الهمجية الجديدة.. حين تُدمَّر الجامعة باسم التقدم
قراءة في كتاب ميشيل هنري: الهمجية – زمن علم بلا ثقافة
د. عقيل كريم الحسناوي
2026-04-18 05:14
ليست الهمجية، كما يظن كثيرون، عودةً إلى الكهوف أو انهيارًا أخلاقيًا فجائيًا. الهمجية قد ترتدي معطفًا أبيض، وتحمل شهادة دكتوراه، وتتحدث بلغة الأرقام والمؤشرات. هذا ما يحذّر منه الفيلسوف الفرنسي ميشيل هنري في كتابه الصادم: "الهمجية – زمن علم بلا ثقافة".
في زمنٍ تُقاس فيه قيمة الأشياء بعدد "البيانات" التي تُنتجها، وبالسرعة التي تنتقل بها "المعلومات" بين الشاشات، يأتي كتاب ميشيل هنري هذا كصفعةٍ فلسفية على وجه الطمأنينة الحديثة: ليس الخطر في نقص العلم، بل في هيمنة نوعٍ واحد من المعرفة حتى يبتلع بقية طرق الفهم، ويحوّل الإنسان من كائنٍ حيٍّ إلى "وظيفة" داخل ماكينة.
حين تتحول المعرفة إلى إقصاء للحياة، يرسم المؤلف صورةً صادمة للحداثة المتأخرة: العلم -حين يُختزل إلى موضوعيةٍ باردة- لا يكتفي بتفسير العالم؛ بل يفرض معيارًا واحدًا للمعنى. وباسم الفعالية والقياس تُستبعد مجالات كاملة: الفن، الدين، الأخلاق، وحتى التجربة الداخلية التي بها نحيا ونشعر ونرغب ونخاف. يصبح الإنسان "معطى" ضمن منظومة، لا ذاتًا تتألم وتفرح وتبحث عن معنى.
لا يهاجم المؤلف العلم، بل يهاجم لحظة تحوّله إلى معيار وحيد للحقيقة، إلى سلطة تُقصي كل ما لا يُقاس، ولا يُختزل إلى رقم، ولا يُترجم إلى أداء. حينها لا ينهار الجهل، بل تنهار الثقافة نفسها.
لكن أخطر تجليات هذا الانهيار، في نظر هنري، ليست في الشارع ولا في السياسة، بل في الجامعة.
تدمير الجامعة: حين تتحول المعرفة إلى تدريب وظيفي
يخصّص هنري فصلًا لافتًا بعنوان صادم: "تدمير الجامعة". واللافت أن هذا التدمير لا يأتي عبر قصفٍ أو إغلاقٍ مباشر، بل عبر ما يبدو إصلاحًا إداريًا عقلانيًا. اذ ان الجامعة، التي كانت فضاءً لتكوين العقل النقدي، ومكانًا لسؤال الحقيقة، تتحول تدريجيًا إلى:
- مصنع شهادات
- مركز تدريب مهني
- مؤسسة خاضعة لمؤشرات الأداء
- ذراع ملحقة بسوق العمل
لم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بل: كم ننتج؟
لم يعد الهدف: تكوين إنسان مثقف. بل: إعداد موظف كفء.
بهذا المعنى، لا تُدمَّر الجامعة عبر منع الكتب، بل عبر إفراغها من روحها. تُختزل الفلسفة لأنها -غير منتجة-، تُهمَّش الآداب لأنها -لا تخلق وظائف-، ويُختبر البحث العلمي بعدد الاستشهادات لا بعمق الفكرة. إنها همجية ناعمة، تُمارَس باسم التطوير.
العلم بمفرده.. تقنية بلا روح
يشرح هنري أن الخطر لا يكمن في العلم ذاته، بل في انفصاله عن الثقافة. حين يصبح العلم تقنيةً فقط، ويتحوّل الإنسان إلى موضوع قياس، تفقد المعرفة بعدها الإنساني. في هذه اللحظة:
- تختفي التجربة الداخلية.
- يُقصى الألم والفرح بوصفهما غير موضوعيين.
- تُختزل الحياة في بيانات.
والجامعة، بدل أن تكون حارس الثقافة، تصبح حارس التقنية.
أيديولوجيا الكفاءة.. ضد الإنسان
في عصر المؤشرات العالمية والتصنيفات الدولية، تتعرض الجامعات لضغط هائل:
عدد الأبحاث، عدد المشاريع، عدد الشراكات، عدد الخريجين.
لكن من يسأل: ماذا عن نوعية التفكير؟
ماذا عن الفلسفة؟
ماذا عن الأسئلة الكبرى؟
حين تُقاس المعرفة بمقياس السوق فقط، يتحول الطالب إلى استثمار، والباحث إلى منتِج، والأستاذ إلى مدير مشروع. هذا ليس إصلاحًا، بل تغيير جذري في معنى التعليم.
الجامعة كحصن أخير للثقافة
يرى المؤلف أن الجامعة كانت آخر فضاء يحمي الثقافة من هيمنة السوق. فإذا سقطت الجامعة في منطق الكفاءة التقنية الصرف، فإن المجتمع يفقد ميزانه.
حينها:
- لا يبقى مكان للتأمل.
- لا يبقى مجال للنقد.
- لا يبقى زمن للبطء الفكري.
وتتحول الحضارة إلى ماكينة ضخمة... بلا روح.
الخطر الحقيقي
لأن ما كتبه هنري قبل عقود، نعيشه الآن بوضوح:
- تعليم رقمي سريع بلا عمق.
- سباق جامعات نحو التصنيف لا نحو المعنى.
- تخصصات تُغلق لأنها غير مربحة.
- ثقافة تُختزل إلى نشاط جانبي.
الهمجية، كما يفهمها هنري، ليست نقصًا في التكنولوجيا، بل نقصًا في الثقافة داخل التكنولوجيا. فالخطر ليس أن تصبح الجامعات أكثر حداثة، بل أن تفقد سؤالها الجوهري: ما معنى أن نكون بشرًا؟
فإذا تحولت الجامعة إلى شركة، والبحث إلى سلعة، والعلم إلى تقنية صماء، فإن الهمجية لن تأتي من الخارج... بل من داخل مؤسساتنا الأكثر احترامًا.
وهنا يكمن تحذير ميشيل هنري: المجتمع الذي يدمّر جامعته باسم التقدم، إنما يدمّر إنسانيته باسم العقل.