في شهر رمضان: صِلَة الرحم، وثبات الخيرات، وكبج الشهوات

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

شبكة النبأ

2026-02-23 03:16

(يميل الناس إلى الشهوات غير النظيفة حين تُسد عليهم وتُغلق في وجوههم

أبواب الشهوات النظيفة) الإمام الشيرازي

يوصَف شهر رمضان بأنه شهر الخيرات، وفيه تُغَلُّ أيدي الشياطين، وتنحسر أعمال الشر بنسبة كبيرة، وهذه المؤشّرات ينطق بها الواقع، فجميع الإحصائيات التي تخص الأوضاع الاجتماعية، ونسب الجرائم والقضايا الشريرة تهبط نسبتها بمعدلات كبيرة، كما نلاحظ ذلك في تصريحات الدوائر الرسمية المعنية والشخصيات ذات المناصب الأمنية، والسبب الأهم هو كبح الشهوات غير المشروعة.

وهذا الهبوط الكبير في نسبة الجرائم، أو حتى المشادّات البينية بين الأفراد مع بعضهم، أو بين الجماعات، يشي بشكل واضح عن شيوع حالة الاستقرار النفسي العام، في شهر رمضان، ومع ذلك قد تظهر هنا أو هناك أعمال سيّئة وغير مقبولة تعود أسبابها إلى بعض النفوس الأمارة بالسوء، حيث يدخل الشيطان من هذه الثغرة ليزيد من حالات التشاجر والتغالب بين الشهوات، والسبب دائما ما يعود إلى النفوس الضعيفة التي توصَف بقلّة الإيمان.

لذا لابد لكل إنسان أن يستثمر حالة الإيمان والاستقرار التي تسود في المجتمعات والأفراد خلال شهر رمضان، والتي تعود أسبابها إلى تحجيم الأدوار الخبيثة للشياطين في استدراج النفوس نحو مدارج الشر، وإثارة الفتن وإشاعة المشاحنات التي لا تصبّ في صالح الجميع، وقد ثبت علميا أن الشيطان روح شريرة تتقمص دور الإغواء للنفوس المستعدة لإبداء الشرّ.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيِّم الموسوم بـ (الإسلام وشهر رمضان):

(إن أيدي الشياطين تُغَلّ في شهر رمضان، ولكن النفس الامارة بالسوء تعمل عملها، فإن فعل الإنسان فعلاً سيئاً فُكَّت الشياطين، والشيطان روح شريرة يعمل لإغواء الانسان، وقد ثبت في العلم الحديث وجوده علمياً).

وأيضا يوصَف هذا الشهر الكريم بأنه شهر الله، لهذا هو شهر مبارك، حيث تكون البركة موجودة بشكل واضح وكبير في هذا الشهر، بالإضافة إلى ثباتها على نحو مستدام، والرحمة هي العطف الإلهي على العباد، ودائما نلاحظ ذلك الاقتران الأزلي بين البركة والرحمة الإلهية.

شهر الغفران والرحمة والخيرات

هذا ما تتم ملاحظته من قبل الناس بوضوح، وهو ما يجعل من شهر رمضان مختلف عن سواه من الشهور في قضية البركة والرحمة، من خلال المغفرة التي تُفتَح أبوابها الواسعة في هذا الشهر الكريم، لهذا نجد الإنسان يسعى بجدية عالية وإصرار كبير لتحجيم الشهوات، وذلك للفوز بالمغفرة الإلهية في هذا الشهر كونه شهر الغفران والخيرات والرحمة.

حيث يقول الإمام الشيرازي: 

(البركة هي الثبات لأن خير شهر رمضان المبارك ثابت باقٍ، والرحمة تعني عطف الله على عباده بالإنعام، والمغفرة أي غفران الله ذنوب العباد).

وهناك ميزة رمضانية أخرى لابد أن يستثمرها الصائم، وهي تتعلق بقضية التواصل مع الأرحام، ومع الناس جميعا، وذلك لأن التواصل مع الآخرين بشكل عام يعود بفوائد هائلة على من يبادر بهذه الصفة والفعل الاجتماعي المفيد والمربِح، فمن يصل أرحامه، أخوته، أخواته، أقاربه بشكل عام، سوف تُفتَح له أبواب الرحمة بشكل واضح وكبير في هذا الشهر المبارك.

كما أن الفائدة الجمعية تظهر جلية في تقوية البنية الاجتماعية، حيث الناس جميعا والعوائل تتلاحم فيما بينها، في علاقات متوازنة تدفع بالناس نحو الشعور بالسعادة الحقيقة، وبالأمان، والتفاؤل بالخيرات، وهذا أحد الأسباب الأساسية التي تضاعف من قوة العلاقات الاجتماعية، وتزيد من متانة الحالات التعاونية بين الجميع، فيصبح المجتمع كتلة من التعاون والاستقرار، والشعور بالأمن والأمان، وهذا بعض ما تعكسه صِلة الرحم على المجتمع.

