بنيان الصبر: التحليل النفسي والروائي
لصلابة الشاب المؤمن أمام نوائب الدهر
السيد هاشم أمير الهاشمي
2026-02-19 05:26
مقدمة
تُعد مرحلة الشباب ذروة القوة البيولوجية والنفسية في حياة الإنسان، وهي المرحلة التي تتفتح فيها الآمال وتتأجج فيها الطموحات، بيد أنها تصطدم حتماً بواقع الحياة الدنيا المجبول على الكبد والمشقة. إن الإشكالية التي يواجهها الشاب المعاصر لا تكمن في وجود المصاعب بحد ذاتها، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية، بل في “هشاشة” البناء النفسي وآليات التلقي لهذه المصاعب.
ومن هنا تبرز أهمية البحث في المنهج الذي رسمه أهل البيت (عليهم السلام) لتكوين شخصية الشاب المؤمن القادر على تحويل المحنة إلى منحة، والألم إلى وقود للكمال. تقوم هذه المقالة على أطروحة مفادها أن الإيمان المستند إلى ولاية محمد وآل محمد (صلى الله عليه وآله) ليس مجرد طقس عبادي، بل هو نظام “مناعة نفسية” متكامل، يعيد تشكيل الإدراك المعرفي للمصائب، مما يجعل الشاب المؤمن أكثر صلابة واتزاناً من الناحية العلمية والنفسية مقارنة بغيره، وهو ما تؤكده الروايات الشريفة ويدعمه علم النفس الحديث في مباحث المرونة النفسية.
التحليل اللغوي والمفاهيمي: جذر الثبات
تستدعي الأمانة العلمية تحرير المصطلحات قبل الغوص في دلالاتها، فنجد أن مفردة (الصبر) في اللغة العربية تدور حول معنى الحبس والمنع والشدة. يذكر ابن منظور أن: «الصَّبْرُ: نَقِيضُ الْجَزَعِ… وَأَصْلُ الصَّبْرِ الْحَبْسُ» [1]، وفي تعريف آخر يشير الفراهيدي إلى أن الصبر هو حبس النفس عن الجزع [2]. هذا التعريف اللغوي يتناغم بدقة مع المفهوم النفسي المعاصر لـ “ضبط الانفعال”، حيث يمارس الشاب المؤمن كبحاً واعياً لردود الفعل الغريزية السلبية تجاه الصدمات. وأما (المؤمن)، فهو المشتق من الأمن والتصديق، وهو الذي آمن بالله (سبحانه وتعالى) وبرسوله (صلى الله عليه وآله) وبالأئمة المعصومين (عليهم السلام).
جدلية البلاء والتكوين النفسي للمؤمن
تقتضي سنن الله (عز وجل) في خلقه أن تكون الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأن الراحة المطلقة لم تُخلق فيها، كما قال الله (سبحانه وتعالى): {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [3]. يواجه الشاب في مقتبل عمره تحديات جسيمة، قد تتمثل في تأخر الزواج، شح الرزق، أو فقدان الأحبة، وهنا يأتي الدور المحوري للعقيدة في “إعادة التأطير المعرفي” للحدث. إن الرؤية الإخبارية المستمدة من أحاديث العترة الطاهرة (عليهم السلام) لا تنظر للبلاء كعقوبة محضة، بل كعملية “تمحيص” ضرورية لاستخراج مكنونات النفس ومعادن الرجال.
يشير علم النفس الحديث إلى أن “الصلابة النفسية” تتكون من ثلاثة عناصر: الالتزام، والتحكم، والتحدي [4]. والمثير للدهشة أن هذه العناصر تتجلى بوضوح في الروايات التي تصف المؤمن. فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «المؤمنُ أصلبُ من الجبلِ، الجبلُ يُستقلُّ منه، والمؤمنُ لا يُستقلُّ من دينِه شيءٌ» [5]. هذا التشبيه البليغ يوضح أن الصلابة ليست جموداً، بل هي رسوخ في المبدأ (الالتزام) مهما عصفت الرياح. وفي تطبيق عملي لهذا المبدأ، حينما يواجه الشاب اليوم ضغوطاً مهنية قاسية أو إغراءات مالية محرمة، فإن استحضاره لهذا الحديث يمنحه قوة “المقاومة” التي تمنع تآكل مبادئه، تماماً كما يصمد الجبل أمام عوامل التعرية.
تتجاوز النصوص الشريفة مجرد الوصف إلى بيان “العلية” والسببية في البلاء، لتربط بين عمق الإيمان وشدة الاختبار، مما يزيل الشعور بالدونية أو النبذ عند الشاب المبتلى. فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) نص دقيق يربط بين البلاء والمنزلة، حيث قال: «إنما المؤمن بمنزلة كفة الميزان كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه» [6]. هذا الحديث يمثل علاجاً نفسياً وقائياً ضد الاكتئاب الناتج عن الشعور بالظلم الكوني؛ فالشاب الذي يعي أن صعوبة حياته هي مؤشر على جودة إيمانه، يتحول من دور “الضحية” إلى دور “المختار” الذي يُعَد لمهمات كبرى. وهذا يتطابق مع نظريات “النمو ما بعد الصدمة” في علم النفس الإيجابي، التي تؤكد أن المعاناة يمكن أن تكون محفزاً لتطور الشخصية وبناء الحكمة [7].
