الحرب على ايران.. أرباح للدولار والنفط الامريكي
شبكة النبأ
2026-03-05 04:40
استعاد الدولار الأمريكي بريقه التقليدي كملاذ آمن عالمي في أعقاب الضربات العسكرية الأمريكية الأخيرة على إيران، وهو تحول أعاد الطمأنينة للمستثمرين بعد أشهر من الشكوك المتزايدة حول جاذبية العملة في أوقات الأزمات. وتأتي هذه العودة القوية لتنهي حالة الارتباك التي سادت الأسواق منذ "يوم التحرير" في أبريل 2025، حينما أخفق الدولار في الارتفاع خلال موجة البيع الناتجة عن الرسوم الجمركية، نظراً لكون الولايات المتحدة هي مصدر الخطر آنذاك. أما اليوم، ومع انتقال مركز الثقل للأزمة إلى الساحة الدولية وتفاقم التوترات في الشرق الأوسط، قفز مؤشر الدولار ليسجل أفضل أداء يومي له في سبعة أشهر، مستنداً إلى حقيقة هيكلية مفادها أن سوق سندات الخزانة الأمريكية تظل السوق الوحيدة القادرة على استيعاب تدفقات السيولة الضخمة الهاربة من المخاطر.
ولم تقتصر قوة الدولار في هذه الأزمة على دوره كمخزن للقيمة فحسب، بل تعززت بمكانة الولايات المتحدة الجديدة كمصدر صافٍ للطاقة، مما جعل اقتصادها وعملتها في مأمن من صدمات الأسعار التي تضرب الدول المعتمدة على الاستيراد. وبالتوازي مع هذا الصعود، شهدت أسواق الطاقة غلياناً ملحوظاً مع تجاوز خام برنت حاجز 85 دولاراً ووصول أسعار الغاز في أوروبا إلى مستويات قياسية، نتيجة التهديدات التي طالت مضيق هرمز وإمدادات الغاز المسال القطرية. هذا المشهد المتفجر يضع شركات الطاقة الكبرى مثل "إكسون موبيل" و"شيفرون" أمام فرص لتحقيق أرباح استثنائية، على غرار ما حدث بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، ويعيد توجيه بوصلة الاستثمارات نحو مشاريع النفط الصخري في حوض "بيرميان" لتعويض النقص المفاجئ في الإمدادات العالمية.
الدولار يستعيد مكانة الملاذ الآمن
يطمئن الارتفاع الحاد في قيمة الدولار بعد الضربات الأمريكية على إيران المستثمرين بأن العملة لا تزال تمثل ملاذا آمنا عالميا، إذ استعاد الدولار دوره التقليدي في أوقات الأزمات مع تفاقم التوتر الجيوسياسي في الشرق الأوسط.
وتأتي استعادة الدولار لمكانته ملاذا آمنا بعد أشهر من الشكوك المتزايدة حول جاذبيته في أوقات الأزمات، وهي شكوك ترسخت عندما لم ترتفع العملة خلال موجة البيع التي اجتاحت الأسواق العالمية العام الماضي بسبب الرسوم الجمركية.
والاثنين، ارتفعت العملة الأمريكية على نطاق واسع إذ صعد مؤشر الدولار واحدا بالمئة تقريبا، وهو أفضل يوم له في سبعة أشهر. وسجل المؤشر، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية مقابل مجموعة من العملات، 98.49 يوم الثلاثاء.
وقال إريك ثيوريت محلل الصرف الأجنبي في سكوتيا بنك "أعتقد أن اليوم هو يوم مثالي لتجنب المخاطر من منظور الدولار الأمريكي".
وأضاف "أعتقد أن يوم التحرير كان خروجا واضحا عن النمط التاريخي الذي اعتدنا عليه"، في إشارة إلى يوم الإعلان عن فرض رسوم جمركية أمريكية شاملة في الثاني من أبريل نيسان 2025، مما أدى إلى موجة بيع حادة في الأسواق العالمية، شملت الدولار.
ويمثل هذا انفراجة مرحبا بها بالنسبة للدولار، الذي تعرضت مكانته التي حظي بها لوقت طويل بوصفه من أصول الملاذ الآمن للتحدي في الأشهر القليلة الماضية من قبل اليورو والين وأيضا الذهب.
ويرى المحللون إن متانة الأسواق الأمريكية كانت عاملا مواتيا للدولار.
وقال ثيوريت "إذا كنت تبحث عن تقليل المخاطر وتقليص حجمها، فإن سوق سندات الخزانة الأمريكية هي السوق الوحيدة التي يمكنها التعامل مع هذه التدفقات". وعندما يقبل المستثمرون العالميون على سندات الخزانة الأمريكية خلال الأزمات، فإن ذلك يؤدي إلى ارتفاع الطلب على الدولار.
