308.

38. م. ن.

39. سورة فصلت/ الآية: 34.

40. ينظر: اللاعنف في الإسلام، اللاعنف منهج وسلوك. 

41. ينظر: احترام الإنسان في الإسلام.

42. سورة الرعد/ الآية: 11.

43. سورة الصف/ الآية: 4.

44. سورة آل عمران/ الآية: 104.

45. نهج البلاغة، (تحقيق: صبحي الصالح): ص422.

46. م. ن: ص435.

47. ينظر: الزواج وتشكيل الأسرة. 

48. سورة لقمان/ الآية: 13.

49. ينظر: المرأة في ظل الإسلام، المرأة في المجتمع المعاصر، المرأة في المنظار الإسلامي، أحكام المرأة في الحج والعمرة.

50. سورة الروم/ الآية: 21.

51. ينظر: إلى نهضة ثقافية إسلامية.

52. ينظر: الاقتصاد عصب الحياة، الاقتصاد الإسلامي في سطور، الغرب والحصار الاقتصادي على المسلمين.

53. ينظر: نظام الحوزات العلمية في العراق. دور الحوزات العلمية في بناء المجتمع. إلى الحوزات العلمية.

54. ينظرإلى العالم.

55. سورة الإسراء/ الآية: 70.

56. نهج البلاغة، (تحقيق: صبحي الصالح): ص427.

ذات صلة

الحق في النسيان الرقميكيف تصبح نعم أسلوب حياة؟رأس المال الخاص: محرك خفي لنهضة الإعمار والبناء في البلدحرب استنزاف الاقتصاد الإيراني وحدود استنساخ الحصار العراقيالقصدية في التعامل مع الآخر