مركز المستقبل ناقش.. دينامية زيارة الاربعين ورهانات تحول الدولة المأزومة
مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية
2026-08-18 04:33
عقد مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية ملتقاه الفكري في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام تحت عنوان "رهانات تحول الدولة المأزومة في العرق: قراءة في دينامية زيارة الاربعين"، بمشاركة عدد من مدراء مراكز دراسات بحثية، وأكاديميين، وإعلاميين، اعد الورقة البحثية وقدمها الباحث في المركز الاستاذ حيدر عبد الستار الاجودي، حيث ابتدأ حديثه قائلا:
"تمثل الدولة في الفكر السياسي الحديث التجسيد المؤسساتي للعقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الفرد والسلطة، ويضمن إشاعة العدالة وتوفير الخدمات الأساسية وحماية الكرامة الإنسانية، غير أن التجربة العراقية المعاصرة تقدم نموذجا صريحا لما يصنف في أدبيات السياسة والاجتماع بـ"الدولة المأزومة"؛ وهي الدولة التي تعاني من انسداد آليات صنع القرار، وتآكل شرعيتها الإنجازية، واغتراب مواطنيها عن مؤسساتها الرسمية نتيجة تفاقم الأزمات السياسية والخدمية وتجذر الفساد الهيكلي.
في المقابل، تتجلى سنويا ظاهرة اجتماعية وإنسانية فريدة تعرف بـ"دينامية زيارة الأربعين"، حيث يتحول المجتمع العراقي إلى شبكة تنظيمية ذاتية عالية الكفاءة، تدير حركة ملايين البشر، وتوفر خدمات الإطعام والإيواء والطبابة بانتظام تام وتكافل مطلق دون تدخل مباشر من أجهزة الدولة.
من هنا تبرز الإشكالية المركزية لهذه الورقة: إن الأزمة العراقية ليست أزمة عجز مجتمعي عن التنظيم والإيثار، بل هي أزمة بنية سياسية ومؤسساتية تضعف امام استيعاب وتأطير الطاقة القيمية والاجتماعية التي يختزنها المجتمع.
المحور الاول/ التفكيك البنيوي للمفاهيم
تأسست أزمة الدولة المعاصرة في العراق على ثلاثية بنيوية متداخلة: تضخم المحاصصة الطائفية والحزبية، ضعف المؤسسات الخدمية، وتزايد الاغتراب السياسي لدى المواطن. إن البنية التشغيلية للنظام السياسي بعد عام 2003 اعتمدت مبدأ أتقان توزيع الموارد والغنائم بين القوى السياسية، مما يحول الدولة من "خادم للمصلحة العامة" إلى "ساحة لتوزيع المغانم".
أدى هذا النمط الإداري إلى تعطيل كفاءة المؤسسات؛ فأصبحت الخدمات العامة (الكهرباء، الصحة، التعليم، والبنية التحتية) رهينة للفساد المالي والإداري وللصراعات السياسية، ويرى المفكرون السياسيون أن الدولة العراقية أصبحت تعاني من ضعف مؤسساتي، حيث تمتلك الدولة ميزانيات مالية ضخمة لكنها تعجز عن الوصول لتحقيق مستويات بحجم الاموال المرصودة لها.
هذا الضعف المؤسساتي ينعكس مباشرة على السلوك الجمعي، فيولد حالة من "الاغتراب السياسي"، حيث يشعر المواطن بأن أجهزة الدولة لا تمثله ولا ترعى كرامته، بل تمارس ضده نوعاً من الإهمال البنيوي، وهنا تنشأ الفجوة العميقة بين "مجتمع حيوي يتمتع برأس مال أخلاقي" و"سلطة ضعيفة تعاني من فراغ قيمـي".
المحور الثاني/ الإدارة الذاتية
في المقابل، تقدم زيارة الأربعين نموذجا مضادا لحالة الضعف التي تعيشها الدولة، إن هذه الزيارة ليست مجرد طقس ديني عابر، بل هي ظاهرة اجتماعية إنسانية قائمة على الإدارة الشبكية الذاتية، وتتجلى في الأربعينية قيم "رأس المال الاجتماعي" بأعلى مستوياته:
اولا: الثقة الاجتماعية المتبادلة: يتعامل الأفراد فيما بينهم خارج أطر الحذر والتوجس، ويفتح المجال العام للجميع على قاعدة التكافل والتضامن.
ثانيا: إلغاء التراتبية والطبقية: تذوب الفوارق الطبقية والقومية والمناطقية أمام قيمة شمولية واحدة هي "خدمة الإنسان لإنسانيته المتصلة بالرمز الحسيني".
ثالثا: التنظيم اللوجستي التلقائي: تتم إدارة ملايين الزائرين عبر آلاف المواكب والهيئات دون الحاجة الى بيروقراطية معقدة أو أوامر سلطوية فوقية.
وفي هذا الصدد، يؤكد المرجع الديني السيد محمد الشيرازي (قدس سره) في ادبياته السياسية والفكرية على أهمية الأمة وقدرتها التأسيسية إذا ما أُتيحت لها الحرية والشورى، حيث يرى ان الشعب او الأمة هي المحرك الأساسي للإصلاح والبناء، وأن النظام السياسي الناجح هو الذي يستمد قوته من خيارات المجتمع ووعيه الحر، لا من أدوات القمع أو الاحتكار البيروقراطي، ويدعو الى تفويض الصلاحيات للمجتمع واعطائه الحرية في ادارة شؤونه الخدمية والاجتماعية عبر مؤسسات المجتمع المدني والشورى.
وهذا يعكس تماماً ما يحدث في الزيارة الأربعينية؛ إذ يثبت المجتمع أنه يمتلك وعياً تنظيماً هائلاً وإرادة إيثارية ذاتية حينما يتحرر من البيروقراطية الفاسدة والمحاصصة الحزبية.
كما يفكك آية الله السيد مرتضى الشيرازي (رعاه الله) أبعاد النهضة الحسينية بوصفها نسقاً أخلاقياً وإنسانياً عابراً للزمان، ويشدد دائما على ان النهضة الحسينية لم تكن مجرد حراك سياسي للتنازع على السلطة وتغيير الحاكم، بل هي منظومة قيمية عابرة للزمان تستهدف اعادة بناء الانسان، وتأسيس مفهوم الكرامة والعدالة الاجتماعية ومواجهة الاستبداد والفساد بوصفها واجبات إنسانية وليست مجرد شعارات مرحلية.
إن هذا البعد الأخلاقي هو ما يحرك الدينامية الأربعينية ويحيلها إلى مختبر حي يثبت إمكانية بناء مجتمع فاضل ومتماسك إذا ما حررت إرادته واستلهمت القيم الإصلاحية الحقيقية.
المحور الثالث/ الاستجابة السياسية
أمام هذا التدفق الشعبي ورأس المال الاجتماعي الهائل، كيف تستجيب الطبقة السياسية والمؤسسات الرسمية؟.
