من سومر إلى وول ستريت.. هل يستعين الغرب بحضارة العراق لمواجهة أزمة الديون؟

محمد مهدي صالح

2026-08-26 03:27

بعدما تجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار، أعادت «نيويورك تايمز» إلى النقاش فكرة وُلدت في بلاد الرافدين قبل أكثر من أربعة آلاف عام، حين كانت السلطات تلجأ إلى إسقاط أنواع من الديون لمنع اختلال المجتمع والاقتصاد؛ غير أن المسافة بين ألواح الطين وسندات الخزانة تظل واسعة، وتجعل استلهام التجربة ممكناً فكرياً أكثر منه وصفة قابلة للاستنساخ.

في منتصف أغسطس/آب 2026 عبر الدين القومي للولايات المتحدة عتبة لم يبلغها من قبل، بعدما أظهرت بيانات وزارة الخزانة أن إجمالي الدين العام المستحق تجاوز 40 تريليون دولار، منها أكثر من 32 تريليوناً في صورة أوراق مالية حكومية يحملها الجمهور والمؤسسات والمستثمرون، فيما يمثل الجزء المتبقي التزامات داخل الحكومة نفسها. لم يكن الرقم مجرد محطة محاسبية جديدة في مسار ممتد منذ عقود، إذ جاء في وقت ترتفع فيه كلفة خدمة الدين وتقترب عوائد السندات طويلة الأجل من مستويات لم تشهدها الأسواق منذ سنوات طويلة، بينما أصبحت مدفوعات الفائدة واحدة من أكبر بنود الإنفاق الاتحادي.

وسط هذا المشهد، جاء الاقتراح من مكان غير متوقع. ففي 22 أغسطس/آب نشرت «نيويورك تايمز» مقال رأي للكاتب بول فيغنا بعنوان «حل سومري قديم لعجزنا البالغ 40 تريليون دولار»، أعاد فيه فتح ملف كان يبدو حتى وقت قريب أقرب إلى اختصاص علماء تاريخ الاقتصاد منه إلى نقاشات وول ستريت وواشنطن: ماذا فعل سكان بلاد الرافدين عندما أصبحت الديون أثقل من قدرة المجتمع على تحملها؟ وتظهر خلاصة الصحيفة المنشورة في ذلك اليوم أن المقال انطلق تحديداً من حقيقة أن إعفاء الديون كان أداة دورية في اقتصادات العالم القديم، متسائلاً عن أسباب اختفاء تلك الفكرة تقريباً من الأدوات الاقتصادية المعاصرة.

لم يقدم فيغنا نفسه باعتباره مؤرخاً يريد استعادة الماضي لذاته، بل استخدمه لمناقشة حاضر مالي يتسع فيه حجم الالتزامات بصورة أسرع من قدرة الحكومات على إغلاق العجز. وبحسب طرحه، فإن إضافة ديون الولايات والشركات والمستهلكين إلى الدين الاتحادي ترفع مجموع الديون داخل الاقتصاد الأميركي إلى نحو 77 تريليون دولار، مقابل ناتج محلي إجمالي سنوي يبلغ قرابة 32 تريليوناً، فيما يتجاوز الدين العالمي 350 تريليون دولار. ومن هذه الأرقام انتقل إلى فكرة مفادها أن المجتمعات القديمة لم تكن دائماً تنتظر حتى يفعل تراكم الديون فعله، بل كانت تملك آلية سياسية لإيقاف المسار عندما يصبح خطراً على استقرار النظام نفسه.

هذه الآلية حملت في سومر اسماً ارتبط لاحقاً بفكرة التحرر، هو «أمارغي». وتشير الدراسات التاريخية إلى أن إنتمينا، حاكم مدينة لكش في جنوب بلاد الرافدين في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، أصدر أحد أقدم المراسيم المعروفة لإلغاء ديون والتزامات زراعية، ثم تكررت إجراءات مشابهة في مراحل لاحقة من تاريخ بلاد الرافدين. وتوضح دراسات مايكل هدسون أن الممارسة لم تكن حدثاً منفرداً، إذ ظهرت مراسيم أخرى في لكش وأور وإيسن ومدن مختلفة، وتطورت لاحقاً إلى تقليد أكثر انتظاماً في بعض الممالك الرافدينية.

