لماذا يُصاب بعض الناس بنزلات البرد بشدة، بينما يتعافى آخرون منها بسهولة؟

Time

2026-03-08 04:55

في مقال علمي نشرته مجلة التايم، تسلط الكاتبة فيرونيك غرينوود الضوء على لغز التباين الكبير في استجابة البشر لفيروسات الأنف المسببة للزكام العادي. يوضح المقال مستنداً إلى أبحاث حديثة على أنسجة مخبرية، أن الخطر الحقيقي لا يكمن في شراسة الفيروس نفسه، بل في "سرعة" استجابة الجهاز المناعي للمضيف. فبينما ينجح النظام المناعي السليم في إطلاق إشارات تحذيرية سريعة (الإنترفيرون) لمحاصرة الفيروس في مهده، تعاني الفئات الأضعف مثل مرضى الربو والانسداد الرئوي المزمن، من تأخر خطير في إطلاق هذه الإشارات. هذا التأخير، ولو لـ 24 ساعة فقط، يمنح الفيروس فرصة للتكاثر بشكل مضاعف، مما يؤدي لاحقاً إلى استجابة التهابية مدمرة، وهو ما يفتح الباب مستقبلاً لتطوير أدوية مستهدفة أو لقاحات شاملة لحماية هذه الفئات.

السر في الجهاز المناعي

يُعرف العلم الحديث أكثر من 170 سلالة مختلفة من فيروسات الأنف (Rhinoviruses)، وهي المسببات الرئيسية والأكثر شيوعاً لنزلات البرد العادية. هذه الكائنات المجهرية الدقيقة تتواجد بكثرة في الممرات الأنفية للأشخاص من حولك في كل مكان. وفي حين أن عدوى فيروسات الأنف تميل في الغالب إلى التسبب في إفرازات مخاطية مزعجة، واحتقان، وشعور عام بالوهن والشعور بالضيق لعدة أيام، إلا أنها في أحيان كثيرة أخرى قد تتسلل إلى الجسم وتغادره دون أن تتسبب في ظهور أي أعراض ملحوظة على الإطلاق، بفضل الكفاءة العالية لجهاز المناعة.

ولكن، إذا كانت فيروسات الأنف تُعتبر حميدة نسبياً ولا تشكل خطراً يذكر على الغالبية العظمى من البشر، فإن الصورة تتغير جذرياً لدى فئة أخرى؛ حيث يمكن أن تتحول هذه العدوى البسيطة إلى تهديد حقيقي ومميت.

لقد كشفت العقود القليلة الماضية، مدعومة بأبحاث طبية مكثفة، أن عدوى فيروسات الأنف تقف وراء عدد هائل ومفزع من نوبات الربو الحادة. وبالنسبة للأشخاص الذين يعانون من مرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD)، تُعد هذه الفيروسات أحد الأسباب الرئيسية والمباشرة لانتكاسات المرض وتفاقم حالته، مما يؤدي إلى حدوث نوبات شديدة من ضيق التنفس، وتهيج المجاري التنفسية، وسعال مستمر وقاسٍ يمكن أن يتدهور بسرعة ليصبح حالة طبية طارئة وخطيرة على الحياة إذا تُرك دون علاج طبي سريع وفعال.

لغز الاستجابة: الخلل في المضيف وليس في الفيروس

يبدو أن التباين الشاسع في شدة الأعراض بين شخص وآخر لا يعود إلى طبيعة الفيروس ذاته أو شراسته، بل إلى البيئة البيولوجية التي يستهدفها. يوضح أران سينغانايغام، وهو طبيب وعالم متخصص في دراسة أمراض الجهاز التنفسي في إمبريال كوليدج لندن: "لقد أصبح من الواضح جداً الآن، وبشكل لا يقبل الشك، أنك إذا قمت بتعريض شخص يعاني من الربو أو مرض الانسداد الرئوي المزمن لفيروس الأنف، ثم قمت بإعطاء نفس الجرعة الفيروسية الدقيقة لشخص يتمتع بصحة جيدة، فإن الاستجابة الفسيولوجية والمناعية ستكون مختلفة تماماً وبشكل جذري".

للحصول على فهم أعمق وأدق للآليات الخلوية التي تقف وراء هذه الظاهرة، لجأ العلماء إلى استخدام نماذج مخبرية متطورة تتمثل في أنسجة أنفية بشرية تمت زراعتها في أطباق بتري (خارج الجسم الحي)، والتي تم تعريضها عمداً لعدوى فيروس الأنف. والآن، وفي ورقة بحثية جديدة ومهمة نُشرت في مجلة *Cell Press Blue* العلمية المرموقة، أشار الباحثون إلى اكتشاف محوري: إذا فشلت خطوط الدفاع الأولى للأنسجة (والتي تتمثل في المناعة الفطرية الموضعية) في التصدي السريع للفيروس، فإن ما كان يمكن أن يكون مجرد عدوى خفيفة وعابرة سوف يتفاقم ويخرج تماماً عن السيطرة.