تظهر الاستجابة السياسية في العادة عبر آلية تعرف بـ"تسليع الرمز"، تتلخص هذه العملية في محاولة القوى النافذة استغلال الرمز الحسيني والطقس الأربعيني لتوفير الشرعية لشرعيتها المتآكلة، من خلال الاستعراض الإعلامي، ورعاية المواكب بشكل صوري، ودعم التجمعات الشكلية دون السعي الحقيقي للوعد الإصلاحي الجوهري.
يحدث هنا "تغييب للجوهر الإصلاحي"؛ إذ يفرغ الخطاب الحسيني من مضمونه التحرري والنقدي الضارب للفساد والظلم، ويحول إلى مجرد مظاهر شكلية لا تمس جوهر إدارة الدولة ولا تغير من واقع الفساد الخدمي والمالي، إن هذا التوظيف النفعي للرمز يعمق حالة الاغتراب لدى المواطن، الذي يرى رموزه الإصلاحية العظيمة تستغل لشرعنة أداء سياسي فاسد وعاجز".
وبعد استكمال طرح الورقة تم طرح السؤالين التاليين:
السؤال الاول: كيف يمكن تفسير المفارقة بين الفاعلية التنظيمية والتضامنية أثناء زيارة الأربعين، وبين ضعف مؤسسات الدولة سياسيا وخدميا؟.
السؤال الثاني: ما الآليات الكفيلة بتحويل قيم زيارة الأربعين من ممارسة مجتمعية موسمية إلى عقد اجتماعي دائم يسهم في ترميم بنية الدولة ويؤسس للمواطنة الفاعلة؟.
المداخلات
تحويل القيم الأربعينية من ممارسة وقتية إلى عقد اجتماعي دائم
- د. عقيل الحسناوي- استاذ اكاديمي:
لا شك أن مناسبة زيارة الأربعين تظهر مستوى كبيرا جدا من التكافل والتضامن الاجتماعي، وهذا أمر واضح للعيان ولا يحتاج إلى دليل، وهي تمثل بحق رأس مال اجتماعي، وكما هو معلوم، فإن علماء الاجتماع يقسمون رأس المال الاجتماعي إلى قسمين: رأس مال اجتماعي (رابط) يربط بين أبناء الهوية الواحدة، ورأس مال اجتماعي (جسري) يمتد ليعبر ويربط بين أبناء الهويات المختلفة، ومتى ما كان جسريا تتضاعف فاعليته، والواقع أن زيارة الأربعين تربط بين أبناء الهويات المختلفة، وإن كنت ألاحظ في الفترة الأخيرة أن مستوى هذا الارتباط بين الهويات أصبح أقل نسبيا مما كان عليه سابقا.
من جانب آخر، لا يمكننا الربط بأسلوب المماثلة المباشرة بين تنظيم زيارة الأربعين وبين إدارة الدولة؛ فهناك فوارق كبيرة وواضحة بينهما، فالذين يؤدون هذه الخدمات في الزيارة يجمعهم هدف خدمي واضح ومحدد وهو الموجه لهم، بينما تركيب الدولة ومؤسساتها مختلف تماما، ولهذا لا تصح المقارنة المباشرة.
مع ذلك، تثبت الأربعينية أن الشعب العراقي يمتلك قدرة عالية على التضامن الاجتماعي، ويمكن للدولة أن تستفيد من هذا التنظيم والنظام، على الرغم من أن تنظيم الزيارة يتسم أحيانا بالبدائية وينطوي على قدر من الإسراف، وهو بُعد يحتاج إلى نظر وتقويم أيضا.
إن الاستفادة الحقيقية لا تكون بجعل زيارة الأربعين بحد ذاتها عقدا، بل بتضمين قيم زيارة الأربعين في العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الدولة، والملاحظ للأسف أن هذه القيم تمارس في مجتمعنا حاليا بوصفها قيما وقتية.
ففي أيام الزيارة، نرى كافة فئات المجتمع، من أدنى موظف إلى أعلى مسؤول كـالوزراء وأعضاء البرلمان، يجتمعون برحابة ويقولون: وظيفتنا خدمة الزائر، ويرون أن كرامتهم تتحقق بهذه الخدمة، وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا لا تنعكس هذه الخدمة على المواطن في مؤسسات الدولة؟، ولماذا تكون الكرامة حاضرة بخدمة الزائر وتغيب عن خدمة المواطن؟، ولماذا تقتصر هذه القيم والالتزام الأخلاقي على فترة زمنية محددة لا تتجاوز أسبوعين أو عشرة أيام؟، فالموظف أو المسؤول يلتزم أخلاقيا في هذه العشرة أيام بخدمة الزائر ويرى كرامته فيها، لكنه عندما يعود إلى موقع وظيفته يحول هذه الوظيفية إلى مساحة للسلطة وكسب الأموال والثروات.
من هنا، كيف يمكن أن نحول هذه القيم ونضمنها في العقد الاجتماعي؟، وكيف ننتقل من هذا التنظيم الاجتماعي الأهلي إلى تنظيم اجتماعي وسياسي مؤسسي؟ يتحقق ذلك عندما ننتقل من شعار أنا بخدمة الزائر إلى شعار أنا بخدمة المواطن، بغض النظر عن اختلاف هويته أو طائفته أو عشيرته، أو حتى لو لم تكن له هوية أو عشيرة، لأن هذا هو المبدأ الأساسي، وهو ما نراه غائبا اليوم حينما تبقى هذه القيم مجرد ممارسات مؤقتة.
من القوة الناعمة إلى الاستثمار الحضاري
- الشيخ مرتضى معاش:
من المهم التأكيد على أن حديثنا هنا ليس عن الدولة المستقرة أو الدولة بمفهومها الحقيقي الرشيد، بل عن الدولة المأزومة، والمشكلة البنيوية للدولة المأزومة تكمن في انفصالها عن المجتمع؛ حينما تعجز عن التعبير عن تطلعاته وحاجاته وقضاياه لتتحول إلى هيكل مغترب عنه، أما الدولة الحقيقية فهي تلك التي تنبع من قلب الشعب وتتأسس على علاقات ثقة متينة ومتبادلة معه.
وهنا تبرز المقارنة الشاخصة: كيف يرتبط الناس بالإمام الحسين (عليه السلام) بعلاقة وثيقة ومحبة عميقة، بينما ينقطع هذا الارتباط وتغيب الثقة في علاقتهم بالدولة؟.
السر يكمن في علاقة المحبة؛ فالإنسان رأى ولمس من خلال تجارب حياته مع الإمام الحسين دعما نفسيا، واستقرارا إيمانيا، وتلبية لحاجاته الروحية والمعنوية مما منحه شعورا عميقا بالأمان. وفي المقابل، كانت الدولة عبر العقود والقرون المتطاولة –بدء من العهد العثماني وما قبله ووصولا إلى عصرنا الحاضر– دولة قامعة، مطاردة، مهجرة، تقام على سلب الحقوق وفرض الإتاوات، ومن يقرأ التاريخ يدرك تماما أنه لم تنشأ علاقة ثقة أو محبة حقيقية بين المواطن والعراق والدولة.
