أسباب فشل الدولة

شبكة النبأ

2026-05-06 02:47

يتناول هذا المقال أسباب فشل الدولة من خلال قراءة في كتاب «الدولة نظريًّا وعمليًّا» للمفكر السياسي البريطاني هارولد ج. لاسكي، الصادر أصله باللغة الإنجليزية عام 1934 بعنوان *The State in Theory and Practice*، ثم تُرجم إلى العربية عام 1961. ويهدف الكتاب إلى استكشاف طبيعة الدولة الحديثة من خلال تاريخها ووظائفها وعلاقتها بالمجتمع، مع محاولة بناء نظرية للدولة أكثر اتصالًا بالواقع من النظريات الكلاسيكية المجردة.

أما هارولد ج. لاسكي فهو أحد أبرز مفكري السياسة في القرن العشرين، عُرف باهتمامه بقضايا الدولة والسلطة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وفي هذا الكتاب ينظر لاسكي إلى الدولة لا بوصفها كيانًا مقدسًا يفرض الطاعة لمجرد امتلاكه السيادة، بل بوصفها مؤسسة عملية تُقاس شرعيتها بما تحققه للناس من أمن وحرية وعدالة وإشباع لحاجاتهم. ومن هذا المنطلق، فإن فشل الدولة يبدأ عندما تنفصل السلطة عن غايتها الأخلاقية، أو تتحول الحكومة إلى أداة لخدمة فئة محددة، أو يعجز القانون عن التعبير عن العدالة، أو تفقد الدولة ثقة مواطنيها ورضاهم.

المقدمة

ليست الدولة، في نظر هارولد ج. لاسكي، كيانًا مقدسًا يكتسب شرعيته لمجرد وجوده، ولا سلطةً تعلو على المجتمع بلا شرط، بل هي مؤسسة تاريخية عملية تُقاس قيمتها بما تحققه للناس من أمن وحرية وعدالة وإشباعٍ لحاجاتهم الأساسية. فالكتاب ينطلق من سؤال جوهري: لماذا يطيع المواطنون الدولة؟ والإجابة التي تتكرر في ثنايا النص أن الطاعة لا تُمنح للدولة بوصفها قوة قاهرة فحسب، بل تُمنح لها لأن المواطنين يتوقعون منها أن تهيئ لهم شروط الحياة الكريمة. فإذا عجزت عن ذلك، أو تحولت سلطتها إلى أداة لخدمة فئة دون أخرى، بدأ أساسها الأخلاقي والسياسي في التآكل. وقد أوضح لاسكي أن الناس «يقومون بتقدير قيمة الدولة من زاوية موجبات الرضا التي يعتقدون أنها تتيحها لهم»، وأن الدولة في نظر المواطن تتحدد «بما تقوم به من أعمال» لا بما تدعيه من أهداف فلسفية مجردة.

من هنا يمكن القول إن فشل الدولة ليس حدثًا مفاجئًا، بل مسار تراكمي يبدأ عندما تفقد الدولة قدرتها على الجمع بين السلطة والرضا، وبين القانون والعدالة، وبين القوة والمشروعية. فالدولة قد تملك الجيش والقانون والجهاز الإداري، لكنها تفشل إذا لم تعد هذه الأدوات قادرة على إقناع المواطنين بأنها تعمل لمصلحتهم العامة. وهذا المعنى ينسجم مع تعريف الكتاب لطبيعة الدولة الحديثة؛ فهو كتاب يسعى إلى استكشاف الدولة لا بوصفها فكرة مثالية، بل بوصفها نظامًا تاريخيًّا تُختبر قيمته في الواقع العملي.

