لماذا تتأرجح النفس بين المادية والإسلام

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

شبكة النبأ

2026-09-07 06:12

(الإسلام هو رسالة السلم والسلام الذي يريد للإنسانية الرقي والتقدم والحضارة والاطمئنان)

الإمام الشيرازي

من القضايا الأساسية التي تسعى إليها البشرية هي تهذيب النفس، وفي هذا السياق فإن تهذيب الإنسان وسلامته الفكرية والنفسية والجسدية يشكل جوهر الرسالة الإسلامية، حيث عمل الإسلام منذ بزوغ نوره على تثبيت هذه المبادئ وتعميق جذورها في نفوس المسلمين، وجعلها أسلوب حياة وسلوكاً يومياً، ويتّضح هذا التهذيب في إحداث توازن دقيق بين متطلبات الروح واحتياجات الجسد، متجاوزاً مفهوم العبادات الظاهرة ليصوغ شخصية إيجابية تسعى لنشر الخير والسلام، فقد أولى الإسلام أهمية بالغة لبناء الضمير الحي، وحثّ على التخلق بالأخلاق الفاضلة كالصدق والأمانة والتسامح والقيم الكبيرة التي تحسّن حياة الناس.

كذلك تم ترسيخ مفهوم الرحمة بالآخرين وحرمة الاعتداء على حقوقهم أو إيذائهم بأي شكل من الأشكال، وهذا يؤكد بأن سلامة المجتمع تنبع بالضرورة من سلامة أفراده، ولذا فإن النهج الإسلامي يوجه المسلم نحو ضبط النفس عند الغضب، وتطهير القلب من الضغائن والغل، واعتماد الحكمة والرفق في التعاملات كافة. 

هذا التأكيد المستمر على التزكية والتهذيب يجعل المسلم عضواً نافعاً في مجتمعه، ولا تأخذه المادية نحو تهديم المجتمع بل هو يبني ولا يهدم، ويسعى دوماً لإشاعة الأمان والمحبة بين الناس، وفي هذا الإطار، تتحول المبادئ الأخلاقية إلى حصن حصين يحمي الفرد من الانحراف، ويعزز أواصر التكافل والترابط الإنساني، مما يعكس المقصد الأسمى للشريعة في حفظ الكرامة الإنسانية وتحقيق السلام الشامل الذي يمتد أثره ليعم المجتمع بأسره.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه الموسوم بـ (السلم والسلام):

(لتأكيد التباين والاختلاف بين تهذيب الحضارات المادية للإنسان وبين تهذيب الشريعة الإسلامية لـه نقول: إن تهذيب الإنسان وسلامته هو أحد المبادئ التي عمق الإسلام جذورها في نفوس المسلمين كما قال سبحانه: وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَىَ دَارِ السّلاَمِ سورة البقرة 256. فأصبحت جزءً من كيانهم، وعقيدة من عقائدهم).

تداعيات الاتساع المعرفي والمادي

ومن النتائج المعروفة أن سلوك الإنسان يتغير، وكذلك تختلف رؤيته لذاته وللكون حين يخضع لإغراءات الحضارة المادية، فمع تسارع اتساع معارفه وانفتاح آفاق العلم أمامه، تبدأ أهدافه بالتعدد والتشعب بصورة تفوق احتياجاته الفطرية البسيطة، وهذا الاتساع المعرفي المادي، إن لم يقترن بتهذيب أخلاقي وضابط روحي، سيحوّل طموحات الإنسان إلى رغبة جامحة في السيطرة والاستحواذ على كل ما حوله. 

ومع تزايد الحرص على المكتسبات الدنيوية وتضخم الأنا، يتحول سعي الإنسان من البناء والإعمار إلى السيطرة المطلقة على مقدرات الحياة والبيئة. إن استغلال المعرفة للسيطرة والتملك يجعل الإنسان يفسد مقومات الطبيعة والتوازن الإنساني، فيضحي بالقيم الأخلاقية والتضامن الاجتماعي لصالح طموحاته الفردية والمادية المتزايدة.، وهكذا تبتعد الحضارة المادية بالإنسان عن جوهره الإنساني النبيل، ليغرق في دوامة لا تنتهي من الحرص والتنافس، مما ينعكس سلباً على سلامة الحياة وبيئتها، ويجعل سعيه وراء النفوذ سبباً رئيساً في اختلال توازن العالم وافتقاده للسكينة والأمان.

لهذا يقول الإمام الشيرازي: (إن الإنسان يختلف عما هو عليه في الحضارة المادية حينما تزداد معارفه فتتعدد أهدافه فيسيطر على الحياة فيفسدها بعد أن يزداد حرصه وتتشعب طموحاته). 

وكما هو مثبت في الوقائع، فإن الإسلام دين شامل يهدف بطبيعته إلى تحقيق التطور والازدهار في كافة مجالات الحياة ونواحيها، فهو يحث على العلم والابتكار والعمل الصالح لبناء مجتمعات متقدمة ومستقرة، حيث يُرسخ الإسلام قيم السلام والعدل والمساواة، مما يضمن أمن الأفراد واستقرار الشعوب، ويفتح الآفاق أمام النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. 

