المثقف بين الحياة والحكمة

محمد محفوظ

2026-08-18 04:25

إن من التحديات الحقيقية التي تواجه أي مثقف أو مشتغل بالعلم والمعرفة، هي كيف يوفق بين متطلبات العلم والمعرفة، من القراءة العميقة والمستمرة التي تتطلب بشكل أو بآخر التفرغ والانعزال عن الناس، وضعف مشاركته في المناشط الاجتماعية المختلفة.

وبين حياته المادية والعائلية ومستلزماتها، من تربية الأبناء ومراعاة الأهل، والحضور الاجتماعي في المناسبات المتنوعة، والعمل والكسب المادي. وفي البدء ينبغي بيان، أن خروج المثقف من هذا التحدي بنجاح، بمعنى تمكنه الفعلي من التنسيق الدقيق بين متطلبات كلا الطرفين، هو الذي يوفر إليه كل المعطيات النفسية والاجتماعية الضرورية للانطلاق في رحاب العلم والإبداع.

ودائماً العظمة الإنسانية، تتجسد في ذلك الإنسان الذي يلبي متطلبات مختلف جوانب حياته.

أما التفوق في حقل أو بُعد، ونسيان أو تناسي بقية الحقول والأبعاد، لا تؤدي إلى العظمة الإنسانية، حتى لو وصل ذلك الإنسان في ذلك الحقل الواحد إلى النجاح في مستوياته القصوى.. من هنا فإن نجاح المثقف الحقيقي في حياته، يتحقق عبر اهتمامه الفعلي، وتوفير مستلزمات حياته المادية والعلمية معاً.. ولعل هذا التحدي، هو الذي دفع بنيتشه إلى أن يقول كلمته المشهورة في كتابه (هكذا تكلم زرادشت) حيث يقول فيه: (وحينئذ خيل إليَّ إن الحياة أعز عليَّ من حكمتي).

حيث إن الإنسان يتضمن حاجات ورغبات مختلفة. وإن عدم وجود ناظم ينظم هذه الرغبات والحاجات ويوضح طرق تحقيقها المشروعة، هو الذي يؤدي إلى الفوضى في الكثير من الأمور والمناشط، سواء في المناشط ذات الطابع الفردي التي يقوم بها المثقف، أو المناشط ذات الطابع الجمعي، لا فرق في هذه المسألة، حيث إن غياب هذا الناظم المنهجي عند المثقفين كأفراد، كفيل بإبقاء هذه الحالة حاكمة في مسيرة المثقفين كجماعة أو نخبة.

بينما تنسيق الحاجات وتنظيم التطلعات، وتوظيفها جميعاً لصالح التطلع الأعلى والأسمى، هو الذي يحوّل المرء إلى طاقة خالقة، لا تتبعثر جهودها وإمكاناتها، وإنما تتركز في نسق واحد يتجه نحو الوصول إلى الهدف البعيد.

لهذا فإن السؤال المطروح في هذا الإطار هو كيف نوفق بين أمورنا الحياتية من كسب مادي وتكوين أسرة ورعاية أبناء، وبين حاجة العلم إلى القراءة والدراسة والاهتمام الدائم والجدي بكل ما له صلة بالثقافة والأدب.

المثقف والواقع:

إن الاستعلاء على الواقع لا يؤدي إلا إلى ثقافة تجريدية، لا تمتلك أدنى مقومات التأثير على الواقع.

كما أن الخضوع إلى الواقع، يجعل الثقافة تابعة للواقع، مما يفقدها حالة الفعل الإيجابي والإبداع، ويجعلها أقرب إلى الثقافة الوصفية، التي يكون همها وصف ما هو كائن وقائم، دون العمل على تغيير السيئ من ذلك الكائن والقائم، بينما وجود علاقة طبيعية وواعية بين الواقع والثقافة يؤدي إلى إثراء الثقافة بالكثير من القضايا والأمور، أهمها الطموح الإنساني للثقافة. فالعلاقة بين الثقافة والواقع علاقة سببية، بمعنى أن الواقع بمفرداته المتعددة يثري الثقافة، ويمنحها آفاقاً إنسانية عديدة.

كما أن الثقافة بعناوينها المعرفية ومفرداتها النظرية تثري الواقع وتمنحه قيماً معيارية تدفع قوى الواقع إلى تمثلها وتجسيدها في الواقع الخارجي.

لهذا فإن المثقف السوي، هو الذي لا ينعزل عن الواقع، بدعوى طبيعة عمله الثقافي والعلمي، الذي يحتاج إلى التفرغ التام.