أولًا: فشل الدولة حين تنفصل السلطة عن الغاية الأخلاقية

يرى لاسكي أن السلطة الإلزامية ليست شرعية بذاتها، بل تكتسب معناها من الغايات التي تخدمها. فالدولة نشأت، في التصور الفلسفي والسياسي، لكي تخلق الشروط التي يستطيع الأفراد من خلالها تحقيق ذواتهم والعيش بأمان وكرامة. لذلك لا يمكن الدفاع عن احتكار الدولة للقوة إذا انفصل هذا الاحتكار عن أهدافه الإنسانية. إن الدولة، كما يعرض لاسكي، لا تُطاع فقط لأنها تملك حق إصدار الأوامر، بل لأن الناس يعتقدون أن طاعتها تقود إلى نظام يحقق لهم قدرًا من الرضا والاستقرار. فإذا تحولت السلطة إلى غاية مستقلة، وأصبح الحفاظ على النظام أهم من مضمون هذا النظام، بدأت الدولة تفشل من الداخل.

ويتضح هذا الخلل عندما تخلط الدولة بين الشرعية الشكلية والشرعية الأخلاقية. فقد يكون القانون صادرًا من سلطة مختصة، لكنه قد يكون ظالمًا أو منحازًا أو غير قادر على تحقيق الصالح العام. ومن أخطر أسباب فشل الدولة أن تظن أن طاعة الناس واجبة لمجرد أن القانون قانون، لا لأنه عادل أو مفيد أو متصل بحاجاتهم. فالكتاب يميز بين الدولة كقوة منظمة وبين الدولة كوسيلة لتحقيق الحياة الصالحة؛ وإذا فقدت الدولة بعدها الثاني، بقيت قوة عارية، قابلة للمقاومة والانهيار.

هذا الفشل الأخلاقي يظهر بوضوح حين تفرض الدولة الطاعة باسم السيادة، لكنها لا تقدم تفسيرًا عقلانيًّا للتمييز أو الحرمان أو القمع. فلاسكي يؤكد أن الدولة ينبغي أن تهدف إلى تحقيق رغبات المواطنين بأقصى ما يمكن، وعلى قدم المساواة، ولا يجوز لها أن تميّز بين المواطنين إلا إذا استطاعت أن تبرهن أن هذا التمييز يخدم في النهاية مصلحة الجميع. فإذا لم تقدم هذا البرهان، فإنها تكشف أن سلطتها لا تعمل للصالح العام، بل لصالح الذين يمارسون السلطة أو ينتفعون منها.

ثانيًا: فشل الدولة حين تعجز الحكومة عن تمثيل أغراض الدولة

يميز لاسكي بين الدولة والحكومة. فالدولة أوسع من الحكومة، والحكومة ليست إلا الجهاز الذي ينفذ أغراض الدولة. غير أن هذا التمييز، وإن كان مهمًّا من الناحية النظرية، يتضاءل في نظر المواطن العادي؛ لأن المواطن لا يختبر الدولة إلا من خلال أعمال الحكومة. فإذا ظلمت الحكومة، أو أساءت استخدام السلطة، أو عجزت عن إدارة الأزمات، فإن فشلها يُنسب عمليًّا إلى الدولة نفسها. ولهذا يقول لاسكي إن «كل عمل تقوم به الدولة هو في الحقيقة عمل حكومي»، وإن الدولة في الواقع الملموس لا تتصرف بذاتها، بل يتصرف باسمها أولئك الذين يحددون سياستها.

ومن هنا ينشأ سبب مركزي لفشل الدولة: عندما تتحول الحكومة من وكيل عن الدولة إلى مالك فعلي لها. ففي الدولة السليمة، توجد حدود لسلطة الحكومة، وتوجد آليات لمحاسبتها، مثل الدساتير، والفصل بين السلطات، وحقوق الأفراد، وإمكانية تغيير الحكام. أما عندما تتجاوز الحكومة هذه الحدود، وتطابق إرادتها الخاصة مع إرادة الدولة، فإنها تنقل الدولة من الشرعية إلى الاستبداد. والفشل هنا لا يكون إداريًّا فقط، بل بنيويًّا؛ لأن المواطن يفقد الوسيلة السلمية لتصحيح الخطأ.

