الجامعة بوصفها حاضنة للكتلة الحرجة الحضارية
محمد عبد الجبار الشبوط
2026-09-15 02:34
إذا كان الانتقال الحضاري لا يحدث بتحول المجتمع كله في لحظة واحدة، وإنما يبدأ بتكوّن قدر مترابط من الأفراد والمؤسسات والقواعد والممارسات المنتجة للقيمة، يصبح السؤال عن المواقع الاجتماعية القادرة على احتضان هذه الكتلة الحرجة الحضارية سؤالًا استراتيجيًا. وفي الحالة العراقية تبدو الجامعة من أكثر المؤسسات أهلية لأداء هذه الوظيفة؛ لأنها تجمع في فضاء واحد الإنسان والعلم والعمل والزمن والمؤسسة، وتتعامل سنويًا مع أعداد كبيرة من الشباب في مرحلة حاسمة من تكوين شخصياتهم العلمية والمهنية والاجتماعية.
ولا تعني هذه الفكرة تحويل الجامعة إلى مؤسسة لتلقين الفلسفة الحضارية، أو فرض رؤية أيديولوجية جديدة على الأساتذة والطلاب؛ فذلك يتناقض مع مفهوم المشروع الحضاري نفسه الذي يقوم على المعيارية الحضارية مع إبقاء المجال مفتوحًا للتعدد الديني والفكري والأيديولوجي. المقصود أن تصبح الجامعة بيئة تتجسد فيها منظومة القيم العليا في الممارسة المؤسسية، ويتعلم فيها الإنسان، من خلال الخبرة اليومية لا من خلال الخطاب وحده، معنى الكرامة والحرية والعدل والمسؤولية والتعاون، وقيمة العلم والعمل والوقت والجدارة والنزاهة.
فالجامعة تستطيع أن تدرس النزاهة العلمية، لكن أثرها الأعمق يتحقق عندما يرى الطالب أن الغش مرفوض فعلًا، وأن البحث يخضع لقواعد التحقق والأمانة، وأن الدرجة لا تمنح بالمحاباة، وأن الأستاذ نفسه خاضع للمعيار العلمي. وتستطيع أن تتحدث عن الحرية، لكن القيمة تصبح خبرة حضارية عندما يكون السؤال والنقد والاختلاف ممكنًا داخل المجال الأكاديمي من دون خوف، مع الالتزام بأصول البحث والحوار. ويمكنها أن تدرس العدل، لكن الطالب يتعلمه بصورة أعمق عندما يرى أن الفرص والتقويم والقبول والترقية تخضع لقواعد عامة لا للواسطة والانتماء. كما تستطيع أن تدعو إلى احترام الزمن، لكن أثرها الحقيقي يبدأ حين تحترم هي مواعيد الدراسة والبحث والامتحان وإنجاز المعاملات والمشروعات.
وبهذا المعنى تصبح الجامعة مجتمعًا حضاريًا مصغرًا يستطيع الطالب أن يختبر داخله إمكان قيام العلاقات والمؤسسات على قواعد تختلف عن بعض القواعد الفاعلة في البيئة المحيطة به. وهذه الخبرة ذات أهمية خاصة في بناء الحصانة الحضارية؛ لأن الإنسان الذي عاش سنوات داخل مؤسسة تكافئ الجدارة وتحترم الدليل والوقت والمسؤولية يكون أكثر قدرة على التعرف إلى النمط المضاد عندما يواجهه في حياته المهنية، وأكثر استعدادًا لمقاومته بدل اعتباره الطريقة الطبيعية التي تعمل بها المؤسسات.
غير أن هذا الاحتمال الإيجابي ليس مضمونًا بمجرد وجود الجامعة. فالجامعة نفسها جزء من المجتمع، ولذلك تخضع لما أسميناه الوراثة الحضارية والمحايثة الاجتماعية. يدخل إليها الأستاذ والطالب والإداري حاملين معهم جانبًا من القيم والعلاقات وأنماط السلوك الموجودة في البيئة الاجتماعية، وتظل الجامعة بعد ذلك على اتصال مستمر بهذه البيئة، تستمد منها أعضاءها وقياداتها وتوقعاتها وضغوطها. ولذلك يمكن أن تدخل إليها المحسوبية والتسييس وضعف احترام الوقت وثقافة الشهادة والتراتبية غير العلمية، فتتحول من مؤسسة يفترض أن تسهم في تغيير المجتمع إلى مؤسسة تعيد إنتاج جانب من اختلالاته.