كما يتناول الإسلام تنظيم العلاقة بين الفرد والمجتمع بأسلوب يوازن بين الروح والمادة، ويشجع على العمارة والتنمية والتعاون الإنساني، مع نبذ العنف والفساد بكل أشكاله. إن الالتزام بمبادئ الإسلام السامية، كالشفافية والأمانة والتضامن، يُسهم بشكل مباشر في صياغة حضارة إنسانية متوازنة تسعى دائماً نحو الأفضل، وتصون كرامة الإنسان، وتحقق الرفاه والاستقرار الشامل لكل مجتمع يسعى نحو النهضة والتقدم الحقيقي.

حيث يقول الإمام الشيرازي:

(أما الإسلام فهو يعمل من أجل التطور والاستقرار والازدهار والسلام والتقدم في كافة مجالات الحياة ونواحيها).

لماذا التركيز على السلام

وقد أكد علماء الاجتماع بأن الأمن والحماية تشكل العمود الفقري الذي تتأسس عليه إنسانية الإنسان، وبدونه تعجز النفس البشرية عن التفكير في النمو أو تحقيق الازدهار، لذا عندما يفتقد الفرد الأمان في سربه ومسكنه، ويصبح الخوف والترقب حاضريْن في تفاصيل حياته اليومية، تتوجّه كل طاقاته الذهنية والنفسية نحو الصمود والغريزة المجردة للعيش، مما يحرمه من إمكانية الإبداع والتطوير. 

لذا فإن انعدام الأمن لا يقف عند حدود التهديد المادي فحسب، بل يمتد ليكون قوة تدميرية هادفة تحطم الأبعاد النفسية والفكرية والاجتماعية للإنسان، وتنهك روحانيته ومعنوياته السامية التي تمنحه كرامته وقيمته الإنسانية. 

وحين تُستنزف هذه المعنويات تحت وطأة الرعب والاضطراب، يفقد المرء شعوره بالطمأنينة والانتماء، وتتراجع قدرته على بناء علاقات سليمة أو المساهمة الفاعلة في مجتمعه، وهذا يدل على إنّ الأمان ليس مجرد رفاهية أو خيار إضافي، بل هو شرط أساسي وبنيوي للحفاظ على كرامة الإنسان وتفتّق إمكاناته، وبدونه تتحول الحياة إلى صراع دائم يستهلك ذات الفرد ويهدم طاقاته الحضارية.

يؤكد الإمام الشيرازي ذلك في قوله:

(إن الإنسان غير الآمن في سربه ومسكنه وحياته لا يتمكن من أن يحقق الازدهار والنمو، بل كثيراً ما يسبب فقدان الأمن ـ الناشئ من الخوف ونحوه ـ تحطيم الإنسان في أبعاده المختلفة واستنفاد معنوياته السامية التي تحافظ على كرامته وإنسانيته).

وتأسيسا على ذلك فإن الإسلام يقوم على مبادئ أساسية تجعل من تنعّم الإنسان بالسلم والسلام والأمن والحرية حقاً أصيلاً وواجباً لا يقبل المساومة، لذا فإن توفير البيئة الآمنة التي تحمي حياة المرء وكرامته يُعد شرطاً رئيسياً لبناء مجتمع متوازن ومستقر، وفي هذا السياق، يُرسخ الدين الإسلامي حرية الفكر والاعتقاد، رافضاً تماماً إكراه أي إنسان على تبني رأي خاص أو الانصياع لنظرية معينة رغماً عنه، استنادا إلى القاعدة القرآنية الخالدة التي تنفي الإكراه في الدين.

حيث يذكر الإمام الشيرازي قائلا:

(من مبادئ الإسلام المهمة الواجبة التطبيق هو مبدأ تنعم الإنسان بالسلم والسلام، والأمن والحرية، وأن لا يكره إنسان على رأي خاص ونظرية خاصة، سواء ترتبط بالكون أو الطبيعة أو الإنسان، وحتى في قضايا الدين فالمقرر عدم الإكراه في الدين).

وفي خلاصة الأمر فإن النفس البشرية تبقى في صراع مستمر بين اندفاعها نحو المادية وتغلغلها في شعاب المظاهر وغرقها في السطحية والجهل وسيطرة غرائزها عليها، وبين تطلعها إلى السمو الإيماني والروحي في الإسلام، ويكاد الانحياز الكامل لأحدهما أن يخل بفطرة الإنسان ويجعلها مشتتة، لذلك فإن الحل يكمن في تحقيق نوع من التوازن الدقيق بين متطلبات الجسد من جهة ومتطلبات الروح من جهة ثانية، فيُسخَّر المادي لبناء الحياة وتُهذَّب الروح بالقيم السامية، لتستقر النفس وتتحقق إنسانيتها في أبهى صورها.

ذات صلة

امتلاك النفس قبل امتلاك القرار.. رؤية الإمام علي في مواجهة الاندفاععندما لا يكتفي الذكاء الاصطناعي بالتحليل: نحو عصر القرار المالي الذاتيالمحامية نورس علي الفتلاوي: قضايا الأحوال الشخصية تكشف هشاشة العلاقات وتبدّل الأسرة العراقيةأفول الآلهة الأميركيةالهابيتوس الشيعي والدولة