يشرح لاسكي أن وسائل الحد من سلطة الحكومة ليست ترفًا دستوريًّا، بل هي نتاج خبرة تاريخية هدفها منع إساءة استخدام السلطة. فكل حكومة تتكون من أشخاص غير معصومين من الخطأ، وقد يستغلون سلطتهم لمصالحهم الخاصة، أو يخلطون بين مصلحة فئة محدودة ورفاهية المجتمع كله، أو يجهلون تعقيدات الموقف الذي يواجهونه. وبذلك تفشل الدولة عندما لا تملك نظامًا يسمح بتصحيح أخطاء الحكومة، أو عندما تجعل نقد الحكومة عداءً للدولة، أو عندما تغلق الطريق أمام تداول السلطة.

ثالثًا: فشل الدولة حين تفقد الرضا الشعبي وتلجأ إلى القوة وحدها

القوة شرط لبقاء الدولة، لكنها ليست كافية لنجاحها. فالدولة تحتاج إلى سلطة إلزامية موحدة، وإلى قوات مسلحة قادرة على فرض القانون، لأن غياب هذه السلطة قد يؤدي إلى الفوضى وتنازع مراكز القوة. غير أن الاعتماد على القوة وحدها يحوّل الدولة إلى جهاز قهر. ويبين لاسكي أن الدولة تعتمد في النهاية على قدرة الحكومة على ممارسة السلطة الإلزامية بمهارة، لكنها تكون أكثر استقرارًا عندما تتلاقى وجهات نظر المواطنين حول أهدافها؛ ففي هذه الحالة تتوارى الناحية الإلزامية ولا تظهر إلا في الحدود الضرورية.

أما في الفترات العصيبة، فتظهر حقيقة القوة بوضوح: إذا قاومت فئات واسعة أهداف الحكومة، فعلى الدولة إما أن تغير أهدافها، أو تستخدم القوة لقمع المقاومة. وهنا تدخل الدولة منطقة الخطر. فكلما زادت حاجتها إلى الإكراه، دلّ ذلك على ضعف الرضا الذي تستند إليه. ولا يعني هذا أن كل مقاومة للدولة عادلة، لكنه يعني أن توسع المقاومة السياسية والاجتماعية علامة على أن الدولة لم تعد قادرة على إقناع الناس بشرعية أعمالها.

ويشير لاسكي إلى أن الحكومة التي لا تستطيع الاعتماد على الجيش عند الأزمات تفقد جوهر السلطة الإلزامية، وأن القوات المسلحة هي في حالات كثيرة جوهر السيادة الواقعية. لكن هذه الحقيقة تكشف وجهًا آخر للفشل: فإذا أصبح بقاء الدولة معتمدًا فقط على ولاء الجيش لا على ولاء المواطنين، أصبحت الدولة هشة أخلاقيًّا وإن بدت قوية عسكريًّا. فالقوة تستطيع تأجيل الانهيار، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج ولاء دائم.

رابعًا: فشل الدولة حين تعجز عن إشباع الحاجات الأساسية

يضع لاسكي الحاجات الإنسانية في قلب نظرية الدولة. فالمجتمع، في تعريفه، هو مجموعة من الأفراد يعيشون معًا ويعملون لسد احتياجاتهم، وأول هذه الاحتياجات ذات طبيعة اقتصادية، لأن الناس لا يستطيعون عيش حياة سعيدة إذا عجزوا عن كسب معاشهم. ومن ثم فإن فشل الدولة يبدأ عندما تعجز عن ضمان حد معقول من الأمن الاقتصادي والاجتماعي. فالجوع والبطالة والحرمان ليست مشكلات اجتماعية منعزلة، بل هي عوامل مباشرة في إضعاف شرعية الدولة.