والسؤال الأساس هو: كيف نستطيع نقل هذه الروحية إلى دولة فارغة ومأزومة وهشة؟ فالدولة التي تخلو من هذه الروحية هي دولة بلا قيمة، وتعيش حالة من الفراغ في عقدها الاجتماعي، لأنها مرتهنة داخل أغلال ذاتية صنعتها بنفسها وجعلتها عاجزة عن التعبير عن مواطنيها.
إن هذه الأزمة تشبه تماما علاقة الابن بأبيه؛ فإذا لمس الابن محبة ورعاية حقيقية من الأب نشأ بينهما ارتباط دائم ومستمر، أما إذا حدث انقطاع أو انفصال عاطفي، فإن الاغتراب يفرض نفسه وتستمر الأزمة، بل قد ينقلها الأبناء للأجيال اللاحقة، وهذا بالضبط ما يعانيه المواطن المغترب داخل دولته اليوم.
من هنا، يمكن للدولة المأزومة أن تستفيد من هذه الأخلاقيات؛ أن تأخذ مفاهيم الإخلاص، الإيمان، الأمانة، والثقة، وتحولها إلى حالة إيمان راسخ بالدولة من خلال استعارة وتطبيق السياسات والقيم الأخلاقية الناجزة في زيارة الأربعين، إن هذه الاستفادة ستمكن الدولة من تحقيق الأمن الاجتماعي بأقل التكاليف، وإدارة المؤسسات والاقتصاد بمستويات عالية جدا من الكفاءة، لأن أمان الاقتصاد والأمن يبنى بالأساس على الثقة والأمانة.
إن المجتمع يقدم عبر هذه الدينامية رسائل قيمية وأخلاقية واضحة للدولة مفادها: نحن نملك الاستعداد الكامل، فاستفيدوا من هذا الحراك الهائل الذي يمكن أن يقفز بالدولة قفزات استراتيجية نحو المستقبل.
والنقطة المحورية الأخرى هي دبلوماسية زيارة الأربعين؛ فقد تحولت هذه المناسبة من حراك ديني محلي إلى قوة دبلوماسية وناعمة هائلة للعراقيين في العالم أجمع، فاليوم نرى مسيرات وحشودا أربعينية هائلة في دول متعددة؛ في ميشيغان بأمريكا، في سيدني بأستراليا، وفي لندن وألمانيا وغيرها. هذه القوة الناعمة والمجانية يفترض بالعراق استثمارها سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا، لتعزيز الثقة وجذب الاستثمارات، ولأن تكون دافعا لبناء قوانين تحمي المستثمرين وتفكك الفساد والبيروقراطية.
ولو نظرنا إلى الدول الذكية استراتيجيا، فنحن نراها تستغل المناسبات الكبرى مثل كأس العالم أو الألعاب الأولمبية لتأسيس بنى تحتية ضخمة لا تقتصر على فترة الحدث فحسب، بل يمتد نفعها للشعب عقودا طويلة، وبنفس المنطق يمكن تحويل زيارة الأربعين إلى مشروع بنى تحتية شاملة يستفيد منها العراقيون طوال العام، ويستفيد منها الزائرون من كل مكان، إن الاستثمار في الزيارات الدينية يمتلك القدرة على در موارد مالية مضاعفة للموارد النفطية الزائلة.
هذا هو نمط التفكير الاستراتيجي الذي نحتاجه؛ أن تقفز الدولة فوق الأغلال والخيارات الخاطئة التي تكبلها، كالاقتصاد الريعي، والتضخم الوظيفي المفرط، والبيروقراطية المكبوتة، وأن تنتقل نحو الاستثمار في البنى التحتية الشاملة، والعراق اليوم هو أكثر بلد مهيأ لاستثمار مجاني في بنائه التحتي إذا ما فتح الآفاق والفرص للمؤمنين والراغبين بالبناء من كل العالم ووفر الحماية القانونية لهم، إنها فرصة استثنائية لصناعة التحول، تتطلب تطورا في وعي الدولة والمجتمع معا نحو رؤية استثمارية مستدامة للمستقبل.
بين التراكم التربوي وتذبذب السياسة
- الاستاذ علي حسين عبيد/ شبكة النبأ المعلوماتية:
من خلال السؤالين المطروحين في الورقة، نلاحظ بوضوح وجود خطين متوازيين ومتناقضين في المشهد العراقي:
الخط الأول: هو الخط الاجتماعي، المتمثل في الفاعلية التنظيمية والتضامنية العالية التي تبرز في زيارة الأربعين، وهو خط يعبر عن حيوية المجتمع العراقي.
الخط الثاني: هو الخط الرسمي والحكومي، المتمثل في الأداء المؤسساتي وما يعتريه من ضعف وشلل واضحين.
وهنا نقف أمام تناقض شاخص بين قوة الخط الأول وضعف الخط الثاني؛ وأعتقد أن السر في قوة الخط الاجتماعي ورسوخه يعود إلى الجانب التربوي والعقائدي المتجذر في وجدان المجتمع العراقي، وهو جانب قائم على التوارث والتناقل الحي عبر الأجيال، من الأجداد إلى الآباء ومن ثم إلى الأبناء.
لقد آمن الناس بهذه القضية لأنها مسار تربوي متصل؛ فالطفل ينشأ ويفتح عينيه ليرى والده يخدم الزوار، ويشارك في إدارة المواكب، ويبذل الجهد بوعي ويقين بأن هذا العمل يقربه إلى الله سبحانه وتعالى. هذا الشعور بالمردود الإلهي والغيبي للخدمة نقله الجد إلى الابن، والابن إلى الأبناء عبر رحلة تاريخية طويلة استغرقت مئات السنين. وبالتالي، كان من الطبيعي جداً أن يؤمن المجتمع بهذا المسار، وأن يندفع لتقديم كل ما يملك للزائرين عن طيب خاطر ويقين راسخ.
لكن المشكلة الجوهرية تكمن في الخط الثاني، أي الخط السياسي؛ فلو تتبعنا مساره البياني منذ نشأة الدولة وحتى هذه اللحظة، لوجدناه خطاً متذبذباً وضعيفاً، وتغيب عنه تماماً ميزة التراكم الإيجابي، فحتى لو ظهر سياسيون مخلصون أو برزت تجارب مؤسساتية ناجحة –وهي قليلة بطبيعة الحال– فإن من يأتي بعدهم سرعان ما ينسف ما قبله ويبدأ من الصفر، لتبقى الدولة سياسياً في حالة هشاشة وضعف مستمر.
من هنا، أرى أن جوهر الحل لتجاوز أزمة الدولة يكمن في خلق حالة حقيقية من التناغم والانسجام بين الخط الأول المتمثل في حيوية المجتمع وقيمه المتوارثة، والخط الثاني المتمثل في البنية السياسية والإدارية للدولة.
