مزايا الثراء المشروع

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

شبكة النبأ

2026-05-18 02:38

(في المال مزايا كثيرة منها تحقيق القوة الاقتصادية والقوة السياسية) الإمام الشيرازي

يمثل المال العمود الفقري لتقدم الدول والأشخاص، لأن قلّة المال أو فقدانه كليا، يؤدي إلى شلل الدولة والفرد على حد سواء، ولنا أن نتمثل هذا الأمر عندما يُصاب العمود الفقري للإنسان، فماذا يحصل له، إنه سوف يصبح عاجزا عن الحركة، وبالتالي يكون أقرب إلى الجسد المشلول الذي لا يتمكن من العمل وبالتالي غير قادر على الإنتاج.

ولعل خاصية (القدرة على التقدم) تُعد من أهم مزايا المال، فهو العنصر الأساس الذي يأخذ بأيدينا نحو التقدم، ويجعل الفرص أمامنا كثيرة ومتجددة.

لذا طالما أننا نضع التقدم نصب أعيننا، ونجعل منه هدفا رئيسا لنا، فإن المال يجب أن يكون متوفرا عندنا، وكلما تضاعفت أموالنا وازددنا ثراءً سوف تكون فرص التقدم لنا مضاعفة، ويصح العكس تماما، أي أن الإنسان فردا أو مجتمعا أو دولة تتضاءل لديه فرص التقدم إذا قلّ أو انعدم المال لديه، وفي هذه الزاوية تحديدا تكمن أهمية توفّر عنصر المال في عمليات التخطيط والتنفيذ الإنتاجي في شتى المجالات والمشاريع.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (طريق التقدم):

(إن المال هو الركن الأساسي ـ بعد العلم والعمل ـ في تقدم الفرد والمجتمع، بل يمكن أن يقال إن المال (الاقتصاد) هو العمود الفقري في هيكلية التقدم).

قد يكون هذا هو السبب الأهم لحتمية الحصول على الأموال إلى درجة الثراء، فلا يمكن تحقيق الاقتصاد الرصين من دون المال، وهنا لابد من الاهتمام الكبير بمضاعفة الثروات، وجعلها هدفا لا يمكن إهماله، بل ورسم خرائط العمل المختلفة والصحيحة لتحقيق الثراء، كونه من الوسائل اللازمة، والحتمية لبناء اقتصاد الدولة والمجتمع والفرد أيضا.

ولكن هناك شرط لا ينبغي إغفاله مطلقا، ونحن نحثّ الخطى والعمل نحو تحصيل المال وجمع الثروات، وهذا الشرط ينطوي على شقّين مهمين وهما، الشق الأول أن نحصل هذه الثروات من مصادرها المشروعة، ونبتعد كل البعد عن الأساليب المنحرفة في جمع الأموال، مثل عقد الصفقات المشبوهة، أو التخادم المالي المريب، أو عبر غسيل الأموال أو السرقة أو الاختلاس، لأن مثل هذه الثروات المحصَّلة بهذه الأساليب لا يمكن أن تقود الناس إلى التقدم.

صرف الأموال ضمن دائرة الحلال

أما الشق الثاني والمهم أيضا، في حال جمع الثروة والأموال بالطرق والأساليب السليمة والمشروعة، فإن صرفها يجب أن يكون مشروعا أيضا، فلا فائدة في أموال نكسبها بالطرق المشروعة والصحيحة، ثم نعمل على هدرها بطرائق ليست مشروعة، لذا لابد أن يكون صرف هذه الأموال في دائرة الحلال حصرا، وعدم الزج بها في مشاريع مشبوهة أو محرمة.

لذا يذكرنا الإمام الشيرازي بهذه الشرود المهمة فيقول:

(من الأمور اللازمة والمهمة الاهتمام الشديد بالأموال والثروة (الاقتصاد)، والسعي الدؤوب لاكتسابها من مصادرها ومواردها المشروعة، وصرفها في الحلال، حيث نجد أن الإسلام قد أوصى بذلك، أي بالكسب الحلال، والصرف الحلال).

 نعم نحن نعلم وغيرنا يعلم كذلك ما هي مزايا المال والثروات، إنها ببساطة تحقق لكل من يمتلكها القوة الاقتصادية، بمعنى إن الدولة التي تمتلك أموالا وثروات طائلة بإمكانها أن تضع الأسس السليمة والقوية لبناء الاقتصاد المعافى والقوي، وهذا يفسر لنا قوة اقتصادات الدول التي تمتلك ثروات طبيعية هائلة حتى لو كانت لا تمتلك القاعدة العلمية والصناعية السليمة، فهناك دول في عصرنا هذا متخلفة فكريا وعلميا لكنها تمتلك اقتصادا قويا بالمال.

حتى على مستوى الأفراد، يمكن أن تنطبق هذه القاعدة، فالشخص الذي يمتلك ثروة كبيرة أقوى بكثير من الشخص الذي تفترسه مخالب الفقر، وهنا يمكننا أن نقارن بين قوة الغني وضعف الفقير اقتصاديا، وهذا يمكن أن نطبقه على الدول والمجتمعات.