لهذه الأسباب هناك أحاديث وروايات شريفة لأهل البيت تؤكَّد بقوة على أهمية صلة الرحم، وتُظهِر فوائدها الكبيرة، الاجتماعية، والنفسية على الناس جميعا، فالإنسان الذي يصل أرحامه لن يخسر مطلقا، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (مَن أحَبَّ أنْ يُبْسَطَ له في رِزْقِهِ، ويُنْسَأَ له في أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)، وقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه).

كما أن صلة الرحم تدخل في باب الرحمة، وتزيد منها بين الأهل والأقارب وتنتشر في المجتمع كله، حيث يقول النبي صلى الله عليه وآله: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، فأبواب الرحمة كلها تنفتح في شهر رمضان الكريم. 

يقول الإمام الشيرازي:  

(صلة الرحم في شهر رمضان تفتح أبواب الرحمة، فصِلوا أرحامكم، حتى لو قطعوا الوصل بكم، والرحم، هو كل من يصدق عليه عرفاً انه رحم ولو كان بينهما وسائط كثيرة).

الفوز بالكرم الرباني العظيم

مما يتميز به هذا الشهر المبارك، أن الله تعالى يضاعف من أرزاق الناس في هذا الشهر، وهو أمر ملموس لمس الحواس، حيث يرى الناس أو يسمعون أو يشعرون بأن أحوالهم تتغيّر نحو الأفضل في شهر رمضان، ويشعرون بأن أرزاقهم تتيسّر وتزداد، فيملأ قلوبهم ونفوسهم شعور بالوفرة المزدوجة (المادية والمعنوية)، ويشملهم نوع من القناعة والشعور بالكتفاء.

ومن الأرزاق التي تتضاعف في هذا الشهر، رحمة الله التي لا تحدّها حدود بالناس، والكرم الذي يغدقه سبحانه على عباده، وذلك الإنعام الإلهي الذي يلامس القلوب والنفوس المؤمنة، وهو ما يعيشه الصائم ويشعر به أكثر مما يحدث في الشهور الأخرى، وهذه ميزة وهِبة ربّانية وهبها الله للمؤمنين في هذا الشهر الكريم.

فتجتمع ثلاثة أركان مفيدة للصائم يدفع بها الله تعالى لعباده، وهي (الرزق، والرحمة، والكرم)، وهي ترتقي كثيرا بالحالة النفسية للإنسان، فيعيش نوعا من الاستقرار والأمان النفسي والاجتماعي الكبير في هذا الشهر المبارك، وهي ظاهرة ينبغي تنميتها وتطويرها وتعميمها بين الناس، لأنها تفتح الطريق نحو بناء مجتمع ذي قناعات مهمة تؤسس لنوع من الاستقرار والتوازن الذي يفتح الطريق أمام بناء منظومة قيمية تنهض بالمجتمع والدولة معا.

حيث يؤكّد الإمام الشيرازي على هذه النقطة فيقول: 

(في شهر رمضان يزيد الله في أرزاق الناس بإسباغ رحمته أكثر عليهم ويكرمهم بالإنعام بما فوق الإنعام والرحمة في غيره من الشهور).

وهنالك ميزة أخرى من المزايا الرمضانية تتعلق بقضية العمل، فما يقدّمه الصائم في شهر رمضان من عمل، سوف يُقبل منه، في حين لا يُقبَل منه في شهر آخر، وهذه ميزة كبيرة لهذا الشهر الكريم حيث تُقبَل أعمال الناس التي لا يتم قبولها في شهر آخر، فأي شهر كريم، وأية رحمة إلهية يقدّمها للعباد.

لكل عمل شرائط للقبول أو الرفض الإلهي، لكن شرائط القبول هذه تُفقَد أو تنعدم أو تقلّ في شهر الله، ويأتي هذا نوعا من التيسير والتخفيف عن كاهل الصائم، الذي يواصل السير في طريق الاستقامة، آملا بالفوز برضوان الله تعالى، وهذا ينطبق على الدعاء أيضا، حيث يتم قبول الدعاء في هذا الشهر الكريم حتى لو غابت الاستجابة له في شهر آخر.

يقول الإمام الشيرازي:

(العمل في شهر رمضان يُقبَل بما لا يقبل مثله في شهر آخر حيث يفقد بعض شرائط القبول وكذلك الحال بالنسبة للدعاء).

وأخيرا ألا يصح لنا أن نطلق على شهر رمضان بأنه فرصة الإنسان لكي يفوز بكل هذه الامتيازات التي ترتفع به معنويا وماديا وحياتيا وأخرويا أيضا؟، نعم إن شهر رمضان فرصة عظيمة للتصحيح والفوز بالرحمة والرزق والكرم الإلهي المفتوح لمن يستحقه، لهذا لابد من السعي الدائم والصحيح لنا جميعا في تحجيم الشهوات الضارّة، لكي نستحق الفوز بالرزق والرحمة والكرم الرباني العظيم.

ذات صلة

لماذا ينسى الانسان نفسه؟مفاوضات مسقط.. مسار تفاوضي حقيقي ام تأجيل للحرب؟رفض النصيحة والغرور الاعمىتيودور أدورنو.. التربية ضد الإبادة العرقية والتطهير الدينيظلال الحرب