والدولة الحديثة، كما يعرضها الكتاب، لم تعد حارسة للأمن فقط، بل أصبحت تتدخل في مجالات واسعة: الدفاع، الأمن الداخلي، الصناعة، التعليم، التأمين ضد المرض والبطالة، البحث العلمي، العملة، الضرائب، المحاكم، والتنظيم الاجتماعي. وهذا الاتساع يجعل المواطن الحديث معرضًا لاختصاص الدولة في كل حركة من حياته تقريبًا. لذلك يتضاعف خطر الفشل؛ فكلما اتسعت وظائف الدولة، زادت توقعات المواطنين منها، وزادت مسؤوليتها عن نتائج السياسات العامة.

وعندما لا تلبي الدولة هذه التوقعات، تتحول الشكوى الفردية إلى احتجاج جماعي. يوضح لاسكي أن خبرة الناس تولد لديهم مقياسًا للمطالب الضرورية، وأنهم ينتظرون من الدولة تهيئة هذا المستوى. فإذا فشلت الدولة، رفع الناس شكواهم إلى المسؤولين؛ فإن وُجدت آذان صاغية، بقي الأمل في الإصلاح، أما إذا أُهملت الشكوى أو قوبلت بالقمع، فإنها تتحول إلى مذهب أو حزب أو مؤامرة تسعى إلى تغيير المبادئ القانونية التي تمنع إشباع الاحتياجات. وهنا يتحول الفشل المعيشي إلى أزمة سياسية.

خامسًا: فشل الدولة بسبب عدم المساواة والتحيز الطبقي

من أبرز أسباب فشل الدولة في تحليل لاسكي أن تصبح السلطة العامة أداة في يد طبقة أو فئة اجتماعية. فالكتاب ينتقد الدولة التي تدعي تمثيل الجميع بينما تستخدم سلطتها لحماية مصالح خاصة. فإذا رأت فئة واسعة من المواطنين أن الدولة لا توزع فوائد السلطة بالتساوي، وأن القانون يعمل لمصلحة أصحاب الامتياز، فإن ولاءها يضعف، ويظهر الشعور بأن الدولة ليست حكمًا عامًا بل جهازًا منحازًا.

يؤكد لاسكي أن الدولة يجب أن توزع فوائد ممارسة السلطة على المواطنين بالتساوي، وأن أي تمييز يحتاج إلى تبرير عقلاني يثبت أن المتضررين منه سيستفيدون في النهاية. أما إذا غاب هذا التبرير، فإن التحيز يصبح ظاهرًا في أعمال الدولة. ويضرب الكتاب أمثلة تاريخية على تبرير العبودية، وإقصاء اليهود، وحماية الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، ليبين أن المستفيدين من الامتياز غالبًا ما يصوغون مصالحهم الخاصة في صورة مبادئ عامة.

ويزداد الفشل عندما تسيطر طبقة على سلطان الدولة وترفض التنازل عن امتيازاتها. فلاسكي يرى أن الطبقة المهيمنة لن تفرط في سيطرتها إذا كان ذلك يعني خسارة امتيازات جوهرية؛ وقد تقبل الإصلاح فقط عندما تطمئن إلى أنه لا يمس أساس قوتها، أما إذا شعرت بأن الإصلاح يهدد وجودها، فإنها تقاومه بكل قوة. ومن هنا تولد الأزمات الثورية: فالدولة التي تمنع الإصلاح الحقيقي دفاعًا عن الامتياز، تدفع المجتمع نحو الصدام.

سادسًا: فشل الدولة حين تختنق المشاركة السياسية

لا تنجح الدولة بمجرد امتلاكها جهازًا إداريًّا قويًّا، بل تحتاج إلى مشاركة المواطنين في تشكيل القرار العام. فالسياسة الحكيمة، في نظر لاسكي، هي نتيجة انعكاس التجربة الاجتماعية داخل مؤسسات الحكم. وإذا حُرم الناس من التعبير عن تجاربهم، فقدت الدولة المادة الضرورية لصناعة السياسات الرشيدة. ولهذا يرى أن الدولة التي لا تسمح بالنقد تحرم نفسها من الاتصال بعقول رعاياها.