غير أن صورة «إلغاء كل الديون» التي توحي بها بعض القراءات المعاصرة تحتاج إلى قدر من التدقيق. فالمؤرخة أماندا بوداني، أستاذة تاريخ الشرق الأدنى القديم، شرحت في برنامج لصحيفة «فايننشال تايمز» عن أزمات الدين في بلاد الرافدين أن الإعفاءات كانت تستهدف، في الأساس، الديون الشخصية الناشئة عن الحاجة والفقر والالتزامات التي قد تدفع الأسر إلى فقدان حريتها أو دخول أفرادها في خدمة الدائنين، بينما لم تكن المعاملات التجارية والاستثمارات بين التجار تُمحى بالطريقة ذاتها. كما أن بعض المراسيم كانت تحرر أشخاصاً وقعوا في عبودية الدين وتعيد ترتيب الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية، بما يسمح للمجتمع بالعودة إلى العمل والإنتاج.

كان منطق تلك السياسة مرتبطاً ببنية الدولة القديمة بقدر ارتباطه بوضع المدين نفسه؛ فالمزارع المثقل بالديون لم يكن مجرد فرد يعاني من التزام مالي، وإنما عنصراً في منظومة الإنتاج والضرائب والخدمة العامة والقوة العسكرية، وإذا فقد أرضه أو حريته لمصلحة دائن خاص فإن الدولة نفسها كانت تخسر جزءاً من قاعدتها الاقتصادية. ولهذا لم تكن إعادة ضبط الديون عملاً خيرياً بالمعنى الحديث، بل تدخلاً سيادياً لمنع تحول المديونية الخاصة إلى إعادة توزيع واسعة للأرض والقوة الاقتصادية، ثم إلى اضطراب اجتماعي يمكن أن يهدد سلطة الدولة.

هنا تقع جاذبية التجربة القديمة بالنسبة إلى النقاش الأميركي الراهن، لكنها أيضاً النقطة التي تبدأ عندها حدود المقارنة. فالولايات المتحدة لا تواجه اقتصاداً زراعياً محدود الأطراف يستطيع حاكمه تحطيم لوح طيني فتسقط معه سلسلة من الالتزامات؛ الدين الأميركي موزع عبر شبكة هي الأكبر والأكثر تعقيداً في النظام المالي العالمي، وسندات الخزانة التي تظهر في حسابات الحكومة باعتبارها ديناً تظهر في الطرف الآخر باعتبارها أصولاً تملكها صناديق تقاعد وبنوك وشركات تأمين ومستثمرون وبنوك مركزية وحكومات أجنبية، كما تشكل أساساً للتسعير والضمان والسيولة في أسواق دولية تمتد بعيداً عن الولايات المتحدة.

ولذلك فإن محو الدين الحكومي الأميركي لا يعني اختفاء رقم من ميزانية واشنطن بقدر ما يعني، في صورته الحرفية، إلغاء جزء من ثروة الدائنين أيضاً، وهو ما يمكن أن يهز الثقة بسوق السندات ويرفع تكلفة الاقتراض ويضعف الميزانيات العمومية للمؤسسات المالية ويثير أسئلة تتجاوز الاقتصاد الأميركي إلى موقع الدولار والنظام النقدي العالمي. لهذا يظل الانتقال المباشر من «أمارغي» السومرية إلى سندات الخزانة الحديثة مقارنة جذابة فكرياً، لكنها شديدة الصعوبة عند اختبارها بآليات الاقتصاد المعاصر.

حتى الكاتب الذي أعاد الفكرة إلى واجهة النقاش لم يُخفِ الطبيعة الجذرية لطرحه. ففي تعليق نشره بعد مقاله، قال فيغنا إنه يرى في إعفاء الديون وسيلة لإعادة ضبط نظام وصلت التزاماته إلى مستويات لا يعتقد أن الضرائب أو التقشف أو النمو وحدها قادرة على تخفيضها بسهولة، وذهب إلى الدعوة إلى التفكير في إلغاء واسع للديون. إلا أن ذلك يبقى موقفاً لكاتب رأي، وليس برنامجاً اعتمدته وزارة الخزانة أو مجلس الاحتياطي الاتحادي أو الإدارة الأميركية، ولا توجد حتى الآن مؤشرات على أن واشنطن تتجه إلى تطبيق صيغة حديثة من المرسوم السومري.