وتظهر هنا الوظيفة الخاصة للحصانة الحضارية داخل الجامعة. فالمطلوب ليس عزل الجامعة عن مجتمعها، وهو أمر مستحيل وغير مرغوب فيه، وإنما بناء قواعد تجعلها قادرة على المحايثة من دون الاستسلام لمنطق البيئة. ويتحقق ذلك حين تتحول النزاهة العلمية والجدارة وحرية البحث والمسؤولية والمساءلة إلى قواعد مؤسسية لا تعتمد على أخلاق الأشخاص وحدها؛ لأن الجامعة التي تكون جيدة بوجود رئيس جيد ثم تتغير بتغيره لم تبن بعد حصانتها، مثلما أن القسم العلمي الذي تعتمد نزاهته على أستاذ استثنائي يفقد جزءًا كبيرًا من قدرته عند مغادرته. أما حين تتحول الممارسة الجيدة إلى قاعدة وإجراء وذاكرة مؤسسية، فإنها تصبح قابلة للاستمرار عبر تغير الأشخاص.
وتكتسب العلاقة بين الأستاذ والطالب أهمية مركزية في هذه العملية. فالأستاذ لا ينقل معرفة فحسب، وإنما يقدم، من حيث يدري أو لا يدري، نموذجًا لعلاقة الإنسان بالحقيقة والعلم والسلطة المعرفية. فإذا كان البحث عنده قائمًا على الدليل، وإذا كان قادرًا على الاعتراف بالخطأ ومراجعة الرأي، وإذا احترم عقل الطالب وكرامته، وإذا فصل بين الاختلاف الفكري والتقويم العلمي، فإنه يسهم في تكوين نمط من الشخصية يتجاوز حدود المادة التي يدرسها. والطالب بدوره لا ينبغي أن يبقى مستقبلًا للمعلومات، وإنما ينبغي أن يدخل تدريجيًا في عملية إنتاج المعرفة واختبارها وتطبيقها.
وهنا تستطيع الجامعة أن تنتقل من تدريس المجتمع إلى العمل معه على مشكلاته. فطالب الهندسة يستطيع أن يعمل في مشروع يتعلق بالنقل أو الطاقة أو المدن، وطالب الزراعة يستطيع أن يدرس إنتاجية الماء والتربة، وطالب الطب والصحة يستطيع أن يشارك في بحوث عن المشكلات الصحية الفعلية، وطالب الإدارة والاقتصاد يستطيع أن يحلل أداء مؤسسة أو سوقًا أو سلسلة إنتاج، وطالب القانون يستطيع أن يدرس أثر قاعدة قانونية في الواقع، كما يستطيع طلاب العلوم الإنسانية والاجتماعية أن ينتجوا معرفة عن المجتمع والدولة والقيم والسلوك والمؤسسات بدل الاكتفاء بتكرار المعرفة المنقولة.
وبذلك يتعلم الطالب أن العلم ليس مخزونًا من المعلومات ينتهي دوره عند الامتحان، وإنما قدرة على اكتشاف الواقع وفهم علاقاته والتدخل فيه على أساس المعرفة. ويتعلم في الوقت نفسه أن العمل ليس وظيفة ينتظر الحصول عليها بعد التخرج، وإنما تحويل للمعرفة والقدرة إلى أثر ذي قيمة. وعند هذه النقطة تلتقي وظيفة الجامعة في إنتاج العلم بوظيفتها في إعادة تعريف العمل، وتصبح السنوات الجامعية نفسها جزءًا من إنتاج القيمة بدل أن تكون مجرد مرحلة تسبق العمل الحقيقي.
ويضيف الذكاء الاصطناعي إمكانًا جديدًا لهذه الوظيفة. فهو يستطيع أن يوسع قدرة الأستاذ والطالب على الوصول إلى المعرفة وتحليل البيانات وبناء النماذج والمقارنة والتعلم والبحث، وأن يفتح أمام الجامعات العراقية فرصًا للتعاون تتجاوز الحدود المكانية. لكن القيمة الحضارية لهذه الأدوات لا تتحقق بمجرد استخدامها؛ إذ يمكن استخدامها أيضًا في إنتاج نصوص بلا فهم أو تجاوز الجهد العلمي المطلوب للتعلم. ولذلك ينبغي أن يصبح الذكاء الاصطناعي داخل الجامعة شريكًا معرفيًا يوسع قدرة الإنسان على السؤال والتحليل والتحقق والإبداع، لا بديلًا عن العقل الذي يحدد المشكلة ويحكم على النتيجة ويتحمل المسؤولية عنها.
