المدينة التي أكلت أشجارها: لماذا أصبح الصيف في العراق أكثر قسوة؟

شبكة النبأ

2026-07-08 04:31

قبل سنوات، كان كبار السن في كربلاء يروون لأحفادهم أن نسيم العصر كان يسبق الغروب بقليل، فيمر بين بساتين الحسينية، حاملاً معه رائحة الرمان والعنب وأشجار النخيل، حتى إن حرارة تموز، على قسوتها، كانت تجد ما يخفف حدتها. أما اليوم، فإن المشهد تغيّر بالكامل. الهواء نفسه صار ثقيلاً، والشوارع تحولت إلى مساحات إسمنتية ملتهبة، وأصبح السير في منتصف النهار تجربة تشبه الوقوف أمام فرن مفتوح.

قد يظن البعض أن ما يحدث مجرد نتيجة طبيعية للتغير المناخي العالمي، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. فالعراق لا يعيش فقط آثار الاحتباس الحراري، بل يعيش أيضًا نتائج قرارات بشرية تراكمت سنوات طويلة، حتى أصبحت المدن نفسها أحد أهم مصادر إنتاج الحرارة، لا مجرد ضحايا لها.

لقد تجاوزت درجات الحرارة في كثير من المدن العراقية خلال السنوات الأخيرة حاجز الخمسين درجة مئوية، وهو مستوى يضع البلاد ضمن أكثر مناطق العالم تعرضًا للإجهاد الحراري. وتشير تقارير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن منطقة الشرق الأوسط تعد من أكثر مناطق العالم تأثرًا بتغير المناخ، وأن ارتفاع الحرارة فيها يفوق المعدل العالمي في بعض الفترات. لكن هذه الحقيقة العلمية لا تعفي الإنسان من مسؤوليته، لأن جزءًا كبيرًا مما يحدث صنعته أيدينا.

فالمدينة ليست مجرد مبانٍ وطرقات، وإنما منظومة بيئية متكاملة. وعندما تُقتلع الأشجار، وتُزال البساتين، وتُستبدل بالإسمنت والخرسانة، فإن المدينة تفقد قدرتها الطبيعية على تنظيم حرارتها. وتوضح دراسات التخطيط الحضري أن الأشجار تخفض درجات الحرارة المحلية بعدة درجات مئوية عبر الظل والتبخر، بينما تحتفظ الأسطح الإسمنتية والخرسانية بالحرارة لساعات طويلة، ثم تعيد إطلاقها ليلًا، فيما يعرف علميًا بظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية (Urban Heat Island).

وهذا ما حدث في كثير من المدن العراقية، وفي مقدمتها كربلاء، التي كانت تحيط بها بساتين واسعة شكّلت لعقود طويلة رئةً طبيعية للمدينة. لم تكن تلك البساتين مصدرًا للإنتاج الزراعي فحسب، بل كانت جزءًا من منظومة مناخية متوازنة. غير أن موجة التجريف التي طالت آلاف الدونمات، وتحويلها إلى أحياء سكنية، غيّرت طبيعة المكان بالكامل.

قد يكون الدافع مفهومًا؛ فالحاجة إلى السكن حقيقية، وأسعار الأراضي دفعت كثيرًا من أصحاب البساتين إلى بيعها. لكن المشكلة بدأت عندما غاب التخطيط، وغابت الدولة، وأصبح التوسع العمراني يجري بطريقة عشوائية، دون رؤية بيئية أو عمرانية طويلة الأمد.

فالمدن الحديثة لا تُقاس بعدد الأبنية التي تُشيَّد، بل بقدرتها على الحفاظ على التوازن بين العمران والطبيعة. أما حين تتحول كل مساحة خضراء إلى قطعة أرض للبيع، فإن المدينة تبدأ تدريجيًا بفقدان مناعتها البيئية.

والمفارقة أن من يشتري تلك الأرض، ومن يبيعها، ومن يسمح بتغيير جنسها، جميعهم سيتقاسمون لاحقًا ثمن القرار نفسه، حين ترتفع درجات الحرارة، وتزداد الأمراض التنفسية، وترتفع كلفة الطاقة، وتتراجع جودة الحياة.