فلسفة الإصلاح الحسيني وأزمة العقد الاجتماعي
- الاستاذ خليفة التميمي، كاتب واعلامي:
إذا أردنا العودة إلى أصل المشكلة وجوهرها، فعلينا الرجوع إلى مسألة الإصلاح وصاحب مشروع الإصلاح الحقيقي في الأمة، الإمام الحسين (عليه السلام)، لقد تجلت مفردة وفكرة الإصلاح في مسار الإمام الحسين ومواقفه في ثلاثة مواقف رئيسية:
الموقف الأول برز حتى في تعاطيه مع خصومه، حين قال لوالي المدينة الوليد ولمروان بن الحكم: أصلح الله ذات بينكم، رغم علمه بالعداوة الكامنة بينهما، إدراكا منه بأن إصلاح الخلافات يقلل من تداعيات الصراع في إدارة الحكم. والموقف الثاني تمثل في إعلانه المبدئي الصريح: إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي. أما الموقف الثالث فتجسد في فلسفته الشهيرة التي نفت أي دافع دنيوي عن حركته: لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً، حيث يقف الفساد نقيضاً تاما ومباشراً للصلاح والإصلاح.
وهنا يطرح السؤال نفسه: ما الذي انكسر في الأمة آنذاك حتى نهض الحسين (عليه السلام) لإصلاحه؟ الواقع أن الأمة كانت تعيش حالة من التشظي، بينما كان الحكام يسعون وراء مصالحهم الضيقة، وهو ما جعل الموقف فاصلا ومبدئيا: لكم عملكم ولي عملي، وأنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون.
وفي الفكر القانوني والسياسي، يعرف العقد الاجتماعي –كما تعلّمناه في كلية القانون– بأنه تنازل الأفراد عن جزء من حرياتهم وحقوقهم مقابل أن يتولى الحاكم المسؤولية والشرعية لحفظ الأمن والنظام والاستقرار، وهو الإطار الذي نظر له فلاسفة مثل توماس هوبز لضبط استقرار المجتمع.
والسؤال الذي يواجهنا اليوم: كيف نصنع عقداً اجتماعياً حقيقياً يستلهم ما أراد الإمام الحسين بناءه ليربط بين المواطن والدولة، في ظل الميراث والأداء الذي نراه لدى القيادات والطبقة السياسية الحالية؟
لقد وصل الإمام الحسين إلى تشخيص منطقي لواقعٍ كان فيه المجتمع متشظياً، والمعروف متروكا، والمنكر غير متناه عنه، فكان خياره النهائي هو الثبات الأخلاقي والمبدئي، مصداقاً لقوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا).
إن المسؤولية الدينية والاجتماعية والأخلاقية التي تقع على عاتق الحاكم والمسؤول تقتضي الثبات على العهد والوفاء بالمسؤولية العامة دون تبديل أو مساومة، غير أن واقع الحال الذي نعيشه اليوم يكشف عن تبديل مستمر وتعديل دائم في المواقف بحثا عن المصالح دون ثبات على مبدأ جامع، ويبقى الأمل معقودا في أن يعي القائمون على إدارة المشهد هذه الحقيقة، وأن يعودوا إلى جادة الحق، وإلى هدي القرآن، وإلى الرؤى الأصيلة للمفكرين والمصلحين الأوائل.
زيارة الأربعين مادة خام للتنمية وتجاوز الفساد
- الاستاذ حامد الجبوري، مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:
مبدئياً، هناك جانبان أساسيان فيما يخص زيارة الأربعين وأبعادها الاستراتيجية:
الجانب الأول يتعلق بالمفارقة الفكرية والقيمية؛ إذ لا أعتقد أبدا أن شعار هيهات منا الذلة يتفق مع واقع الفساد الذي نعاني منه في العراق؛ فهما أمران متناقضان تماما، فالمفترض حين نرفع هذا الشعار أن نترجمه في بناء دولة تعزز كرامة المواطن وتحميها؛ لأن حركة الإمام الحسين (عليه السلام) نهضت بالأساس من أجل حرية الإنسان وكرامته. ومن هنا، ينبغي أن يتجه جهدنا تلقائيا نحو تأسيس وبناء دولة تجعل من كرامة المواطن هدفها وغايتها الأولى.
أما الجانب الثاني، فيرتبط بطبيعة هذا التجمع البشري السنوي الهائل؛ فمن الصعوبة البالغة في عالم اليوم أن تجد حدثا يستطيع حشد هذا العدد المليوني من البشر حول قضية واحدة، وفي بلد محدد، وضمن بقعة جغرافية واحدة، هذه ميزة ونقطة إيجابية فريدة للعراق؛ ففي الوقت الذي تبذل فيه دول العالم جهودا كبرى لخلق حدث يلفت أنظار العالم –كما فعلت دبي مثلا في جذب الأنظار والاستثمارات العالمية من خلال ناطحات السحاب– نحن نمتلك بالفعل مادة خام جاهزة لا يوجد لها نظير في العالم، وهي الزيارة الأربعينية بوصفها أضخم تجمع بشري سنوي على وجه الأرض.
إن الاستثمار الذكي لهذا الحدث العالمي سيلفت أنظار العالم ويجذب رؤوس الأموال والاستثمارات إلى داخل العراق، مما سيسهم في إنهاض الاقتصاد، وتقليل معدلات البطالة، وتوفير فرص العمل. وهنا نصل مجددا إلى تعزيز الكرامة الإنسانية؛ لأن توفير فرصة العمل اللائقة هو ما يجعل الإنسان يعيش معززا ومكرما في وطنه.
وختاما، ينبغي العمل على إعادة توجيه القضية الحسينية لتكون ثقافة مجتمعية حية، حتى لا تفرغ من محتواها وتختزل في إطار طقوسي بحت، بل يجب أن تجمع بين المحتوى والشعار والشعور، إلى جانب استثمار هذه اللفتة العالمية الكبرى بوصفها ثروة ومادة خاما لا تحتاج إلا إلى مزيد من الرعاية والتخطيط.
من تجليات الرؤية الزينبية إلى التوظيف السياسي
- د. خالد الاسدي، مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث:
إن زيارة الأربعين حدث استثنائي ملأ الدنيا وشغل الناس بحق، لكن الإشكالية الجوهرية التي تبرز في سياق هذا الحدث تكمن في المفارقة القائمة بين الحكومة والمجتمع؛ فأنا لا أعتقد أن الدولة هي المأزومة بالضرورة، بل الحكومة وأداؤها، إن هذه الفجوة الحاصلة هي نتاج مباشر للسياسات القائمة وليست من صنع المجتمع، فلو أن المجتمع العراقي انساق وراء تلك السياسات لتشظى تماما ولم يبق منه أحد.
لقد واكبنا جميعا الأحداث في العراق منذ عام 2003 وحتى اليوم، ورأينا كيف حاول بعض السياسيين تسييس هذه الزيارة وتوجيهها بطرق شتى، لكن ثمة يدا خفية ورعاية حالت دون ذلك وسحبت البساط من تحتهم، إن هذه الزيارة الأربعينية، بما تحمله من تنظيم رائع، تمثل في نظري إحدى الصور الجميلة التي أرادتها السيدة زينب (عليها السلام) وجسدتها في قولها الخالد: ما رأيت إلا جميلا؛ وهي الرؤية التي استشرفت المستقبل حين خاطبت الإمام السجاد (عليه السلام) مؤكدة أن الله سينصب لشهيد كربلاء علما وراية في كل بقعة من الأرض.