 هذا الاكتشاف يؤكد، وبناءً على بيانات دقيقة مأخوذة من خلايا فردية، أن الاختلافات الجوهرية في كفاءة وسرعة استجابة الجهاز المناعي للمضيف —وليس سلوك الفيروس أو طفراته— هي المحرك الأساسي وراء هذه التأثيرات المتباينة.

تأخير كارثي: عندما يفشل جرس الإنذار الخلوي

تقول إيلين فوكسمان، أستاذة علم الأحياء المناعي في كلية الطب بجامعة ييل وإحدى المؤلفات الرئيسيات للدراسة الجديدة، واصفةً ما يحدث عند إصابة الأنسجة المزروعة مخبرياً بالزكام: "في بداية العدوى، لا تُصاب فعلياً سوى حفنة صغيرة جداً من الخلايا بالفيروس". وتضيف: "نحن نرى هنا نمطاً مشابهاً جداً لما قد تلاحظه غالباً لدى شخص مصاب بنزلة برد خفيفة أو غير مصحوبة بأعراض؛ حيث لم تُصب بالعدوى سوى حوالي 1% فقط من إجمالي الخلايا في النسيج".

ومع ذلك، وعلى الرغم من محدودية العدوى، فإن جميع الخلايا المجاورة في النسيج تغير سلوكها بشكل فوري. كيف يحدث ذلك؟ تقوم الخلايا المصابة بإفراز جزيئات بروتينية دقيقة تُعرف باسم "الإنترفيرونات" (Interferons). تعمل هذه الجزيئات كإشارات تحذيرية حيوية، أو نداء استغاثة، لخلاياها المجاورة، مما يحفزها على الاستعداد وتفعيل ترسانتها ودفاعاتها القوية المضادة للفيروسات قبل وصول الغازي إليها. ونتيجة لهذه الاستجابة المنسقة والسريعة، يُحرم الفيروس من فرصة التكاثر ولا يتمكن من الانتشار والتوغل إلى ما بعد الخلايا الأولى التي أصابها.

ولكن، ماذا يحدث لو لم تنطلق إشارة الإنترفيرون التحذيرية هذه؟

هذا هو السؤال الجوهري الذي طرحته فوكسمان وزملاؤها. للإجابة عليه، قاموا باستخدام عقار طبي متخصص لمنع إرسال هذه الإشارات التحذيرية وعرقلة مسار الإنترفيرون، ثم راقبوا التطورات. أمام أعينهم، تكشف مشهد مختلف تماماً وأكثر عنفاً؛ بدأت الأنسجة في إفراز المخاط بغزارة، ووجدوا أن الخلايا قد بدأت في إنتاج جزيئات وإشارات كيميائية تهدف إلى إثارة استجابة التهابية عارمة.

توضح فوكسمان قائلة: "هذا بالضبط ما تراه يحدث داخل الممرات الهوائية للأشخاص المصابين بنزلة برد شديدة، أو أولئك الذين يعانون من نوبات الربو أو تفاقم مرض الانسداد الرئوي المزمن، أنت ترى إنتاجاً مفرطاً وغير منضبط للمخاط، وترى تلك الخلايا المناعية الالتهابية تندفع بكثافة نحو الرئتين مسببة تضرراً وتورماً في الأنسجة".

وتتابع مؤكدة على العامل الحاسم: "إن التوقيت هو كل شيء، وهو ما يصنع الفارق. إذا تأخرت تلك الاستجابة المناعية الأولية لفترة كافية تسمح للفيروس بالتكاثر بحرية وتضخيم أعداده لدرجة تكفي لتحفيز مسارات التهابية أخرى، ففي تلك اللحظة تحديداً ستبدأ الأعراض الشديدة والمدمرة في الظهور".

يتفق هذا الاستنتاج حول أهمية عامل "التأخير" تماماً مع ما تمت ملاحظته وتوثيقه في دراسات علمية سابقة، كما يشير ناثان بارتليت، الأستاذ في جامعة نيوكاسل في أستراليا ومعهد هانتر للأبحاث الطبية، والذي يكرس أبحاثه لدراسة فيروسات الأنف. يقول بارتليت: "لقد اكتشفنا في تجاربنا أنك إذا أخذت خلايا من مجرى هوائي تعرض لالتهاب مزمن ومستمر (كما هو الحال في أمراض الرئة المزمنة)، فإن هناك حالة من فقدان الحساسية أو 'التبلد المناعي'". ويضيف: "هذه الخلايا المنهكة تستغرق وقتاً أطول قليلاً لإدراك وجود عدوى فعلية. وبالتالي، هناك تأخير واضح في الاستجابة، وقد لاحظنا أن هذا التأخير يقدر بحوالي 24 ساعة".