وقال دون كالكاني كبير مسؤولي الاستثمار في شركة ميرسر أدفايزورز في دنفر، إن عدم وجود بدائل للدولار يجعل من الصعب على المستثمرين الابتعاد عنه في أوقات التقلبات الشديدة.
وأضاف "لذلك، ربما لا يفاجئني أننا ما زلنا نرى الدولار يؤدي دوره باعتباره ملاذا آمنا".
* جاذبية الملاذ الآمن سليمة
قال محللون إن فشل الدولار في جذب تدفقات الملاذات الآمنة خلال اضطرابات السوق العام الماضي نجم بشكل كبير عن حقيقة أن الولايات المتحدة نفسها كانت مصدر الخطر، إذ أدت رسومها الجمركية إلى موجة بيع عالمية وتركت المستثمرين غير راغبين في اللجوء إلى عملة البلد الذي تسبب في حالة عدم اليقين.
وقال بنجامين فورد الباحث في شركة ماكرو هايف المتخصص في أبحاث واستراتيجيات الاقتصاد الكلي "أدى يوم التحرير إلى تراجع مكانة الدولار المركزية... وبدأ المستثمرون في تفضيل (بقية العالم)".
وأضاف فورد "أدت صدمة النفط بعدها إلى إخافة المستثمرين العالميين وابتعادهم عن المراكز التي كانوا يسعون إليها على مدى الأشهر الثلاثة السابقة، مما أدى إلى حصولهم على مراكز طويلة صافية من الدولار".
وقال جون فيليس محلل الاقتصاد الكلي في الأمريكتين لدى بي.إن.واي إن جاذبية الدولار باعتباره ملاذا آمنا تضررت عندما كان المستثمرون قلقين بشأن صدمة نابعة من داخل الولايات المتحدة، لكن جاذبيته كملاذ آمن تبدو سليمة عندما بات الأمر متعلقا بأزمة جيوسياسية دولية.
وأضاف فيليس "تشير الأدلة الآن بالتأكيد إلى ذلك".
* ليس بهذه السرعة
مع ذلك، لا يثق الجميع في أن الدولار سيظل دوما ملاذا آمنا بهذه القوة في ظروف أخرى.
وقالت جين فولي رئيسة قسم استراتيجية العملات الأجنبية في رابو بنك "أعتقد أن نشاط اليوم سيطمئننا بعض الشيء إلى أن الدولار لا يزال يتمتع بخصائص الملاذ الآمن".
وأضافت "مع ذلك، أعتقد أن الجدل لم ينته بعد".
والاثنين، لم يكن الدولار مدعوما فقط بالتدفقات على الملاذ الآمن، بل أيضا بمكانة الولايات المتحدة بوصفها مصدرا صافيا للطاقة، مما يحمي الاقتصاد الأمريكي من صدمات أسعار النفط التي عادة ما تضرب الاقتصادات المعتمدة على الواردات.
وشكك آرون هيرد كبير مديري المحافظ في ستيت ستريت لإدارة الاستثمارات في أن الدولار سيحقق نفس الأداء الجيد في مواجهة صدمة غير مرتبطة بالطاقة أو مخاوف بشأن السيولة.
وقال "إذا كان الأمر مجرد مخاوف اقتصادية عامة، أعتقد أن الدولار سيكون أقل فاعلية بكثير".
ونظرا للعجز المالي المرتفع في الولايات المتحدة وتقلب السياسات لديها والمستوى المرتفع بوجه عام من الانكشاف العالمي على الأصول الأمريكية، توقع هيرد أن يكون الدولار، في المتوسط، أكثر ارتباطا بالأصول الخطرة خلال الصدمات الكبيرة.
وعلى المدى القريب يرى فورد، من ماكرو هايف، أن مسار الدولار يتوقف على اتجاه النفط.
وقال "إذا استمر ارتفاع أسعار النفط وانخفاض الرغبة في المخاطرة في العالم، فسيواصل الدولار جذب" المستثمرين.
وأضاف فورد، الذي يرى أن هذا السيناريو يصب في صالح الفرنك السويسري والين الياباني، "مع ذلك، إذا انخفضت أسعار النفط، فقد نرى عودة الملاذات الآمنة المعتادة إلى الصدارة".
هل تجني شركات النفط الأميركية أعلى الأرباح من الحرب على إيران؟
كما ارتفعت أسعار النفط والغاز بشكل كبير منذ بدء الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران السبت، وهو أمر يرجّح بأن يؤدي إلى تحقيق أرباح أكبر لشركات الطاقة.
لكن السؤال الذي لا يزال قائما هو ما إذا كانت الحرب الجديدة في الشرق الأوسط ستؤدي أيضا إلى زيادة الاستثمار في حقول النفط.
تزيد الأزمات الجيوسياسية أرباح قطاع النفط إذا أدى اضطراب الإمدادات إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية. هذا ما حصل بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.
وفي الفصل الثالث من العام 2022، سجّلت “إكسون موبيل” و”شيفرون” معا أرباحا تجاوزت قيمتها 30 مليار دولار. وتعززت النتائج بفضل ارتفاع أسعار الخام والغاز الطبيعي.