واليوم، تبدو الحكومة في كثير من الأحيان كمن يختبئ خلف نجاح الزيارة الأربعينية، ليخرج بعدها ويدعي أمام العالم أن هذا الإنجاز تحقق بجهوده الرسمية، في حين أن الحقيقة الشاخصة هي أن الزيارة تنجح كل عام بجهود الناس وعطائهم وإدارتهم المجتمعية الذاتية، إن هذا الحدث المليوني لا يحتاج إلى توظيف شكلي، بل يحتاج إلى رعاية حكومية نوعية والتفاتة مسؤولة تسهم في تقديم هذه التجربة إلى العالم بالصورة المشرقة التي تليق بمقام الإمام الحسين (عليه السلام).
قيم الأربعين بين السلوك المؤقت والمبدأ الراسخ
- الاستاذ حسين علي حسين، مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية:
لا أرى وجود مفارقة حقيقية بين تنظيم زيارة الأربعين وبين واقع الدولة؛ فالأمر في الزيارة هو تنظيم إلهي وروحي مؤقت مدفوع بالعقيدة الكامنة داخلنا، أما إذا التفتنا إلى الدولة، فمن يعطي الشرعية لهذه الدولة هم أنفسهم الناس الذين يخدمون في الزيارة الأربعينية.
ولو كنا فعلا نلتزم بالقيم الحقيقية لزيارة الأربعين، لسرنا على القيمة الأساسية الأولى التي انطلق منها سيد الشهداء (عليه السلام)، والمتمثلة في الحديث النبوي الشريف: إن أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر. فسيد الشهداء خلدت مسيرته لأنه قال كلمة الحق بوجه السلطان الجائر، وهذا الموقف المبدئي قد لا نراه حاضرا ومطبقا عندنا في الوقت الحالي.
والمثال الأخلاقي: في طريق الزوار، لو كنت تمشي بسيارتك وصدمتك سيارة موكب خدمي صدمة خفيفة، ستمرر الأمر بكل رحابة وتسامح وتقول: الأمر طبيعي ولا توجد مشكلة. لكن في الأوقات العادية وخارج موسم الزيارة، لو صدمتك نفس السيارة، ماذا سنفعل؟ نوقف السير، ونستدعي المرور، وقد يتحول الموضوع إلى مشكلة وفصل عشائري وأمور معقدة!
لذلك، فالقضية الأساسية في موضوعنا هي أننا بحاجة إلى رؤية ومنهجية واضحة نفهم من خلالها قيم الإمام الحسين ونطبقها باستمرار، لا أن تبقى مجرد ممارسة مؤقتة، إن مشكلة واقعنا في العراق أن تعاملنا مع القضايا والأزمات يقتصر دائما على الحلول المؤقتة دون التفكير بالمستقبل، وما نحتاجه حقا هو التوجه الجاد نحو المستقبل عبر استراتيجيات حقيقية نعيد بها ترتيب وضعنا بالشكل الصحيح.
زيارة الأربعين كفرصة حضارية لإصلاح منظومة الدولة
- الاستاذ محمد علي جواد تقي، كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:
في الوقت الذي ننظر فيه بكل إيجابية وفخر لنتائج هذه الزيارة المليونية العظيمة، ونتبادل فيها مشاعر التعاطف والتعزية، ونرى انطباعا إيجابيا شاملا حيث شارك الجميع بجهدهم أو حتى بكلمة طيبة.. نرى في المقابل حالة الدولة ومؤسساتها، التي ينتمي نسبة لا بأس بها من العاملين والقائمين عليها إلى مدرسة أهل البيت، وهم من نفس الشريحة التي تخدم في الزيارة، ولكنهم في واقع مؤسساتي مؤسف جدا؛ من حيث قضايا الفساد، وطريقة إدارة الأموال المرصودة، وتردي الواقع الخدمي في النقل والنظافة وغيرها، وإن شهدت بعض الجوانب تحسنا طفيفا.
هذا التناقض الواضح أفسره بأن ما يشهده موسم الزيارة ينطلق من دافع وجداني وإيماني نابع من أعماق نفس الإنسان وفطرته السليمة؛ بينما ما يعيشه المواطن في حياته اليومية لتنظيم شؤونه هو عبارة عن مجموعة قوانين وإجراءات حكومية صيغت خارج المنظومة الثقافية والوجدانية للناس، ولذلك لا نجد تفاعلا حقيقيا أو التزاما بها، بل نرى في كثير من الأحيان أن من يرفع لواء القانون وشعار المواطنة يعمل بنقيضه تماما.
أما في زيارة الأربعين –وفي كل الزيارات المليونية عموما– فالناس ينظمون أنفسهم بأنفسهم لأن مناسبة الإمام الحسين لصيقة بفطرتهم، ولأنها تحمل كل القيم الإنسانية والأخلاقية التي تبني شخصية الإنسان السوي.
وهنا أعتقد أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق مؤسسات الدولة، بالتعاون مع المؤسسات الثقافية والدينية؛ إذ ينبغي فهم هذه الممارسة المجتمعية من الداخل، ومن منطلق الحالة الإيمانية الصادقة التي يحملها الناس، لا أن ننظر إليها برؤية مادية سطحية ومجردة تحت عنوان السياحة الدينية.
فالمفترض من مؤسسات الدولة أن تعتبر هذه الزيارات قضيتها وهمها المباشر، وألا تترك العبء فقط على المواكب الحسينية والخدمية؛ فالزيارة المليونية في كربلاء المقدسة تمثل فرصة حضارية وتاريخية كبرى للدولة العراقية، بما تملكه من إمكانات هائلة، لاستثمار هذا التجمهر العظيم من داخل العراق وخارجه في تكريس قيم السلم، والحرية، والتعايش، وترسيخ معاني الأخوة، والتكافل، والإيثار. إن هذا الاستثمار كفيل بأن يسهم في معالجة الكثير من الأزمات والمشاكل التي يعاني منها الإنسان العراقي وكذلك الزائرون القادمون من مختلف البلدان، لتكون الدولة العراقية بذلك شريكا حقيقيا في تصدير مبادئ النهضة الحسينية وقيمها الإنسانية إلى العالم أجمع.
نحو تحرير كربلاء والاستثمار فيها من قيود الدولة
- د. علاء الحسيني/ مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات:
مشكلتنا الحالية في العراق أصبحت أشبه بالقاعدة الثابتة: حيثما تضع الدولة يدها، يسبقها الفساد ويضع يده قبلها! وبالتالي تسوء الأمور بدلا من أن تصلح، وتتحول المشاريع إلى مجرد واجهات ويافطات شكلية للفساد؛ تنفق من خلالها مليارات الدنانير لتجد طريقها سريعا إلى جيوب الفاسدين، بدلا من أن تتحول إلى خدمات وبنى تحتية حقيقية تقدم للزائرين والوافدين إلى كربلاء والإمام الحسين (عليه السلام).