في المقابل، فإن الأزمة التي دفعت هذا الطرح إلى الظهور ليست افتراضية. فقد ذكرت رويترز في 25 أغسطس/آب أن الأسواق بدأت تعيد تقييم العلاقة بين حجم الاقتراض الحكومي والعوائد التي تطلبها لتمويله، في ظل عجز سنوي يقترب من ستة في المئة من الناتج المحلي، وارتفاع مدفوعات الفائدة إلى نحو ثلاثة في المئة من الناتج، بينما لم تعد الولايات المتحدة تستفيد من البيئة القديمة التي كانت تسمح فيها معدلات الفائدة المنخفضة للنمو الاقتصادي بأن يسبق تكلفة الاقتراض. ولا تشير الأسواق حتى الآن إلى أزمة سيادية وشيكة، لكن التحول في شروط التمويل جعل استمرار المسار المالي الحالي أكثر كلفة مما كان عليه خلال العقد السابق.

كما حاولت وزارة الخزانة تخفيف بعض الضغوط في سوق السندات عبر زيادة عمليات إعادة شراء الأوراق طويلة الأجل بهدف دعم السيولة، وهي خطوة أثرت مؤقتاً في العوائد لكنها لم تغير الأسباب الهيكلية للعجز أو الحاجة المستمرة إلى إصدار المزيد من الدين. وقد أظهرت ردود فعل المحللين أن مثل هذه الإجراءات قد تساعد السوق في فترات الاضطراب، لكنها لا تعادل حلاً دائماً لمسار مالي يقوم على عجز مرتفع وتكاليف فائدة متزايدة.

من هذه الزاوية، تبدو العودة إلى بلاد الرافدين أقل غرابة مما توحي به المسافة الزمنية. فالفكرة التي تستحق الدراسة ليست بالضرورة أن تلغي الولايات المتحدة أربعين تريليون دولار بمرسوم، وإنما أن المجتمعات القديمة ميزت بين الدين بوصفه أداة لتنظيم النشاط الاقتصادي وبين تحوله إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل المجتمع بطريقة تهدد استمرار الدولة نفسها. هذا المبدأ يمكن أن يجد في العصر الحديث صوراً مختلفة تماماً، من إعادة هيكلة الديون إلى تمديد آجالها وتعديل أسعار الفائدة والإصلاح الضريبي وضبط الإنفاق ومعالجة بعض أشكال المديونية الشخصية، وصولاً إلى استخدام التضخم في بعض المراحل التاريخية لتقليل القيمة الحقيقية للالتزامات المتراكمة.

ومع ذلك، فإن أي استعانة بالتاريخ تتطلب الحذر من إسقاط مفاهيم الحاضر على الماضي. لم تكن لكش دولة ذات عملة احتياط عالمية، ولم تكن ديونها متداولة في أسواق مالية مفتوحة، كما أن السلطة السياسية القديمة كانت تملك قدرة على التدخل في العلاقات الاقتصادية لا تستطيع حكومة حديثة استخدامها من دون آثار قانونية ومؤسساتية واسعة. وفي الاتجاه المعاكس، لا يعني اختلاف النظامين أن التجربة القديمة فقدت قيمتها، لأن وظيفة التاريخ الاقتصادي ليست تقديم وصفة جاهزة بقدر ما تكشف أن مشكلات تبدو شديدة الحداثة سبق أن واجهت المجتمعات البشرية بأشكال مختلفة.

ومن المفارقات أن هذا النقاش يأتي من حضارة قامت في أرض العراق الحالي، بينما يواجه الاقتصاد العراقي المعاصر تحديات تختلف جذرياً عن تلك التي عرفتها المدن السومرية، وفي مقدمتها الاعتماد الكبير على إيرادات النفط وضعف التنويع واتساع دور الإنفاق العام. ولا تمنح المكانة الحضارية للدولة الحديثة تفوقاً اقتصادياً تلقائياً، كما لا يجوز قراءة العودة الغربية إلى التاريخ السومري باعتبارها اعترافاً بوجود «نموذج عراقي» جاهز للتطبيق، فالعلاقة هنا فكرية وتاريخية وليست انتقالاً للسياسات بين بغداد وواشنطن.

