الهابيتوس الشيعي والدولة

ابراهيم العبادي

2026-09-07 05:56

ما الفرق بين (الوطن الديني) بالمعنى الفقهي وبين (الوطن السياسي) الذي اصبح أساس الدولة الحديثة؟ بهذا السؤال انهينا الجزء الاول من مقالة الهابيتوس الشيعي. في هذا الجزء نسعى للإجابة على السؤال بما يفكك اللبس أو التلبيس الجاري تعمدا احيانا للتغطية على مواقف وسياسات ليس لها لزوم، ولا حاجة للتعكز على مواقف تراثية لتبريرها.

ابتداء لا بد من القول إن حياتنا مترعة بمستحدثات المسائل التي احتاجت إلى أعمال الاجتهاد الفقهي للتعامل معها، اكثرها يخص تكاليف الافراد، لكن أقل القليل من المسائل ذات الصلة بالقضايا السياسية الكبرى، التي تهم مصير الجماعات والدول ظلت بعيدة عن التناول الاجتهادي، يحسب للشهيد الصدر الاول وللمرحومين الشيخين محمد مهدي شمس الدين وحسين علي المنتظري، تناول القضايا السياسية بنحو التأصيل الفقهي وبشيء من التفصيل والجرأة بما فتح الطريق لمواصلة هذا الطريق موضع الابتلاء. لكن هذا التناول لم يحسم بعض القضايا بما ينهي الجدل المتجدد في ما يخص مفاهيم، الدولة أو الدول، الولاية السياسية وحدودها، المواطنة والجنسية ومتعلقاتها كالسيادة والولاء والانتماء والحدود والامة الدينية والمذهبية وارتباطها بمفاهيم دار الاسلام ودار الحرب وحدود هذه الدار وعلاقات دول المسلمين بغيرهم في ضوء التنظيم السياسي الحديث للعلاقات الدولية .

هذه المسألة تحتاج إلى إعادة قراءة جادة للتراث، لا إلى شعارات مذهبية. ولعل من المفيد في الموضوع استحضار فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين، الذي قدم اجتهادا شيعيا معاصرا مهما في العلاقة بين الأمة والدولة، وميز بين الانتماء إلى الأمة الدينية والانتماء إلى الدولة السياسية، ورأى أن الدولة تحتاج إلى تنظيم قانوني يحدد الحقوق والواجبات، وأن الجنسية أصبحت أداة تنظيمية لتحديد علاقة الفرد بالدولة.وهذه واحدة من أهم الأفكار التي تجاهلها جزء من الخطاب السياسي الشيعي المعاصر: أن المسلم يمكن أن يحمل انتماء دينيا يتجاوز الحدود، وفي الوقت نفسه يكون مواطنا في دولة محددة، له فيها حقوق وعليه واجبات. 

ليس ثمة تناقض ضروري بين الأمرين. بل إن المرجعية الدينية في النجف قدمت نموذجا يستحق التوقف عنده. فقد تعاملت مع الدولة العراقية بعد 2003 باعتبارها دولة يمكن إعادة بنائها دستوريا ومؤسسيا، ولم تجعل شرعية الدولة الوطنية متوقفة على استعادة نموذج الدولة الإسلامية العابرة للحدود. 

ودخلت في مسار بناء الدستور والانتخابات ومؤسسات الدولة، وهو ما يكشف عن إمكانية الجمع بين الانتماء الديني والمواطنة السياسية.

دستور الجمهورية الاسلامية كان صريحا وواضحا في حسم قضايا الجنسية والحدود والمواطنة وحق المشاركة في السلطة واستلام المناصب والدخول في مجالس الانتخابات والتشريع والقضاء، واشترط ايرانية الأفراد ولادة لا بالاكتساب، ولعل حادثة منع جلال الدين الفارسي وهو من رجالات الثورة البارزين حينها من الترشح لانتخابات الرئاسة الاولى دليل بارز على التقيد بالشرط الدستوري الذي نص على ان يكون المرشح من ابوين ايرانيين بالولادة وتبين ان والدة الفارسي كانت افغانية الولادة.

!ينبغي لنا أن نسأل: لماذا لا يستفيد العقل السياسي الشيعي العراقي من هذه الاجتهادات والتجارب في إنتاج رؤية جديدة للدولة وللمواطنة والوطن السياسي!؟.

ولماذا لا تعاد قراءة تراث النجف نفسه في ضوء تحولات العالم الحديث؟ فالمرجعيات لم تكن منفصلة عن السياسة، لكنها أيضا لم تكن نسخة واحدة من التفكير السياسي. وقد أنتجت في مراحل مختلفة مواقف واجتهادات متنوعة تجاه الدولة والدستور والشورى والاستقلال والمواطنة.

ولذلك فإن المشكلة ليست نقصا في التراث الشيعي الذي يمكن أن يساعد على بناء مفهوم حديث للدولة، بل ربما هي في «انتقائية الذاكرة» واستدعاء النصوص والمواقف التي تخدم موقفا سياسيا معينا، وإهمال النصوص والاجتهادات التي تقيده أو تناقضه. عند هذه النقطة يعود بنا الحديث إلى الهابيتوس.