طاقة الشباب وتوجيه الانفعالات
تمتاز مرحلة الشباب بفيضان من الطاقة الحيوية والعاطفية، وإذا لم يتم توجيه هذه الطاقة عبر قنوات الصبر واليقين، فإنها قد ترتد تدميراً على الذات عبر القلق أو الانحراف. إن الشاب الموالي لأهل البيت (عليهم السلام) يمتلك “مرجعية سلوكية” تتمثل في الاقتداء، ليس فقط نظرياً بل عملياً. إن كظم الغيظ وتحمل الأذى الاجتماعي في سبيل المبدأ يتطلب طاقة عصبية هائلة، يوفرها الإيمان بالجزاء الأخروي والرقابة الإلهية.
تظهر الدراسات الاجتماعية الحديثة أن الشباب الذين يمتلكون منظومة قيمية دينية راسخة هم الأقل عرضة للانهيارات العصبية والانتحار أمام الأزمات الاقتصادية [8]. والسر في ذلك يكمن فيما ترويه الكتب المعتبرة عن الإمام الباقر (عليه السلام) حيث قال: «الجنة محفوفة بالمكاره والصبر، فمن صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة، وجهنم محفوفة باللذات والشهوات، فمن أعطى نفسها لذتها وشهوتها دخل النار» [9]. هذا النص يؤسس لقاعدة “تأجيل اللذة”، وهو مصطلح مركزي في علم النفس التربوي يشير إلى قدرة الفرد على تحمل الحرمان المؤقت في سبيل مكسب أعظم مستقبلاً. الشاب المؤمن الذي يمتنع عن الكسب الحرام رغم فاقته، أو يغض بصره رغم انتشار الفتن، يمارس أرقى أنواع التدريب النفسي للإرادة، مستمداً قوته من الوعد الإلهي الصادق.
يتجلى التطبيق الواقعي لهذه المفاهيم حين نرى الشاب المؤمن في عصرنا هذا، وهو محاط بموجات الإلحاد والتشكيك والميوعة، يقف كالطود الشامخ متمسكاً بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام). إن هذا الثبات يولد نوعاً من “السكينة” التي تخفف من حدة التوتر العصبي الناتج عن ضغوط الحياة. فالركون إلى الله (جل جلاله) والتوكل عليه يقلل من إفراز هرمونات التوتر (الكورتيزول) ويمنح القلب طمأنينة لا تتوفر للماديين، تصديقاً لقوله تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [10].
ومن الزاوية الاجتماعية، فإن الشاب الصابر يمثل ركيزة استقرار في مجتمعه وأسرته. فالمؤمن الذي تربى على مائدة حديث الكساء وتعاليم أئمة الهدى (عليهم السلام) لا ينقل توتره إلى الآخرين، بل يمتص الصدمات. يروي الكليني في الكافي بسند صحيح عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «المؤمنُ له قوةٌ في دينٍ، وحزمٌ في لينٍ، وإيمانٌ في يقينٍ… ولا يحيفُ على من يُبغضُ، ولا يأثمُ فيمن يُحبُّ… في الزلازل وقورٌ، وفي المكاره صبورٌ» [11]. إن تفكيك هذا النص يكشف عن شخصية متكاملة الصحة النفسية والاجتماعية؛ فهو “وقور في الزلازل” أي أنه يحافظ على اتزانه الانفعالي في أقصى درجات الأزمات المفاجئة، وهي صفة يفتقدها الكثير في العالم المادي الحديث حيث تسود الهشاشة النفسية.
خاتمة
خلاصة ما تقدم، إن الشاب المؤمن الذي يتخذ من تعاليم الثقلين (الكتاب والعترة) منهجاً لحياته، يمتلك أدوات معرفية ونفسية تجعله الأقدر على تحمل مصاعب الحياة وتجاوزها. لقد أثبت البحث، من خلال استعراض النصوص الروائية وتحليلها بمقاربات علمية رصينة، أن الصبر ليس استسلاماً سلبياً، بل هو فعل إيجابي واعٍ يتطلب قوة نفسية هائلة، وأن البلاء هو مختبر صناعة الرجال الذي يصقل الإيمان كما تصقل النار الذهب. إن التمسك بولاية أهل البيت (عليهم السلام) يوفر “شبكة أمان وجودية” تحمي الشاب من السقوط في هاوية اليأس والعبثية. لذا، فإن الدعوة موجهة لكل شاب مؤمن بأن يعي أن تحمله للمشاق في زمن الغيبة، وتمسكه بدينه، هو جهاد عظيم يبني ذاته ويرفع درجاته عند الله (سبحانه وتعالى)، محققاً بذلك التوازن النفسي والنجاة الأخروية.