لذلك –وفي هذه المرحلة على أقل تقدير– قد يبدو طرحي غريبا للبعض، لكنني أدعو بوضوح إلى أن يخلى بين الزائرين والخدم والمواكب وإدارة الزيارة، وأن تبعد الدولة يدها عنها، فالمشكلة لدينا في العراق أن الفساد تحول إلى ثقافة سائدة؛ فحتى الإنسان السوي حين يدخل الوظيفة العامة اليوم، بات ينظر أحيانا إلى الفساد وكأنه حق مشروع، بل يراه البعض واجبا لإرضاء الجهات والمتبنين الذين جاؤوا به إلى هذا المنصب.
وحين نعود إلى الدستور العراقي، نجد المادة العاشرة منه تتحدث عن العتبات والمقامات الدينية والحضارية، وتلزم الدولة فقط بحفظ حرمتها وضمان حرية ممارسة الشعائر فيها لا أكثر، وأرى أن هذا الواجب بحد ذاته بات كبيرا على أجهزة الدولة في ظل معطيات واقعنا الراهن، كما أن المادة الثالثة والأربعين تؤكد على حرية ممارسة الشعائر الدينية بما فيها الشعائر الحسينية، وهو إنجاز قانوني ودستوري يحتاج إلى تطبيق واقعي منصف.
إن القيم الحسينية والروحية التي يتصف بها خادم وزائر الإمام الحسين هي قيم إنسانية عليا قبل أن تكون قيماً دينية؛ فالزائر ينظر إلى أخيه الزائر وإلى أخته الزائرة كأنهم من أهله وعرضه، فيحميهم ويصونهم بروح ملؤها الإيثار، هذه المعاني الإنسانية والاجتماعية هي الأساس الذي يمكن البناء عليه لتجذير إصلاح مجتمعي حقيقي ينبع من الداخل.
أما في الجانب الاقتصادي، فإن المؤمنين والراغبين بالاستثمار من مختلف دول العالم مستعدون للاستثمار في كربلاء وبناء مشاريع كبرى مثل شبكات القطارات والمطارات لخدمة الزيارة ونيل الثواب، لكنهم يحتاجون فقط إلى أن تفسح الحكومة الطريق أمامهم؛ لأن أي مستثمر يصطدم فورا بعقبة الروتين الحكومي والبيروقراطية القاتلة وهيئات الاستثمار وما يحيط بها من فساد كبير، مما يعطل أي مسعى لخدمة المدينة أو تنميتها.
لذلك، أرى أن الحل الأمثل هو أن ترفع الدولة يدها وبيروقراطيتها عن كربلاء، وتترك للمجتمع والمؤمنين إدارة هذه الطاقات وخدمة هذه المسيرة المباركة.
بين عفوية المجتمع وتدخل السلطة
- الاستاذ احمد جويد، مدير مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات:
إن قوة الخدمة التي نراها تتجلى في الزيارة الأربعينية مستمدة بالأساس من العفوية والحراك الشعبي النابع من صلب المجتمع، لا من الدولة، وقد ذكر الإخوة نقطة مهمة؛ وهي أن أغلب من يشاركون في خدمة المواكب الحسينية هم أنفسهم موظفون في دوائر الدولة، لكن المفارقة أن نفس هذا الشخص إذا ذهبت إليه في دائرته تجد لديه سلوكيات وأخلاقيات مختلفة تماما عن تلك التي يظهرها في الموكب! وتجده في الشارع أيضا –إذا كان يقود سيارته– يتعامل بعصبية في كل تقاطع وإشارة مرورية، فهناك ازدواجية واضحة وتناقض كبير نعيشه في الواقع.
وحين نسأل: لماذا تبرز هذه القيم الأخلاقية الراقية في زيارة الأربعين تحديدا؟، فالسبب يكمن في أن الدولة لم تضع يدها على هذه المناسبة؛ فالناس بعفويتهم وإرادتهم هم من ينظمون هذه المواكب ويديرونها، ولذلك تختلف الروحية الموجودة في المواكب الشعبية اختلافا جذريا عن الروحية في المواكب التي تنظمها المؤسسات والدوائر الحكومية.
فعلى سبيل المثال: لو طُلب مني كموظف –عبر أمر إداري– أن أحضر في موكب تابع لدائرتي، فأنا أقدم نفس الخدمة وأعطي نفس كأس الماء لنفس الزائر المتوجه لنفس الهدف، لكنني أشعر في موكب الدائرة بأن الأمر مفروض علي فرضا، فأحاول تمضية ساعة واحدة ثم المغادرة، بينما في موكب منطقتي وعشيرتي وجيراني أخدم بطيب خاطر وربما أنام في الموكب أياما كاملة! ولهذا أرى أن تدخل الدولة المباشر في تنظيم وتقديم خدمات الزيارة يمثل خطرا حقيقيا على جوهر الخدمة وروحيتها.
ولو عدنا إلى التاريخ وفلسفة الحكم، لوجدنا أن أول من سعى لتخفيف هيمنة وسلطة الدولة هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ إذ أراد للدولة أن تكون راعية، حامية، وحارسة للأمن والبنى التحتية فقط، وتترك للناس إدارة شؤونهم بأنفسهم، أما تدخل الدولة في كل صغيرة وكبيرة فليس بالأمر الصحيح، ولهذا نجد أن المواكب والبيوت العراقية التي تفتح أبوابها للزائرين تختلف تماما في كرمها عن أي نمط رسمي.
ومع الأسف، رأينا كيف دخلت السياسة في هذه الزيارة لتكثر الشعارات والرايات المتعددة؛ حتى كادت راية الإمام الحسين وقيمه التحررية أن تصبح ثانوية أمام ركض كل طرف وراء رايته الخاصة، وهذا نتاج طبيعي لمحاولات التوظيف والتدخل التي تنسى الولاء الحقيقي والغاية الأساسية التي نهض من أجلها الإمام الحسين.
وفي المقابل، فإن المجتمع العراقي أثبت قدرته على استثمار طاقة المواكب في التكافل والتضامن ومواجهة أصعب الأزمات، ولقد رأينا ذلك بوضوح في أزمة كورونا، حيث تحولت نفس هذه المواكب –وبنفس الروحية الإيمانية– إلى توزيع السلات الغذائية على العوائل المتعففة في بيوتها، ورأينا دورها الكبير في الدعم اللوجستي إبان معارك التحرير، ونراه يوميا في مبادرات التكافل داخل الأحياء السكنية؛ فحين يعجز المواطن عن إجراء عملية جراحية لغياب الضمان الصحي من الدولة، يبادر صاحب الموكب وأصحابه بجمع التبرعات وتكفل العملية أو ترميم سقف بيت محتاج، فضلا عما نراه من تكافل بين الجيران في إيواء وإطعام الفائض من الزوار.