أما على صعيد الدول، فإن الأمر الذي لا يختلف عليه اثنان، هو قدرة الاقتصاد القوي على صناعة وتأسيس بنية سياسية قوية أيضا، ولذلك غالبا ما تكون الدول الثرية (قوية الاقتصاد) مؤثرة في السياسات الإقليمية والدولية، ولها كلمتها ودورها في إدارة الأزمات والتحكم بطبيعة العلاقات بين الدول، وهذا يدل على أن الاقتصاد القوي يصنع بنية سياسية متينة.

حيث يقول الإمام الشيرازي: 

(في المال مزايا كثيرة منها تحقيق القوة الاقتصادية، فالإنسان إذا امتلك مالاً أكثر كان أقوى من الشخص الذي يملك مالاً أقل، ومن المعروف أن القوة الاقتصادية تنتج القوة السياسية).

أما بالنسبة للمسلمين، فإن توفر الثروات تعني قوة الاقتصادات، وبالتالي متانة القرارات السياسية على الصعيدين الدولي والإقليمي، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، بالإضافة إلى قدرة الدول الإسلامية على تشييد وبناء المشاريع الاقتصادية القوية، وكذلك امتلاك القدرة على إنجاز المشاريع ذات الفوائد الكبيرة والمتعددة، مثل المؤسسات ذات المنافع الاجتماعية، أو العلمية، أو الدينية، ومثل هذه المشاريع من المحال إنجازها دون وجود الأموال والثروات اللازمة.

الاستثمار الأسمى للأموال

وكما نعلم جميعا أن جميع المشاريع الاجتماعية المهمة، لا يُكتب لها الاستمرار والاستقرار والنجاح، إذا لم تتوفر لها الأموال المطلوبة أو الكافية، فنحن نعلم ماذا تتطلب المشاريع الخيرية والتنموية من أموال، ولا يمكن أن تنمو مثل هذه المشاريع المهمة من دون أن تتوفر لها الأموال، لهذا يُنظر إلى الثراء المشروع على أنه المقوم الأهم في تأسيس وبناء واستمرارية مثل هذه المشاريع المهمة للتنمية والتطوير والتقدم.

يقول الإمام الشيرازي:

(عندما تكون ثروة المسلمين أكثر، تكون قدرتهم على إنجاز المشاريع المفيدة، والمؤسسات الخيرية والاجتماعية النافعة أكثر، وهل من المعقول أن توجد هذه المشاريع وتنمو وتستمر بغير الأموال؟).

وهناك قضية أساسية تتعلق بوفرة الأموال والثراء أيضا، فهي بالإضافة إلى تمكين الدولة والمجتمع والأفراد من البناء المادي السليم، فإنها في نفس الوقت تساعد على بناء القوة المعنوية اللازمة للدول وللأفراد، لأن القوة المادية وحدها لا يمكن أن ترتقي بالدول ولا الأفراد، لهذا تكون الحاجة للجانب المعنوي كبيرة وحتمية أيضا.

لذا هناك درة كبيرة للمال على تحقيق الرفعة المعنوية للإنسان (فردا أو مجتمعا أو دولة)، فهناك جناحان تطير بهما الدول، وهما الجناح المادي (الثروات وأموال)، والثاني هو (الجناح المعنوي)، فكلاهما يرفعان الدول ويضعانها في طريق التقدم والتطور والاستقرار. 

كما يؤكد الإمام الشيرازي ذلك في قوله:

(إن المال يحقق القوة المعنوية، فكما يكون المال عوناً على الأمور المادية، كذلك يكون عوناً على الأمور المعنوية).

ولكن لابد من التنبيه إلى أن جمع المال وتحصيل الثروات بأية طريقة وبأي أسلوب أمر غير مقبول بشكل مطلق، بمعنى يجب أن تتحقق الثروة عبر الأساليب المشروعة حصرا، ولا فائدة من ثروات نجنيها من الحرام، لأنها لن تكون قادرة على النهوض بالدول ولا بالأفراد.

لهذا يتم التأكيد على شرعية سبل جمع الأموال والثروات، حتى تكون قادرة فعلا على النهوض بأصحابها، من هنا يأتي التأكيد القطعي على أهمية مشروعية الثراء، وعدم تحصيل الثروة من الحرام، لأنها ليست ذات فائدة لا للدول ولا للأفراد.

يقول الإمام الشيرازي عن ذلك:  

(ليس المراد من الاهتمام بالمال والعمل هو تحصيل الغنى وتكاثر الأموال بأية طريقة كانت، وبأي شكل سواء كان مشروعاً أو غير مشروع، بل المراد الحصول على المال عبر الطرق الشرعية، ومن ثم توظيفه في الجوانب المشروعة، ليعيش صاحبه حياة كريمة).

في الختام هناك مزايا كثيرة وكبير للثراء والغنى، والإمام الشيرازي يشجع الناس على تحصيل الثروات، ولكن في نفس الوقت يجب أن يقترن الثراء بالمشروعية، حتى يمكن للأفراد الأثرياء وللدول الغنية أن تستثمر أموالها (الحلال) بما يحقق لها التقدم والاستقرار والتنمية المستدامة، وهذا هو الهدف الأسمى من الثراء.

ذات صلة

مركز الفرات ناقش.. جيل زد وقيود الاقتصاد الريعي وفرص التحوّل الرقميفي فقه الاستماع والتحصين الإعلاميالعراق بين انسداد النخبة وتآكل الدولةالنظام السياسي العراقي.. فرص الإصلاح ومعوقات الاستقرارهل يمارس التنجيم دورًا استلابيًّا؟