كما أن من الخطأ بمكان أن يذوب المثقف في الواقع، لأن ذوبانه في الواقع يحوّله إلى رقم هامشي، لا تمكنه من عمل أي شيء يذكر على صعيد تعميم المعرفة أو التغيير الاجتماعي بما ينسجم ومعايير الثقافة العليا. لهذا فإن احتكاك المثقف بالواقع، ومناقشته لقضاياه وهمومه، لا يُعد تراجعاً عن الهموم الثقافية الجادة من قبل المثقف؛ بل نحن نعتقد أن اهتمام المثقف بشأن مجتمعه والعمل على معالجة مشاكله وهمومه، هو الخطوة الضرورية لإبداع المثقف وممارسة دوره المأمول منه، وينبغي أن نلحظ في هذا الإطار، أن المواجهة السليمة لهذا التحدي، لا تتأتى إلا بالمزيد من الالتصاق الواعي بالواقع بما يجعله أرضاً خصبة للتوفيق بين حكمة المثقف وحاجاته المعرفية من جهة ورغباته الحياتية وحاجاته المادية من جهة أخرى.

فالحكمة لا تزيد والمعرفة لا تتراكم عبر الانعزال عن الواقع، وإنما نحن نعتبر الواقع أحد مصادر المعرفة الذي لا ينضب، ولهذا جاء في المأثور: (من علم عمل، ومن عمل علم). فالعمل والواقع بشكل عام هو أحد مصادر الوعي والمعرفة.

فقه الأولويات:

بما أن الثقافة والعلم بحر واسع، تتضمنه مجموعة من التخصصات والاهتمامات الكثيرة، بحيث أن الإنسان لا يسعفه عمره على استيعابها وفهم أسرارها وجوهرها، لهذا فإن تحديد سلم الأولويات في حياة المثقف والمشتغل بشؤون العلم والمعرفة يصبح من الضروريات القصوى، بحيث أنه لا يمكن لإنسان يريد النجاح والتفوق، بدون العناية بهذا الفقه والعمل على تطبيق بنوده على مسيرته.

لأن تحديد سلم الأولويات والعمل وفقها، يجعل المرء يبذل جهوده وطاقاته في بوتقة واحدة ويصبها في إطار واحد.

لهذا فإن التوفيق بين الحياة والحكمة في حياة المثقف يتطلب إخضاع حياته إلى منظومة من الأولويات، والبدء بتنفيذ الأهم فالمهم.

وبالتالي فإن تنفيذ هذا البرنامج الحضاري هو الكفيل بتوفير حاجات المثقف المادية والمعرفية على حد سواء. وإن الناظم والمعيار الفاصل الذي ينبغي، أن ينظم مسيرة سلم الأولويات في حياة المثقف، هو البدء بالاشتغال الجاد بكل الأمور والأعمال، التي تؤسس لحياة مادية - علمية كريمة، ولا بد من القول في هذا المجال، إن الإنسان لا يمكنه بأي شكل من الأشكال، أن يعيش حياة كريمة ببعد واحد؛ فالانزواء عن الناس، وملاحقة كل شأن نظري وحده لا يكفي للعيش معيشة كريمة، وإنما لا بد من مراعاة واحترام متطلبات الحياة، كما في الوقت نفسه ينبغي مراعاة متطلبات الحكمة والمعرفة.

وبالتالي فإن التوفيق بين متطلبات الحياة ومتطلبات الحكمة في حياة المثقف مرهون بمدى قدرته وجدّيته وتنظيم برامجه اليومية، وعصاميته في تحدي المشاكل وتجاوز العقبات. كل هذه الأمور هي الفيصل، الذي يؤهل المثقف بجدارة إلى تنظيم أموره الحياتية، وقضاياه المعرفية والثقافية، بحيث تكون جميعاً في سياق واحد، تتكامل فيه المسائل العلمية، وبهذا يتحقق الإنسان، الذي يعيش وضعاً اقتصادياً مستقراً، وحالة ثقافية وعلمية متطورة باستمرار.

وجدية المثقف وشمولية رؤيته وواقعيتها، هي الأدوات الضرورية التي تمكنه من إيجاد علاقة تكامل لا تنافر بين الحياة والحكمة.

ذات صلة

إشارات قرآنية للإمام الشيرازي.. المؤرخ، الرجاء، العمل، البطولة، التحدياتمركز المستقبل ناقش.. دينامية زيارة الاربعين ورهانات تحول الدولة المأزومةعفّة النساء: ذاتية أم مفروضة عليها؟الولايات المتحدة والمفاوضات على طاولتينكلفة التردد في القرارات المصيرية