هذه هي الروحية الحقيقية التي نحتاج تنميتها والحفاظ عليها، ومن هنا، أسجل تحفظي الشديد على أي محاولة لتدخل الدولة في إدارة شؤون المواكب والخدمة الحسينية؛ لأن تدخلها سيفقد هذه الممارسة عفويتها وبركتها، ويقودها إلى التراجع والبيروقراطية السلبية بدلا من أن تكون طاقة إيجابية ملهمة.
بين الاستنزاف الاقتصادي والتوظيف السياسي
د. حسين السرحان، مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية:
عندي ثلاث نقاط أساسية أود طرحها بصراحة وتجرد:
النقطة الأولى: تتعلق بجهد الدولة؛ فالواقع أن جهدها في هذا الحدث يقتصر بالدرجة الأساس على الجانب التنظيمي والأمني، بل إن بعض ما توفره –مثل سيارات النقل المفتوحة والحوضيات– يمس أحيانا بكرامة الإنسان، وكلنا يعرف ملفات الفساد والميزانيات الضخمة غير الظاهرة المترتبة على حركة هذه الآليات؛ من وقود، وإيفادات سائقين، وغيرها من التفاصيل، لكن إشكالنا الأكبر ينصب على بعض الجهات السياسية والدينية التي تحاول تمزيق النسيج المجتمعي واستغلال هذا الحدث.
النقطة الثانية: دعونا نتحدث عن العقد الاجتماعي؛ فما هي رابطتي كمواطن مع الدولة وتنظيمها السياسي؟ إنها رابطة سياسية، واقتصادية، وقانونية، وثقافية هوياتية، والسؤال: هل استثمرنا هذا الحدث العالمي لتعزيز هذه الروابط؟.
سياسياً: القوى السياسية تقدم للأسف أسوأ مثال للتدخل وفرض الرأي ومصادرة الآخرين، حيث تحول المناسبة إلى ساحة لفرض توجهاتها؛ سواء في الفضاء الرقمي وعبر منصات التواصل الاجتماعي، أو من خلال بعض التجمعات والمواكب. وسياسياً أيضاً، تجعلنا الزيارة نستذكر التقصير الكبير لمؤسسات الدولة تجاه خدمة الناس، وكيف ترتضي الحكومة أحياناً امتهان كرامة المواطن في تفاصيل التنظيم والنقل.
اقتصادياً: إذا تحدثنا بتجرد وبلغة علم الاقتصاد: أين نحن من الاستفادة الحقيقية؟ دعونا نأخذ مثالاً من دولة مجاورة مثل تركيا، التي حققت إيرادات سياحية ضخمة تصل إلى عشرات المليارات واستقبلت ملايين السياح، والآلاف من فنادقها ومطاعمها تعمل وتنتج وتوفر مئات آلاف فرص العمل. أما في العراق خلال زيارة الأربعين، فالواقع الاقتصادي يشهد إخراجا كبيرا للعملة الصعبة ونزيفا للدولار لأن أغلب المواد المستخدمة في الضيافة مستوردة من الخارج، أضف إلى ذلك أن أكثر من ألف فندق ومئات المطاعم في كربلاء تغلق أبوابها خلال هذين الأسبوعين، مما يعني تعطيل آلاف الشباب العاملين فيها، فضلاً عن الضغط الشديد وغير المعوض على البنى التحتية وخدمات المدينة، فالحدث –بصورته الحالية وبسبب السياسات المتبعة– يشكل عبئا اقتصاديا واستنزافا للموارد، في حين أنه يمثل في الأصل عنصر قوة هائلاً لو استثمر بالشكل الصحيح.
اجتماعيا وهوياتيا: في الوقت الذي نشكر فيه الفعاليات الخدمية للكثير من الجهات الدينية، نجد في المقابل أن بعض الجهات السياسية والدينية سعت لاستغلال المناسبة، بل وحولت بعض المواكب إلى مساحات لصراعات سياسية وتخزين للسلاح. وهنا نتساءل: أين الهوية الوطنية الجامعة؟ للأسف، المشهد يتحول إلى تشتت وتكريس لانتماءات فرعية؛ لجهة معينة، أو محافظ، أو وزارة، دون التركيز على الهوية الوطنية التي ينبغي أن تجمعنا.
النقطة الثالثة والأخيرة: نحن بحاجة ماسة إلى قراءة هذا الحدث في سياقه الموضوعي الواقعي؛ أن نضعه في إطاره الزماني، والمكاني، والإنساني، والديني الطقوسي لتعظيم ذكرى سيد الشهداء (عليه السلام) واستلهام قضيته الإنسانية، بعيداً عن القراءات العاطفية المبالغ فيها، إن المطلوب هو التحرك ضمن هذا الإطار الإنساني الجامع، دون نزعات سياسية أو حزبية تبعدنا عن هويتنا الوطنية، وتضعف العقد الاجتماعي الذي نطمح إلى تعزيزه لبناء الدولة.
استثمار الكفاءات في زيارة الأربعين لترميم بنية الدولة
- صادق الطائي، باحث وكاتب:
كل الدول والأنظمة الحاكمة تمر بظروف وتدخل في رهانات قد تعتقد من خلالها أنها ستحقق انتصارات ونجاحات طيبة، لكن مجريات الواقع والتجربة الميدانية تأتي أحيانا على عكس ذلك تماما، ومع ذلك، فإن هذا التعثر لا يعني إطلاقا أنها الفرصة الأخيرة أو أنه قدر دائم ومستمر لتلك الدول، بل يمكن أن يكون محطة للتعلم والتجربة والانطلاق نحو مرحلة التكامل والنضج.
وما نراه في زيارة الأربعين هو حضور فاعل لعناصر وكفاءات تمتلك قدرات وإمكانات عالية جدا، تعلن تضامنها الكامل وتندفع للخدمة في ظل دولة تعاني من ضعف واضح في مؤسساتها السياسية والخدمية، فنحن نرى مثلا أستاذا ومدرسا ينزل ليكنس الشارع، ومقدما لبرامج تلفزيونية معروفا يصبغ أحذية الزائرين دون أن يعرفه الناس أو يلتفتوا إلى مكانته.
إن هذه الطاقات والخبرات العلمية الكبيرة المضحية والصادقة في تعاملها وبذلها، يمكن لها أن تسهم بشكل حقيقي في معالجة نقاط الضعف، وأن تساعد في بناء عقد اجتماعي دائم يرمم بنية الدولة المأزومة، فوصول هذه الكفاءات واستعدادها العالي للعطاء هو في الحقيقة آلية واقعية ومهمة جدا من الآليات التي تتيحها دينامية زيارة الأربعين، والتي يمكن للدولة أن تستثمرها وتستفيد منها عمليا في عملية البناء والتحول.