الدكتاتورية، في هذا السياق، ليست فشلًا أخلاقيًّا فقط، بل فشل معرفي كذلك. فهي تمنع انتقال الخبرة الحقيقية من المجتمع إلى الدولة، وتستبدل بها تقارير الطاعة وخطابات الولاء. وبذلك تصبح الدولة عاجزة عن رؤية الأزمات قبل انفجارها. وقد أشار لاسكي إلى أن الدول التي لا تتيح فرصة النقد تجعل استخدام القوة مبررًا دائمًا، بينما الديمقراطية الدستورية تتيح للمعارضين فرصة الوصول إلى السلطة بعد انتهاء الفترة المحددة، فتخفف من الحاجة إلى الإكراه.

وحين تسحب الدولة حق النقد، وحق الإضراب، وحرية الأحزاب، وحق المنتخبين في تغيير الحكومة، فإنها لا تقضي على المعارضة فحسب، بل تقضي على آليات التصحيح الذاتي. وقد عرض الكتاب الفاشية بوصفها نموذجًا لإخماد الأحزاب السياسية، وإنهاء النقابات الحرة، وتقييد الأجور، وإنكار النقد، وسحب القدرة الديمقراطية على تغيير الحكومة. وهذه كلها مؤشرات على دولة تخاف المجتمع بدل أن تستند إليه.

سابعًا: فشل الدولة حين تنفصل الديمقراطية عن العدالة الاجتماعية

لا يكفي أن تمتلك الدولة مؤسسات ديمقراطية شكلية إذا كانت عاجزة عن تحقيق حد من العدالة الاجتماعية. فالديمقراطية تحتاج إلى شروط اقتصادية واجتماعية تساعدها على البقاء. وإذا نشأ نظام ديمقراطي في ظل فقر واسع، أو بطالة، أو خسائر اجتماعية قاسية، فقد تربط بعض الطبقات بين معاناتها وبين الديمقراطية نفسها، فتتحول ضدها. وهنا تفشل الدولة لا لأن الديمقراطية خطأ، بل لأن الديمقراطية لم تُسند بسياسات قادرة على حماية الناس من الإحباط واليأس.

يشير لاسكي إلى أن سقوط الدكتاتورية لا يؤدي تلقائيًّا إلى الديمقراطية؛ لأن الحكم الاستبدادي يقضي على عادات التسوية والتعاون التي تحتاج إليها الديمقراطية لكي تنجح. وحتى إذا أضيف فصل ديمقراطي إلى المشهد السياسي، كما حدث في بعض التجارب الأوروبية التي ناقشها، فإن استمرار الديمقراطية يتطلب رخاءً يسمح بإصلاحات كبرى دون إلحاق ضرر جسيم بالآمال الاجتماعية. فإذا غاب هذا الشرط، تذمرت الطبقات التي تدفع ثمن الإصلاح، وربطت خسارتها بالنظام الديمقراطي.

إذن تفشل الدولة عندما تترك الديمقراطية بلا مضمون اجتماعي، أو عندما تجعل الحرية السياسية عاجزة عن معالجة البؤس الاقتصادي. فالمواطن لا يكتفي بحق التصويت إذا كان يشعر أن حياته الفعلية لا تتحسن، وأن السلطة الاقتصادية أقوى من إرادته السياسية. ولذلك يربط لاسكي الاستقرار السياسي بالعوامل الاقتصادية، ويرى أن الحديث عن الاستقرار دون معالجة الاقتصاد يدور في حلقة مفرغة.