بالنسبة لفيروس سريع التكاثر مثل فيروس الأنف، يُعد هذا التأخير بمثابة كارثة بيولوجية؛ فتأخير مدته 24 ساعة يعني أن الفيروس يمتلك الوقت الكافي لمضاعفة أعداده بشكل أسي متكرر قبل أن تتلقى الخلايا المجاورة الرسالة التحذيرية. وعندما تستجيب الخلايا متأخرة أخيراً، يكون الفيروس قد شكل جيشاً ضخماً، ويكون هناك عبء فيروسي هائل يجب محاربته، مما يجعل الآثار الناجمة عن هذه المعركة المتأخرة —والتي تتمثل في الاستجابة الالتهابية المفرطة— أكثر تدميراً وإيذاءً لأنسجة الجهاز التنفسي.

نظرة نحو المستقبل: استراتيجيات العلاج والوقاية الشاملة

من الجدير بالذكر أن هذه الدراسة الجديدة والرائدة قد شملت فقط مجموعة فرعية محددة من خلايا الأنف؛ فالأنسجة المزروعة في المختبر كانت تفتقر إلى شبكة الخلايا المناعية المتخصصة (مثل الخلايا التائية والبائية والبلاعم)، والتي عادة ما يتم استدعاؤها للتدخل عندما يكتشف أنف بشري سليم وجود فيروس ويتصل بباقي أجهزة الجسم. ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذه الدراسة تكمن في قدرتها على تحديد ورسم خريطة دقيقة للإشارات الخلوية التي تنطلق عندما يغيب خط الدفاع الأول. وتأمل فوكسمان أن تُسهم هذه الاكتشافات في توفير أهداف بيولوجية دقيقة لتطوير أدوية جديدة قادرة على منع التفاعلات الالتهابية الخطيرة والمميتة الناتجة عن فيروسات الأنف.

التحدي الزمني في العلاج

إن نافذة التدخل الطبي لإيقاف العملية الالتهابية الجامحة التي تبدو وكأنها تنطلق بقوة في غياب الإشارات المناعية الطبيعية، هي نافذة ضيقة جداً ومحدودة بالوقت. لذلك، يتوقع بارتليت أن النهج الأكثر منطقية وفعالية قد يتمثل في التفكير في علاج وقائي أكثر شمولية، أو ربما العمل على تطوير لقاح مبتكر يمكن أن يوفر حماية استباقية للأشخاص الأكثر ضعفاً وعرضة للخطر (مثل مرضى الربو و COPD) قبل ظهور المضاعفات من الأساس.

يقول بارتليت بتفاؤل حذر: "لقد اطلعت مؤخراً على عدد من الأوراق البحثية والمقالات العلمية التي تتحدث بجدية عن تطوير 'لقاحات شاملة' (Universal Vaccines)". هذه اللقاحات المستقبلية قد لا تستهدف سلالة واحدة بعينها، بل تُصمم لتحفيز الجهاز المناعي الفطري لتوفير حماية واسعة النطاق ضد الفيروسات بمختلف أنواعها. وإذا تم بالفعل نقل مثل هذا اللقاح الشامل من المختبرات إلى العيادات الطبية، فإن العلماء سيترقبون باهتمام بالغ لمعرفة مدى فعاليته وتأثيره الحقيقي في مواجهة فيروسات الأنف الماكرة.

ويختتم بارتليت حديثه قائلاً: "بفضل هذه الرؤى، يمكننا الآن إدراج فيروس الأنف بقوة في محادثات اللقاحات الشاملة، لأنه من المحتمل جداً أن يكون هو الفيروس الذي سنواجهه ونتعامل معه في حياتنا اليومية أكثر من أي فيروس آخر. لذا، من الأفضل أن نبدأ في التفكير بجدية في كيفية ترويضه والتصدي له منذ الآن".

ذات صلة

الإسراء والمعراج في منظور شمولي للعقيدة والتربيةتعزيز الحكم الديمقراطي بإصلاح النظام الحزبي في العراقمشروعية استخدام القوة لتغيير النظام الايرانيرمضان لا يسأل كم قرأت إنما ماذا غيرتأخيراً.. قالها القاضي مشكوراً