كيف ننتقل بقيم الأربعين من الحالة الاستثنائية إلى بناء الدولة؟
* الأستاذ نبيل خالد مخلف، باحث اكاديمي:
في الحقيقة، هذه المفارقة التي نناقشها تعكس في عمقها ما يمكن تسميته بـ "ازدواجية النموذج" التي يعيشها الواقع العراقي؛ فخلال أيام زيارة الأربعين، نحن نرى بوضوح نموذجاً "حضارياً" بديلاً يتأسس على ثلاث ركائز واضحة:
الركيزة الأولى/ هي حضور القيم في مقابل المصالح؛ حيث تتراجع الحسابات المادية والمصالح الشخصية الضيقة، ليحل محلها منطق البذل والإيثار وروح الخدمة، مما يضع قدرة المجتمع على إدارة شؤونه ذاتياً أمام اختبار عملي ناجح.
الركيزة الثانية/ تتمثل في رصيد الثقة الاجتماعية؛ فالزيارة تكشف عن حجم هائل من الثقة المتبادلة التي نفتقدها في حياتنا العامة اليومية، حيث تفتح العوائل بيوتها ويقدم الناس الخدمات للغرباء بتلقائية ودون حاجة لأي رقابة رسمية.
الركيزة الثالثة/ فهي التنظيم الذاتي؛ إذ ينتج المجتمع شبكة واسعة ولا مركزية من المواكب والعمل التطوعي، تتسم بانضباط عالي وقدرة مذهلة على إدارة الحشود المليونية، وهو ما يدفعنا للسؤال تلقائياً: لماذا تنجح هذه المنظومة الأهلية في الميدان بينما تفشل مؤسسات الدولة في تقديم أبسط الخدمات؟
أما فيما يخص ضعف الدولة، فالسبب الجوهري يعود إلى غياب العقد الاجتماعي الحقيقي الذي يربط بين الحاكم والمحكوم؛ فحين يفقد المواطن ثقته بالمؤسسات نتيجة الضعف والفساد، يتجه تلقائياً نحو خلق البدائل المجتمعية التي تحميه وتلبي حاجاته.
لذلك، فإن جوهر الرهان يكمن في كيفية استثمار هذه الحالة الاستثنائية وتحويلها إلى حالة دائمة ومستمرة، وذلك من خلال أربعة مسارات عملية:
أولاً: ترسيخ ثقافة المواطنة؛ بنقل قيم الزيارة –كالمسؤولية، والتضامن، وقبول الآخر– من مجرد ممارسة موسمية عابرة لتكون منهجا تربويا وسلوكيا في التعليم والإعلام، وبما يرسخ الانتماء الوطني الجامع بدلاً من الانتماءات الفرعية والطائفية.
ثانياً: بناء الدولة على نموذج الخدمة؛ بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن؛ فكما أن لقب خادم الزائرين يمثل مصدر فخر واعتزاز خلال الزيارة، يجب أن تصبح خدمة المواطن هي المعيار الحقيقي لنجاح المسؤول والمؤسسة، بعيداً عن منطق التسلط والامتيازات.
ثالثاً: تفعيل المشاركة المجتمعية؛ عبر استثمار هذه الطاقة التطوعية الجبارة في مشاريع تنموية مستدامة تسند المجتمع المدني، وتنقل روح التنظيم الذاتي من إدارة أيام الزيارة إلى إدارة الشأن العام المحلي وخدمة المدن.
رابعاً: إعادة إنتاج الخطاب السياسي؛ والتوقف تماماً عن تسييس الزيارة واستغلالها كأداة للمزايدات الخطابية، والتعامل معها كقوة ناعمة وطنية تعبر عن إرادة شعبية واعية قادرة على الضغط باتجاه الإصلاح ومكافحة الفساد، لا كمجرد طقس ديني معزول.
وختاماً، تمثل زيارة الأربعين نموذجا لمجتمع مصغر ومختبرا حياً يثبت قدرة العراقيين على التعايش والتعاون والتنظيم، ويبقى رهان التحول الحقيقي معقودا على مدى قدرة النخبة والطبقة السياسية على استلهام هذا النموذج لترميم بنية الدولة واستعادة فاعليتها.
تعزيز البعد الفكري والروحي في زيارة الأربعين
- الاستاذ جواد العطار، نائب برلماني سابق:
تعتبر زيارة الأربعين في كل عام المناسبة البشرية الأكبر على مستوى العالم، وهي تمتاز بدقة التنظيم وتضافر الجهود المدنية، أفراداً وجماعات، إلى جانب مؤسسات الدولة بكافة أجهزتها لإنجاح هذا الحدث. لذلك، فإن نجاح الزيارة هو نتاج مشاركة فاعلة من مؤسسات الدولة، وليس مجرد جهد شعبي بحت بمعزل عن التنظيم الرسمي.
وإذا كان للعتبات المقدسة الباع الأكبر والدور الأساسي في إخراج هذه الشعيرة العظيمة بأبهى صورة أمام الزائرين من داخل العراق وخارجه، وأمام كل الوفود والدول المشاركة عبر غرف العمليات المشتركة، فإن للجهات الرسمية أيضاً أدواراً متعددة؛ أمنياً، وخدمياً، وصحياً، وتنظيمياً ومالياً في كافة النواحي.
ويكتمل هذا المشهد الواسع بتلك الجهود الفردية والمشتركة التي يبذلها أصحاب المواكب والزوار أنفسهم، والمبادرات الإيجابية التي تنطلق هنا وهناك، لتتكامل كل هذه الأطراف وتخرج الزيارة بالصورة التي تليق بعظمتها ومكانتها.
لكن الملاحظ حقيقةً هو تراجع الجانب الفكري والتوعوي في زيارة الأربعين وسائر الزيارات المليونية؛ فالتركيز ينصب بالدرجة الأساس على الجانب الخدمي من مأكل ومشرب وتوفير راحة الزائرين، بينما تغيب المحاضرات والندوات والأنشطة الإرشادية والتوعوية، أو تكاد تكون محدودة وتتوارى وسط الزحام.
ومن هنا، فإن المطلب الأساس للزيارات القادمة هو أن نبدأ الإعداد لها من الآن على المستوى الفكري والتربوي، بما يُعزز البُعد الروحي ويرفد أجيالنا بوعي عميق بقضية الإمام الحسين (عليه السلام) والارتباط بنهجه ورسالته.
فالخدمة –مهما عظمت وكبر شأنها– تبقى جزءاً من رسالة الأربعين، أما بناء الإنسان فكرياً وروحياً فهو الجانب الأهم الذي يستحق اهتماماً ورعاية أكبر؛ حتى لا تبقى الزيارة مجرد مشهد بشري وتجمع عظيم، بل تتحول إلى مدرسة حية ومتجددة تستمر آثارها وقيمها في سلوك الزائر وحياته اليومية بعد عودته إلى أهله ومدينته.
وفي ختام الملتقى الفكري تقدم مقدم الورقة البحثية الاستاذ حيدر الاجودي بالشكر الجزيل والامتنان إلى جميع من شارك برأيه حول الموضوع سواء بالحضور او من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وتوجه بالشكر الى الدعم الفني الخاص بملتقى النبأ الاسبوعي.