لكن المفارقة تبقى لافتة؛ ففي وقت يتعامل فيه الاقتصاد الأميركي مع أدوات مالية لا يمكن مقارنتها من حيث الحجم والتعقيد بأي شيء عرفه العالم القديم، يجد نقاشه حول الدين نفسه أمام مبدأ صاغته مجتمعات بلاد الرافدين قبل أكثر من أربعة آلاف عام: عندما تصبح الالتزامات المالية قادرة على تفكيك قاعدة المجتمع الاقتصادية، فإن استمرارها بلا مراجعة قد لا يكون أكثر عقلانية من تعديلها.

وقد وصل هذا النقاش إلى لحظة أوسع من مقال رأي واحد. ففي اجتماع جاكسون هول الذي يشكل أحد أهم الملتقيات السنوية لصناع السياسة النقدية، عادت مسألة الديون الحكومية المتصاعدة وكلفة تمويلها وعلاقة البنوك المركزية بها إلى الواجهة، فيما أشارت رويترز إلى أن مقترحات جذرية مثل إلغاء الديون أصبحت جزءاً من النقاش المحيط بمشكلة أكبر تتعلق بحدود قدرة الحكومات على الاقتراض من دون التأثير في استقلال السياسة النقدية وثقة الأسواق. ولا يعني ذلك أن الإعفاء الشامل أصبح خياراً رئيسياً، إذ ما زال التحذير من أضراره على الثقة والاستقرار المالي يمثل الاتجاه الغالب بين الاقتصاديين، لكنه يؤكد أن السؤال الذي أعاده فيغنا من التاريخ لم يظهر في فراغ.

لهذا يصعب القول إن الغرب يستعد للاستعانة بالحضارة العراقية للقضاء على أزمته الاقتصادية، فليس هناك مشروع غربي بهذا المعنى، كما أن أزمة الأربعين تريليون دولار أميركية في الأساس ولا تختصر أوضاع الاقتصادات الغربية الأخرى. الأدق أن أزمة الدين في أكبر اقتصاد عالمي أعادت إلى المجال العام فكرة اقتصادية ظهرت في بلاد الرافدين، وأجبرت النقاش على النظر مرة أخرى في الحدود الفاصلة بين حماية حقوق الدائنين وحماية استقرار النظام الذي يجعل تلك الحقوق ممكنة أصلاً.

بين ألواح الطين التي كانت تسجل الالتزامات في مدن سومر وشاشات التداول التي تسعر سندات الخزانة الأميركية اليوم تغير شكل المال والدولة والأسواق، لكن معضلة تراكم الدين لم تختفِ. وما تقدمه بلاد الرافدين للنقاش المعاصر ليس حلاً يمكن نقله بعد أربعة آلاف عام كما هو، بل سابقة تاريخية تقول إن الحضارات التي شاركت في تطوير أقدم أنظمة الحساب والائتمان أدركت أيضاً أن النظام المالي يحتاج أحياناً إلى حدود سياسية واجتماعية تمنع الدين من التحول من وسيلة لتمويل الاقتصاد إلى عبء يهدد استقراره. 

وإذا كانت واشنطن لن تصدر على الأرجح «أمارغي» جديدة، فإن عودة المصطلح السومري إلى صفحات النقاش الاقتصادي الأميركي تكشف على الأقل أن واحدة من أقدم الأسئلة التي طرحتها حضارات العراق لم تفقد راهنيتها: كيف يحافظ المجتمع على قيمة الالتزامات من دون أن تصبح تلك الالتزامات أثقل من المجتمع نفسه؟

ذات صلة

البيان الجلي في تفسير الإمام الحسن المجتبى(ع)هل يكون الحقّ وسيلة للتفوّقالرأسمالية ودين الحداثة.. حين يتحول المال من وسيلة إلى قوة مقدسةأثر فقدان مصداقية الدولة على قوتها وهيبتها ونفوذهالماذا تحتاج المجتمعات إلى الاعتبار أكثر من الفخر؟