ولا تتوقف المشكلة عند إزالة الأشجار. فالتخطيط العمراني نفسه أصبح جزءًا من الأزمة. فالأحياء الجديدة غالبًا ما تُشيَّد بأزقة ضيقة، وكتل إسمنتية متلاصقة، ومساحات مفتوحة محدودة، مع غياب شبه كامل للحدائق العامة والأشجار والشوارع الواسعة التي تسمح بتجدد الهواء.

وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن العراق من أكثر البلدان تعرضًا لمخاطر تغير المناخ، وأن ضعف التخطيط الحضري وتدهور الغطاء النباتي يزيدان من هشاشة المدن أمام موجات الحر المتكررة. كما تؤكد تقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن فقدان الأحزمة الخضراء والتوسع العمراني غير المنظم يسهمان في تدهور البيئة المحلية وارتفاع درجات الحرارة.

ثم تأتي السيارات، والمولدات، وأجهزة التكييف، لتضيف طبقة أخرى من الأزمة. فكل جهاز تبريد يمنح منزلًا بعض الراحة، يطلق في المقابل مزيدًا من الهواء الساخن إلى الخارج، لتصبح المدينة كلها دائرة مغلقة من الحرارة المتزايدة. إنها مفارقة حضرية قاسية؛ كل فرد يحاول أن يبرد منزله، بينما ترتفع حرارة المدينة بأكملها.

والأخطر من ذلك أن التعامل مع الأزمة ما يزال موسميًا. فكلما جاء الصيف، انشغل الجميع بالبحث عن الكهرباء والماء والمولدات، ثم ينتهي الموسم لتعود المشكلة إلى الأدراج حتى الصيف التالي، وكأن الحرارة قدر لا يمكن تغييره، لا نتيجة خيارات يمكن مراجعتها.

إن ما يحتاجه العراق اليوم ليس المزيد من أجهزة التكييف، بل المزيد من الأشجار. وليس المزيد من التوسع الإسمنتي، بل إعادة التفكير في فلسفة المدينة نفسها.

فالعالم اليوم يتجه إلى مفهوم المدن المرنة مناخيًا، حيث تصبح الحدائق، والأسطح الخضراء، والأحزمة النباتية، جزءًا من البنية التحتية الأساسية، تمامًا مثل الطرق وشبكات المياه. كما أصبحت التشريعات البيئية في كثير من الدول تمنع إزالة الأشجار أو تغيير استعمال الأراضي الزراعية إلا في أضيق الحدود، إدراكًا منها أن تكلفة فقدان الطبيعة أكبر بكثير من أرباح بيعها.

أما في العراق، فإن الحاجة أصبحت ملحّة لإعادة الاعتبار للبساتين، وإنشاء أحزمة خضراء حقيقية حول المدن، لا مشاريع موسمية تستهلك الأموال ثم تختفي. كما أن فرض القانون على التجاوزات البيئية، وإلزام مشاريع الإسكان بمعايير التخطيط البيئي، لم يعد ترفًا إداريًا، بل ضرورة وطنية لحماية صحة الناس ومستقبل المدن.

إن حرارة العراق ليست مجرد رقم يظهر في نشرات الطقس، بل مؤشر على علاقة مختلة بين الإنسان وبيئته. وكل شجرة تُقتلع اليوم قد تعني غدًا طفلًا يصارع ضربة شمس، أو مريضًا يختنق من الهواء الساخن، أو مدينةً تفقد شيئًا جديدًا من قدرتها على الحياة.

لقد علّمنا التاريخ أن الحضارات لا تنهار دائمًا بالحروب، بل قد تنهار أيضًا حين تفقد احترامها للطبيعة. وربما تكون المعركة الحقيقية التي تنتظر العراق في العقود المقبلة ليست مع الصيف، بل مع الطريقة التي يدير بها الإنسان أرضه ومدينته وموارده. فحين نستعيد الشجرة، لا نستعيد لونًا أخضر فحسب، بل نستعيد جزءًا من مستقبل أصبح أكثر سخونة مما ينبغي.

ذات صلة

النهضة الحسينية.. خلاصات رحلة الاستنقاذ من الجهالةالحكومة العراقية في تعاون دولي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهابالثقافة التي لا تغيّر أحدًاصولة الفجر ضد الفساد واسترداد هيبة الدولةحكومة الصورة وبنية الفشل.. كيف تعيد السلطة إنتاج الأزمة في إقليم كوردستان