فالهابيتوس لا يعمل دائما كمنظومة فكرية متماسكة، وإنما يعمل في كثير من الأحيان كطريقة تلقائية في التفكير والاستنتاج. ولذلك قد نجد شخصا يؤمن بالدستور والانتخابات والجنسية والدولة، لكنه عندما تتعارض مصلحة الدولة مع موقف مذهبي أو مع قوة خارجية، يعود فجأة إلى مفاهيم ما قبل الدولة الحديثة لتبرير موقفه. وهذه هي المفارقة التي تستحق التشريح: حداثة في الوسائل، وتقليدية في منطق الولاء.

نستخدم الانتخابات للوصول إلى السلطة، والدستور لتنظيم الحكم، والبرلمان لصناعة القوانين، والميزانية لإدارة المال العام، والجيش لحماية الحدود، ثم نعود في لحظة الاختلاف إلى منطق يتجاوز الدولة وحدودها ومؤسساتها. هنا يصبح الهابيتوس أداة للتعمية لا للفهم.

لكن علينا أن نميز بين نوعين من المعارضة: معارضة فكرية يمكن احترامها ومناقشتها، ومعارضة مصلحية تستخدم الفكر والدين والتاريخ لحماية مواقع القوة والنفوذ. الأولى يمكن الحوار معها، أما الثانية فتقاوم التغيير لأنها تخشى خسارة الامتيازات التي يوفرها الوضع القائم.

وهذه الأخيرة هي الأصعب؛ لأنها قد ترفع شعار الدين وهي تدافع عن السلطة، وقد تتحدث عن المذهب وهي تحمي شبكة مصالح، وقد تستخدم مفهوم «الأمة» عندما تريد تجاوز الدولة، ثم تستخدم مفهوم «الدولة» عندما تريد الحصول على مواردها ومناصبها. ينبغي أن نكون أكثر صراحة: لا يمكن إعادة بناء الهابيتوس الشيعي إذا لم نكشف المصالح التي تختبئ خلف بعض ممانعات التغيير.

فإعادة تفسير العلاقة بين الدين والدولة ليست مهمة بريئة تماما؛ لأنها ستعيد توزيع الشرعية السياسية. وإذا أصبح المواطن العراقي هو وحدة الانتماء السياسي الأساسية، فإن بعض شبكات الوساطة الطائفية والعابرة للحدود ستفقد جزءا من قدرتها على التحكم بالمواطن والدولة معا.

لهذا ستواجه عملية إعادة بناء الهابيتوس مقاومة من ثلاث جهات: مقاومة تقليدية تخشى المساس بالموروث، ومقاومة أيديولوجية ترى الدولة الوطنية تنازلا عن الأمة الدينية، ومقاومة براغماتية مصلحية تدرك أن تجاوز هذه الثنائية سيضعف نفوذها.لكن التغيير لا يحتاج إلى إلغاء الهابيتوس الشيعي، بل إلى إعادة ترتيب عناصره.

يمكن أن تبقى الذاكرة، لكن من دون أن تتحول إلى خصومة أبدية مع الآخر. يمكن أن يبقى الانتماء المذهبي، لكن من دون أن يتحول إلى ولاء سياسي عابر للدولة.يمكن أن يبقى التراث، لكن مع الاعتراف بأن التراث تاريخ وتأويل وتجربة بشرية، وليس كله قواعد سياسية صالحة لكل زمان ومكان.

ويمكن أن تبقى المرجعية الدينية مؤسسة دينية واممية كبرى لها نظامها ونفوذها، لكن من دون تحويلها إلى بديل عن مؤسسات الدولة أو عن الإرادة السياسية للمواطنين. إن الهابيتوس الجديد المطلوب ليس هدم الهابيتوس الشيعي التقليدي، وإنما نقله من عقلية الجماعة التي تبحث عن الحماية من الدولة إلى عقلية المواطن الذي يريد امتلاك الدولة وإصلاحها. وهذا التحول، إذا حدث، سيكون واحدا من أهم التحولات في بناء العقل السياسي العراقي الجديد.

فالمطلوب في النهاية ليس أن يتخلى الشيعي عن شيعيته، ولا السني عن سنيته، ولا الكردي عن كرديته؛ وإنما أن يصبح الجميع قادرين على حمل هوياتهم المتعددة داخل وطن سياسي واحد، تكون فيه الدولة هي الإطار الأعلى لتنظيم الحقوق والواجبات والمصالح.

ذات صلة

لماذا تتأرجح النفس بين المادية والإسلامامتلاك النفس قبل امتلاك القرار.. رؤية الإمام علي في مواجهة الاندفاععندما لا يكتفي الذكاء الاصطناعي بالتحليل: نحو عصر القرار المالي الذاتيالمحامية نورس علي الفتلاوي: قضايا الأحوال الشخصية تكشف هشاشة العلاقات وتبدّل الأسرة العراقيةأفول الآلهة الأميركية