غير أن إنتاج أفراد قادرين لا يكفي وحده لتكوين الكتلة الحرجة الحضارية. فقد يتخرج آلاف الأفراد الجيدين ثم يدخل كل واحد منهم منفردًا في مؤسسة ذات نسق مختلف، فتعمل المحايثة الاجتماعية والمؤسساتية على إعادة تكييفه مع البيئة الجديدة. ومن هنا تحتاج الجامعة إلى الانتقال من إنتاج الفرد القادر إلى إنتاج الشبكة القادرة.
وتستطيع هذه الشبكة أن تبدأ من العلاقة المستمرة بين الأستاذ وطلابه بعد التخرج، ومن التعاون بين الأقسام والجامعات، ومن المشروعات البحثية المشتركة، ومن الروابط بين الجامعات ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، ومن الاتصال المنظم بالكفاءات العراقية في الخارج. وعندئذ لا يخرج الخريج من الجامعة تاركًا وراءه بيئته العلمية، وإنما يبقى جزءًا من شبكة معرفية ومهنية يستطيع أن يستمد منها الدعم والخبرة والمعيار.
وهذا هو المستوى الذي تبدأ عنده الجامعة بالمساهمة الفعلية في بناء الكتلة الحرجة الحضارية. فالكتلة الحرجة ليست مجموع أفراد صالحين، وإنما قدرات مترابطة تستطيع أن تحمي بعضها بعضًا وتوسع المجال الذي تعمل فيه القواعد المنتجة للقيمة. والأستاذ الذي ينتج معرفة، والخريج الذي يحملها إلى مؤسسة الدولة، ورجل الأعمال الذي يستخدمها في الإنتاج، والباحث الذي يقيس النتائج، والقاضي أو الإداري أو الطبيب أو المهندس الذي يطبق معيار الجدارة والمسؤولية في مؤسسته، يستطيعون حين تتصل أدوارهم أن ينتجوا أثرًا أكبر بكثير من مجموع آثارهم الفردية المنفصلة.
ولا يشترط أن تبدأ هذه العملية من جميع الجامعات العراقية في وقت واحد. فمنطق الانتقال الحضاري نفسه يسمح ببناء نماذج تتوسع بالمراكمة. ويمكن لجامعة أو كلية أو قسم أو مركز بحث أن ينجح في بناء بيئة أعلى من حيث النزاهة العلمية والبحث المنتج والعلاقة بالمجتمع، ثم تتحول تجربته إلى معرفة قابلة للنقل. لكن النجاح لا يصبح حضاريًا بمجرد بقائه جزيرة متميزة؛ إذ ينبغي أن ينتقل من الشخص إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى الشبكة، ومن التجربة إلى القاعدة القابلة للتوسع.
وهنا تظهر أهمية الزمن. فالجامعة تمتلك قدرة خاصة لا تملكها كثير من المؤسسات لأنها لا تنتج دفعة واحدة ثم تتوقف، وإنما تستقبل في كل عام جيلًا جديدًا وتدفع إلى المجتمع جيلًا آخر. فإذا استطاعت أن تغير نوع القدرة التي تنتجها، فإن أثرها يتراكم عبر السنوات. وبعد عقد واحد مثلًا لا يكون المجتمع قد تلقى دفعة واحدة من الخريجين الذين يحملون نمطًا مختلفًا في التفكير والعمل، وإنما أجيالًا متتابعة منهم موزعة في المدارس والمستشفيات والمحاكم والشركات والوزارات والإعلام والمؤسسات العلمية وسائر مجالات الحياة.
وعندئذ يمكن للجامعة أن تتحول إلى آلية مستمرة لإنتاج وتجديد الكتلة الحرجة الحضارية.