ثامنًا: فشل الدولة حين تتحول الأيديولوجيا إلى غطاء للعجز

من أسباب فشل الدولة أيضًا اعتمادها على خطاب أيديولوجي كبير يخفي عجزها العملي. فقد ترفع الدولة شعارات الأمة، أو النظام، أو الحرية، أو العدالة، لكنها تفشل إذا لم تُترجم هذه الشعارات إلى سياسات ملموسة. ويبدو لاسكي حذرًا من النظريات التي تجعل الدولة مثالية في الخطاب، ثم تغض الطرف عن سلوكها الواقعي. فهو ينتقد النظرية التي تحاكم الدولة بمعيار ما تزعم أنها تريده، لا بما تفعله فعليًّا.

في هذا السياق، يعرض الكتاب كيف استخدمت بعض الأنظمة الفاشية عبارات رنانة عن الدولة المطلقة والخير الاجتماعي، بينما بقيت الأسس الاقتصادية والاجتماعية التي تخدم فئات بعينها كما هي. فالدولة قد تغير شكل الحكم، وتستبدل الديمقراطية بالدكتاتورية، لكنها لا تعالج بالضرورة التناقضات الاجتماعية التي صنعت الأزمة. وعندئذ تصبح الأيديولوجيا أداة لإخفاء القصور لا لعلاجه.

ويحذر لاسكي من أن الأفكار السياسية لا تُحاكم بنواياها الأصلية، بل بما تؤول إليه في العمل. فإذا ادعت الدولة أنها تمثل الصالح العام، لكنها في الواقع تحمي مصالح طبقة أو تمنع النقد أو تخفض الأجور أو تقمع التنظيمات، فإن حقيقتها تكمن في هذه الممارسات لا في خطابها. لذلك تفشل الدولة عندما تستبدل الإصلاح بالدعاية، وتظن أن البلاغة السياسية تستطيع أن تحل محل العدالة.

تاسعًا: فشل الدولة حين يتدهور الاتحاد السياسي والولاء العام

الدولة الناجحة ليست مجرد حدود وجيش وقوانين، بل اتحاد سياسي يشعر فيه المواطنون بأنهم شركاء في مصير عام. وهذا الاتحاد يتدهور حين يشعر الناس بأن أهداف الدولة لا تتحقق، أو أنها تتحقق لفئة دون أخرى. يقرر لاسكي أن اتحاد الدولة في التاريخ يتدهور عندما يبتعد عن مفهوم الاتحاد الحقيقي، وتفتر حرارة الولاء لأن الأهداف المعلنة لم تتحقق بعد، ولأن المتأثرين بأعمال الدولة لا يستطيعون الاعتراف بصحتها.

هذا يعني أن الولاء ليس مخزونًا ثابتًا، بل رصيد يتآكل أو يتجدد. يتجدد حين يشعر المواطن أن الدولة تسمعه، وتحميه، وتعامله بإنصاف، وتمنحه فرصة المشاركة. ويتآكل حين يشعر أن الدولة تكذب عليه، أو تقمعه، أو تستخدمه، أو تحمي الأقوياء ضده. فالفشل يبدأ نفسيًّا وأخلاقيًّا قبل أن يصبح سياسيًّا؛ يبدأ حين يتغير سؤال المواطن من: كيف أصلح دولتي؟ إلى: لماذا أطيعها أصلًا؟

وحين تفقد الدولة هذا الاتحاد، قد يظهر اتحاد جديد بديل، كما يحدث في الثورات أو الحركات الراديكالية. فالناس لا يثورون غالبًا لمجرد حب الفوضى، بل لأنهم يعتقدون أن الدولة القائمة عجزت عن تحقيق أمانيهم المشروعة. وقد أشار لاسكي إلى أن الدولة القيصرية وجمهورية فيمار سقطتا لأن جماعات وازنة اقتنعت بعجزهما عن كفالة ظروف الحياة الخيرة. وهذا لا يعني أن البديل يكون دائمًا أفضل، لكنه يبين أن الفشل يولد البحث عن شرعية جديدة.