والثلاثاء، ارتفعت عقود النفط الآجلة من خام برنت لمدة وجيزة متجاوزة 85 دولارا للبرميل، بينما وصلت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا إلى أعلى مستوى لها منذ عام 2023.
تعكس هذه الزيادات استجابة السوق للإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الممر المائي حيث تمرّ حوالى 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية. وأما الزيادة في أسعار الغاز الطبيعي فتعود إلى تعليق شركة “قطر للطاقة” إنتاج الغاز الطبيعي المسال.
وقال جون كيلدوف من شركة “أغين كابيتال” Again Capital الاستشارية “بالتأكيد يستفيد المنتجون من ارتفاع الأسعار هكذا.. سيساعد ذلك حتما أرباحهم”.
ويبقى السؤال ما إذا كانت أسعار السلع الأساسية ستبقى مرتفعة.
هل ستستثمر الشركات الأميركية في إنتاج المزيد من النفط والغاز الطبيعي؟
لا يتوقع المحللون المتخصصون في شؤون الطاقة من الشركات حفر المزيد من الآبار أو زيادة ميزانيات رأس المال إلا إذا لاحظت أن الانقطاعات سيطول أمدها. ويتطلب الاستثمار في مشاريع لن تتحقق قبل شهور أو سنوات ثقة بأن الأسعار ستبقى مرتفعة.
وقال دان بيكرينغ من “بيكرينغ إنرجي بارتنرز” Pickering Energy Partners “ما تحتاج الشركات الأميركية إلى رؤيته هو استمرار ارتفاع الأسعار لفترة طويلة”، متوقعا بأن تصل أسعار النفط إلى مئة دولار للبرميل إذا بقي مضيق هرمز مغلقا لفترة طويلة.
لكن انقطاعا مطوّلا من هذا القبيل هو أمر غير مؤكد إطلاقا.
والثلاثاء، قال الرئيس دونالد ترامب الذي يولي اهتماما بالغا للأثر السياسي لأسعار البنزين قبيل انتخابات التجديد النصفي، إن البحرية الأميركية سترافق ناقلات النفط عبر مضيق هرمز إذا دعت الحاجة وأمر بتأمين الشحن البحري.
أدى الإعلان إلى تراجع طفيف في أسعار النفط التي أنهت الجلسة عند مستويات أقل من تلك المسجّلة في بدايات التداول.
يشير كين ميدلوك من “معهد بيكر للسياسة العامة” Baker Institute for Public Policy التابع لـ”جامعة رايس” في هيوستن إلى أن أسعار النفط قد تتراجع إذا لجأت الولايات المتحدة والصين وغيرهما إلى المخزونات المخصصة للطوارئ.
ويوضح أن أسواق العقود الآجلة تظهر حاليا تراجعا تدريجيا لأسعار النفط في النصف الثاني من 2026، ما يشي بأن “السوق يرى أن ما يجري هو (اضطراب) قصير الأمد”.
إلى أي حد يمكن أن تزداد إمدادات الطاقة الأميركية وأين ستتركز الاستثمارات؟
فيما يتوقّع بأن يستفيد قطاع الطاقة الأميركي من انقطاعات النفط والغاز من الشرق الأوسط، لا يمكن للولايات المتحدة “ببساطة كبس زر لإيجاد بديل يعوض الانقطاعات الكبيرة والمفاجئة من الشرق الأوسط”، بحسب ما أفاد براين كيسنز من “ترتويز كابيتال” Tortoise Capital.
استفادت بعض الجهات في قطاع النفط بالفعل من الفوضى. وقال كيسنز إن المنتجات المكررة التي تأثرت بانقطاع الإمدادات من مضيق هرمز عززت هوامش الربح لمصافي ساحل الخليج الأميركي.
ومن بين المستفيدين على الأمد القصير أيضا مصدّرو الغاز الطبيعي المسال الذين لا تحدد عقود طاقاتهم الإنتاجية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن “أي زيادة فعلية ذات أهمية في الإمدادات تتطلب عادة من عدة أشهر إلى عدة سنوات”.
وفي ما يتعلق بالاستثمارات المحتملة في قطاع التنقيب والإنتاج، يقول محللون إن الوجهة الأرجح للاستثمارات إضافية ستكون أصول النفط والغاز الصخري، مثل حوض بيرميان في الولايات المتحدة نظرا لنشاط الشركات هناك وقصر فترة استرداد التكاليف مقارنة بغيرها من المشاريع.
وقال بيكرينغ إن “التركيز سينصب على الأنشطة ذات الدورة القصيرة والنتائج السريعة، مثل النفط الصخري الأميركي، وربما فنزويلا نوعا ما.. ثم سيتجه الاستثمار بعد ذلك إلى المشاريع طويلة الأجل مثل الاستكشاف والأنشطة البحرية”.