وتزداد أهمية هذه الوظيفة إذا ارتبطت الجامعات بعضها ببعض. فالعراق لا يحتاج إلى جامعة حضارية منعزلة، وإنما إلى مجال جامعي تتبادل داخله المؤسسات المعرفة والخبرة والمعايير. ويمكن للتخصصات الموزعة بين بغداد والبصرة والموصل والنجف وكربلاء والأنبار وكردستان وسائر الجامعات العراقية أن تدخل في شبكات بحثية تتشكل حول المشكلات الكبرى: الماء، والطاقة، والزراعة، والمدن، والصحة، والتعليم، والاقتصاد، والإدارة، والذكاء الاصطناعي. وعندئذ تصبح المشكلة العراقية نفسها مجالًا يجمع المعرفة المتفرقة بدل أن تبقى الحدود الإدارية للجامعة حدودًا للقدرة العلمية.
وتستطيع هذه الشبكات كذلك أن تعيد وصل الكفاءات العراقية في الخارج بالمراكمة العلمية داخل العراق من دون اشتراط عودتها الدائمة. فالمحاضرة والبحث المشترك والإشراف والتدريب والمختبر والشبكات الرقمية والمشروعات المشتركة تستطيع أن تجعل جزءًا من المعرفة التي راكمها العراقيون في الجامعات والمؤسسات العالمية يدخل في دورة إنتاج القدرة داخل بلدهم. وبذلك تتحول الهجرة، جزئيًا، من فقد نهائي للقدرة إلى دوران للقدرة والمعرفة.
ولا يعني هذا تحميل الجامعة مسؤولية الانتقال الحضاري كله. فالجامعة نفسها تحتاج إلى دولة تحمي استقلالها، واقتصاد يستخدم المعرفة، ومؤسسات تستوعب الخريجين على أساس الجدارة، وتمويل يحترم البحث، ومجال عام يحمي حرية التفكير. لكنها تستطيع، ضمن هذه العلاقات، أن تكون إحدى أهم نقاط الرافعة في الانتقال العراقي؛ لأنها تقع في الموضع الذي يتكون فيه الإنسان القادر قبل أن يتوزع على مؤسسات المجتمع.
وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الجامعة العراقية تصبح حاضنة للكتلة الحرجة الحضارية عندما تنتقل من إنتاج الشهادة إلى إنتاج القدرة، ومن تدريس القيم إلى تجسيدها في المؤسسة، ومن نقل المعرفة إلى إنتاجها، ومن البحث المنفصل عن الواقع إلى البحث الذي يدخل في معالجة مشكلاته، ومن تخريج أفراد متفرقين إلى بناء شبكات من الأساتذة والطلاب والخريجين تستطيع حمل القاعدة الحضارية إلى الدولة والاقتصاد والمجتمع.
وعندئذ لا يكون الأثر الأهم للجامعة عدد الشهادات التي تمنحها في كل عام، وإنما مقدار القدرة الحضارية التي تضخها بصورة متواصلة في المجتمع. فكل جيل جامعي جديد يستطيع أن يضيف إلى الجيل السابق، وكل شبكة بحثية تستطيع أن تحفظ خبرتها وتوسعها، وكل خريج يدخل مؤسسة وهو يحمل معه معيارًا أعلى للعمل يستطيع أن يفتح مساحة جديدة للقيمة.
وبهذا المعنى تستطيع الجامعة أن تؤدي دورًا حاسمًا في الانتقال من الكتلة الحرجة الحضارية بوصفها احتمالًا نظريًا إلى الكتلة الحرجة بوصفها قوة اجتماعية متراكمة. فهي لا تغير المجتمع من خارجه، ولا تنتظر أن يتغير المجتمع أولًا لكي تتغير، وإنما تعمل داخله وتحت تأثيره، وتحاول في الوقت نفسه أن تنتج الإنسان والمعرفة والعلاقات والحصانة التي تمكن المجتمع تدريجيًا من تجاوز بعض آليات الوراثة الحضارية السلبية والمحايثة الاجتماعية.
وعندما يصبح هذا الإنتاج مستمرًا ومتصلًا بمؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع، تكون الجامعة قد تجاوزت وظيفتها بوصفها محطة بين المدرسة والوظيفة، وأصبحت أحد أهم المواقع التي يستطيع العراق من خلالها أن ينتج الكتلة البشرية والمعرفية والمؤسساتية القادرة على جعل القيمة تعيد إنتاج شروطها، والتقدم يعيد إنتاج قدرته على الاستمرار.