عاشرًا: فشل الدولة في إدارة العلاقة بين القانون والعدالة

القانون عنصر ضروري في الدولة، لكنه قد يصبح سببًا للفشل إذا انفصل عن العدالة. فالطاعة القانونية وحدها لا تكفي لبناء مجتمع مستقر؛ لأن المواطن قد يطيع خوفًا، لكنه لا يمنح ولاءه إلا عندما يرى في القانون معنى أخلاقيًّا أو منفعة عامة. وقد فرق لاسكي بين المعنى الشرعي للقانون، بوصفه إعلانًا صادرًا عن السلطة، والمعنى السياسي، بوصفه قبولًا اجتماعيًّا، والمعنى الأخلاقي، بوصفه وجوبًا عادلًا للطاعة.

وتفشل الدولة عندما تختزل القانون في المعنى الأول فقط. فإذا صار القانون أداة لإرادة السلطة، لا أداة لتنظيم العدل، فقد يتحول إلى سبب للمقاومة. ولا يكفي أن تقول الدولة إن قراراتها قانونية؛ إذ يبقى السؤال: هل هي عادلة؟ هل تخدم حاجات الناس؟ هل تصون الحقوق الأساسية؟ إن القانون الذي لا يملك شرعية أخلاقية قد ينجح في فرض الطاعة مؤقتًا، لكنه يراكم الغضب، ويضعف الثقة، ويجعل الدولة تبدو كأنها خصم للمجتمع.

ولذلك فإن من أسباب فشل الدولة أن تعاقب الضمير السياسي بدل أن تتحاور معه. فلاسكي يرى أن مقاومة القانون الظالم قد تكون تعبيرًا عن أزمة في الدولة لا عن جريمة بسيطة. وحين تتجاهل الدولة هذه الإشارات، فإنها لا تعالج المرض، بل تكبت أعراضه حتى ينفجر.

خاتمة

إن أسباب فشل الدولة، كما يمكن استخراجها من كتاب *الدولة نظريًّا وعمليًّا*، لا تنحصر في ضعف المؤسسات أو سوء الإدارة، بل تمتد إلى جذور أعمق: فقدان الغاية الأخلاقية، انفصال الحكومة عن المجتمع، تحوّل القانون إلى أداة قسر، عجز الدولة عن إشباع الحاجات، اتساع عدم المساواة، احتكار السلطة، إغلاق قنوات النقد، واستبدال الإصلاح بالدعاية. فالدولة تفشل حين تنسى أنها وسيلة لا غاية، وأن قوتها لا تبرر ذاتها، وأن السيادة لا تكفي لصناعة الشرعية.

والدرس المركزي عند لاسكي هو أن الدولة تُحاكم بنتائجها لا بشعاراتها. فإذا استطاعت أن تجعل المواطنين يشعرون بأنهم شركاء في السلطة والثروة والكرامة، فإنها تبني ولاءً مستقرًّا. أما إذا جعلتهم يشعرون بأن القانون ضدهم، وأن الحكومة لا تسمعهم، وأن القوة وحدها هي لغة الحكم، فإنها تكون قد بدأت رحلة الفشل، حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة. ومن ثم فإن إنقاذ الدولة لا يكون بتضخيم سلطتها، بل بإعادة وصلها بوظيفتها الأصلية: تحقيق أكبر قدر ممكن من حاجات الناس، وصيانة حرياتهم، وتوزيع فوائد السلطة بعدالة، وفتح الطريق أمام التصحيح السلمي قبل أن يتحول الاحتجاج إلى ثورة.

ذات صلة

إرث الإمام الشيرازي وآليات نشره واستدامة أثره الحضاريالاعتدال يبدأ من البيتأزمة التأويل وخوارزميات الذكاء الاصطناعيملفات الحكومة الجديدةمن تجليات الصبر المحمدي: قراءة تحليلية في صبر رسول الله